الملحق الثقافي

أبوظبي ـ برلين: «أكشن»!

عندما تصبح أي مناسبة فنية أو ثقافية هي حديث المدينة وضوءها وصداها وشغلها الشاغل، فاضمن لهذه المناسبة النجاح، وعندما يصبح الاحتفال بمهرجان ما هو احتفال حار ومتوهج وموصول بنبض المكان وفضول سكانه وانجذابهم له واشتباكهم مع برامجه وفعالياته، فاضمن لهذا الاحتفال الاستمرارية والتنوع الإبتكار في برامجه المستقبلية، ولعل في هذا الوصف الارتجالي ما يمكن أن يلخص حال مهرجان برلين السينمائي، أو (البرلينالا) حسب التحوير اللغوي المختصر للمهرجان، والذي ينطق به سكان هذه المدينة الألمانية المتألقة والزاهية بتاريخها وإرثها وعراقتها.

رغم المناخ الشتوي القارص الذي طغى على أجوائه، ورغم ضبابية المسارات التي باتت تسلكها السينما الفنية المستقلة، إلا أن مهرجان برلين العتيد، ورغم كل العوائق الوهمية، استطاع أن ينشر الدفء والحميمية الفنية في أروقته، واستطاع أن يقتنص وفي بداية الموسم السينمائي الشتوي العديد من الأفلام التي أحيت مجددا تقاليد الفيلم الأوروبي، الذي يستقي رصانته وتماسكه الفني من إرث صلد، وحيوية متمازجة مع الحراك الاجتماعي الفائر في عصر الحداثة والوسائط التقنية المبهرة، وأصبح هوى المهرجان في دورته الثانية متداخلا وبشكل جارف وحيوي مع التوجهات الثقافية الجديدة في العالم، كما أنه أصبح أكثر قربا وتماسا مع القضايا الملحة في دول عديدة ما زالت تعاني من قضايا الشتات الاجتماعي والهجرات البشرية والعنف الإنساني غير المبرر، واستحضار التاريخ كذاكرة مستعادة في زمننا الراهن، كما لم يغب هدير الانتفاضات العربية عن أروقة ونقاشات وعروض هذا الحدث السينمائي الأهم والأكثر قدما في العالم، إضافة إلى المتانة التنظيمية التي اكتسبها المهرجان من خلال الفعاليات والبرامج المصاحبة مثل سوق الفيلم الأوروبي الذي يهدف إلى تسويق وتوزيع الفيلم أو المنتج السينمائي إلى شريحة ممكنة من الجمهور والمشترين المتخصصين، ولم يتنازل المهرجان عن طموحه المتواصل في استقطاب المواهب السينمائية من مختلف دول العالم في ورش ودورات وبرامج تخصصية لعل أهمها برنامج (جامعة المواهب) ـ talent campus ـ الذي يسعى من خلاله المهرجان إلى دعم وتطوير هذه المواهب وإشراكها في حوار ثقافي وفني متعدد المناهج والمدارس، ويتقاطع أيضا مع رغبة الحكومة الألمانية في تفعيل (الإنتاج المشترك) وزيادة فرص التمويل أمام هؤلاء الشباب الذي يملكون الطموح والحماس ولكنهم يفتقرون لخبرة التعامل مع عمليات ما بعد التصوير وما بعد الإنتاج.
وبالتوازي مع تسيّد الفيلم التاريخي على أفلام مسابقته الرسمية وأقسامه الأخرى، وقع اختيار اللجنة المنظمة للمهرجان على فيلم “وداعا ملكتي” للمخرج الفرنسي بينوا جاكو كي يدشّن عروض افتتاح المهرجان، ويتناول الفيلم الذي تدور أحداثه خلال اللحظات الحاسمة للثورة الفرنسية الظروف الرهيبة والمروعة التي أحاطت بالملكة ماري أنطوانيت أثناء الفترة المفارقة التي بلورت ملامح التاريخ الحديث لفرنسا وأوروبا.
أما الخيارات الفيلمية الأخرى التي قدمها المهرجان لجمهوره فتوزعت على الثيمات النوستالجية والشخصية لمخرجي الأفلام وكذلك على أفلام تلامس وتتنفس هواء التغيير الاجتماعي، وما يخبئه هذا التغيير من وعود ومخاوف أيضا. وكان واضحا من طبيعة الأعمال المعروضة وجود صلة وثيقة للمهرجان مع السينمات المغيبة والمجهولة والبعيدة، كي يفتح لها معبرا بصريا واسعا، وأفقا ثقافيا وتسويقيا زاهيا يجدد من قيمة وألق هذه الإسهامات المتفردة التي تملك لغتها السينمائية العالية، والمنطلقة من خصوصية الإرث والهوية.
وضمن مشاركة حاشدة وصلت إلى 400 فيلم من مختلف دول العالم، توزعت على أقسام ومسابقات مختلفة مثل قسم الأفلام القصيرة، ومسابقة أجيال، وعروض (الفورم)، و(الفيلم الألماني)، و(بانوراما) وأفلام الحفاظ على البيئة، وعروض الأفلام الخاصة، والأفلام المستعادة والمرممة، واختارت اللجنة المنظمة للمهرجان 18 فيلما روائيا طويلا للمشاركة في المنافسة الرسمية، من أجل المنافسة على جوائز الدب الذهبي والفضي وجائزة لجنة التحكيم، بالإضافة إلى جوائز فرعية متعددة في حقول التمثيل والإخراج والكتابة والتصوير والأداء التمثيلي وغيرها.

الحضور الإماراتي
كانت الدورة الحالية من مهرجان برلين على موعد مع حضور إماراتي مكثف من خلال صناع الأفلام المحليين والمقيمين، ومن خلال مديري ومسؤولي مهرجاني أبوظبي ودبي السينمائيين، بالإضافة إلى التواجد الحيوي والفاعل لمؤسسات وهيئات سينمائية إماراتية متخصصة مثل (إيميج نيشن أبوظبي) و(لجنة أبوظبي للأفلام) و(تو فور فيفتي فور)، ومؤسسة (أناسي) للإنتاج الفني، بالإضافة لمشاركة عشر مواهب سينمائية إماراتية واعدة في برلين ضمن دورات تدريبية وورش عملية يقيمها المهرجان لمحبي السينما والشغوفين بها من مختلف قارات العام، وكذلك مشاركة المخرج الإماراتي الشاب خالد المحمود في برنامج (جامعة المواهب) أو (ملتقى المواهب) حيث مثل الإمارات في هذه الورشة العالمية التي ضمت أكثر من 350 مخرجا شابا أتوا من 99 دولة من مختلف الدول والقارات.
وعكس الحضور الإماراتي إلى المهرجان الرغبة الحثيثة في فتح منافذ مبتكرة وفضاءات مشجعة أمام السينما المحلية الوليدة، وتطوير الإمكانات التنظيمية للفعاليات والمهرجانات السينمائية في الإمارات، وفي هذا السياق أشار محمد العتيبة رئيس (إيميج نيشن أبوظبي) لـ “الاتحاد الثقافي” بأن التواجد المحلي المكثف في مهرجان كبير وعريق مثل برلين، يترجم رغبة القائمين على الشأن السينمائي في الإمارات على تنمية الشراكة التفاعلية مع الثقافات الأخرى، وفتح مسارات وآفاق جديدة للتواصل مع التجارب السينمائية العالمية والمتقدمة، وقال العتيبة: “كوننا شركة منتجة وممولة للأفلام المحلية والعالمية، فإننا نسعى للتعرف على توجهات المنتجين وصناع الأفلام وكتاب السيناريوهات، كما أننا نرغب في قراءة الدلالات والمؤشرات السائدة في سوق الفيلم الأوروبي والعالمي حتى يكون اختيارنا للمشاريع الفيلمية قائما على قاعدة صلبة وعلى وعي وانتباه لما يتطلبه هذا السوق، وكذلك لتقليل نسبة المخاطرة عند التصدي لإنتاج أفلام سينمائية تتطلب ميزانيات كبيرة وضخمة”.
وأوضح العتيبة بأن مهرجان برلين السينمائي يعتبر وجهة مرغوبة من كافة السينمائيين في العالم، ومن هنا ـ كما أشار ـ يمكن التواصل “مع منافذ حقيقية وهامة فيما يخص الشأن السينمائي سواء على مستوى مشاهدة النتاجات الراقية للأفلام، أو على مستوى التعرف على آليات التسويق والتوزيع والترويج للإسهامات السينمائية القادمة من مختلف قارات العالم”.
ونوه العتيبة إلى أن تواجد (إيميج نيشن أبوظبي) في هذا المهرجان العريق يأتي ضمن إطار التعاون والمشاركة المتبادلة التي باتت سمة واضحة وهدفا قويا لدى المسؤولين عن قطاع السينما في ألمانيا.
وأضاف “إن المبادرات المشجعة التي أبدتها الحكومة الألمانية ومعهد جوته في منطقة الخليج جعلتنا نتفاعل مع أهدافها الثقافية الشفافة التي تؤكد على روح الحوار والمشاركة القائمة على احترام التنوع الثقافي”.

طموح أبوظبي
وكان فيلم “ظل البحر” الذي أشرفت على إنتاجه (إيميج نيشن أبوظبي) وأخرجه نواف الجناحي حاضرا في سوق المهرجان من خلال عرضين مختلفين، وعكس الفيلم قيمة المواهب السينمائية الجديدة في الإمارات وتأثيرها المتواصل في إيجاد منصة راكزة للفيلم الإماراتي في المهرجانات الخارجية، وأثبت الفيلم أن المخرج الإماراتي والكاتب الإماراتي باتا قادرين على أن ينقلا بحرفية وتمكّن خصوصية وجماليات المجتمع الإماراتي، كما أثبت الفيلم أن المواهب الإماراتية تستطيع من خلال التمويل المناسب لحجم طموحها أن تدخل وبثقة في مغامرة التصدي وبنجاح لصناعة فيلم روائي طويل، كان من الصعوبة في السابق التصدي له وإنتاجه نظرا لخفوت الوعي الاجتماعي والرسمي في تلك الفترة تجاه قيمة وتأثير فن السينما.
بدوره صرح ديفيد شيبرد مدير “لجنة أبوظبي للأفلام” لـ “الاتحاد الثقافي” بأن التواجد في مهرجان برلين يشكل دعما ثقافيا للمواهب الإماراتية والمقيمة من أجل تعزيز وعيها السينمائي وتنويع أطر ومنافذ المشاهدة السينمائية النوعية، خصوصا وأن التواجد في مهرجان بحجم مهرجان برلين السينمائي ـ كما قال شيبرد ـ “يعتبر فرصة ذهبية وكبيرة من أجل التعرف على نتاجات سينمائية متميزة والتواصل مع سينمائيين يملكون رصيدا حافلا بالأفلام المتقنة والمنفذة بشكل جيد ومنتبه للشروط القياسية الخاصة بإنتاج فيلم متماسك فنيا وموضوعيا”.
وأوضح شيبرد بأن هذا التواجد هو الثاني للجنة أبوظبي للأفلام في مهرجان برلين، حيث تمثلت المشاركة في العام الماضي من خلال مجموعة من السينمائيين والمنتجين المحليين من أجل التعرف على أجواء المهرجان والإطلاع على آليات عرض وتسويق وإنتاج الأفلام في أوروبا.
وأضاف: “وتواجدنا هذا العام في المهرجان جاء بشكل مكثف وأكثر تفاعلا مع أجواء الحدث، حيث اخترنا عشر مواهب سينمائية محلية ومقيمة كان من بينهم عدد من الفائزين في مسابقة الأفلام القصيرة التي نظمناها قبل فترة، وذلك لعرض أفلامهم أمام المختصين والقائمين على المهرجان وكذلك على عدد من المخرجين الأوروبيين، وذلك بالتعاون مع السفارة الألمانية في الإمارات ومعهد جوته الثقافي في الخليج”.
وعن الأهداف الأخرى لهذا التواجد الإماراتي في مهرجان حاشد وكبير مثل برلين، قال شيبرد “إن هدفنا الآخر والمهم هو الترويج لأبوظبي كعاصمة جديدة لصناعة الأفلام، وكمنصة مثالية لتصوير الأفلام السينمائية، حيث تتوفر في أبوظبي البنية اللوجستية المناسبة والحاضنة لأعمال سينمائية ضخمة، بالتوازي مع ما تملكه أبوظبي من فرص وتسهيلات ومواقع تصوير واستوديوهات، بالإضافة إلى ما تتفرد به أبوظبي من مكون جغرافي مميز يجمع بين بيئة الصحراء وبيئة البحر، مع وجود المدينة الحديثة والمعاصرة، ما يخلق في النهاية فضاء مريحا، ومزيجا مشجعا لصناع الأفلام من مختلف دول العالم”.
حراك وجوائز
وفي سياق انتباهه للحراك الجاري في عدد من البلدان العربية بشراراته ومسبباته وتحدياته احتفى مهرجان برلين السينمائي في دورته الحالية بهذه الثورات من خلال عدة عروض لأفلام روائية وتسجيلية مستمدة من روح هذه الثورات ومنبعثة من هديرها الصاخب والمهيب، كما عقد المهرجان ندوات لقراءة وتحليل هذه الظاهرة بمشاركة عدد من الأدباء وصناع الفيلم العرب مثل محمد علي الأتاسي من سوريا، وهالة جلال من مصر، ونادية الفاني من تونس، والروائي الطاهر بن جلون من المغرب، ومحمود حجيج من لبنان.
وكرّم المهرجان في دورته الحالية الممثلة الأميركية المخضرمة ميريل ستريب، حيث منحها مدير المهرجان ديتر كوسليك جائزة “الدب الذهبي” الشرفية تقديرا لمشوارها الفني الحافل، وامتلاكها لشخصية فريدة، ساهمت في الترويج لفن السينما من خلال إدوار تقمصتها وترجمتها إلى الشاشة بحرفية عالية وإخلاص كبير، وعرض المهرجان بالتوازي مع هذا التكريم أحدث أفلام ستريب والذي حمل عنوان “المرأة الحديدية” والذي جسّدت فيه دور مارجريت تاتشر التي شغلت منصب رئيس وزراء بريطانيا لمدة 11 عاما متواصلة، وهو رقم قياسي في عمر السياسيين البريطانيين، واستطاعت ستريب من خلال أداء متقن أن تنقل حالات العته وذهان الشيخوخة التي أصيبت بها تاتشر مؤخرا، كما استطاعت ستريب وبحيوية وافتتان أن تستعيد الحضور الطاغي لتاتشر في الحياة السياسية والاجتماعية في بريطانيا أثناء حقبة الثمانينيات المليئة بالأزمات الداخلية مثل البطالة وضغط النفقات، والخارجية مثل حرب فوكلاند وهجمات الجيش السري الأيرلندي.
وكرم المهرجان أيضا المخرج اليوناني الراحل ثيو أنجيلوبولوس الذي افتقده محبو السينما في العالم قبل أيام قليلة من انطلاق المهرجان، ويعد أنجيلوبولوس واحدا من عباقرة السينما المعاصرة، ووصفه النقاد بشاعر وفيلسوف السينما اليونانية نظرا لإسهاماته الواضحة في تقديم أعمال ملحمية تخاطب الماضي والحاضر ضمن خط درامي محتشد بالأحاسيس والرؤى الشعرية، ويستقي واقعيته من غرابة وغموض وحيرة الواقع نفسه.
أما الجوائز الرسمية للمهرجان فذهبت للأفلام التي تحلل الأزمات المعاصرة من خلال معالجات فنية صادمة ورمزية في ذات الوقت، حيث فاز الفيلم الإيطالي: “قيصر يجب أن يموت” للأخوين باولو وفيتوريو تافياني بجائزة الدب الذهبي وهي الجائزة الكبرى للمهرجان، والتي تضفي بريقا ساطعا على الفائز بها وتعزز من حضوره في ذاكرة المهرجان لأعوام عديدة قادمة، ويتناول فيلم الأخوين تافياني اللذين عادا إلى منصة الجوائز بعد غياب طويل، قصة مجموعة من السجناء يعيدون تجسيد مسرحية: “يوليوس قيصر” لشكسبير، حيث تتحدث الشخصيات التي كتبها شكسبير بلغة كونية تخترق كل الأمكنة والعصور، ويتعمق الأخوان تافياني من خلال هذا الفيلم في خفايا الذات الإنسانية التي يمكن أن تفرز جرثومة العنف والتمرد في أية لحظة، كما قدما تحليلات اجتماعية وسيكولوجية دقيقة حول مشاعر متناقضة مثل الصداقة والخيانة، والحب والكراهية، والحقيقة المطلقة والبهتان الصارخ.
وذهبت جائزة الدب الفضي لفيلم “أخت” للمخرجة السويسرية/ الفرنسية أورسولا ميير التي تناولت بشفافية بصرية ومعالجة فنية مرهفة قصة طفل على مشارف المراهقة يبحث عن جذوره العائلية، ويخبئ الكثير من الأسرار حول ماضيه الشخصي، أما جائزة لجنة التحكيم فذهبت لفيلم “فقط الريح” للمخرج الهنغاري بينس فليجاوف الذي عالج من خلال الفيلم المخاوف التي تحيط بالعائلات المهاجرة التي تعاني من العزلة ورعب العنصرية والتمييز العرقي، والنتائج الكارثية لهذا الإقصاء الاجتماعي على عائلات صغيرة ومشتتة تريد أن تتكيف مع واقعها الجديد ومع حياة ضارية وظروف شرسة لا يمكن التكهن بمفاجآتها.(البرلينالا) في دورته الثانية والستين يستعيد ذاكرة الحب والحرب
أبوظبي ـ برلين: «أكشن»!

عندما تصبح أي مناسبة فنية أو ثقافية هي حديث المدينة وضوءها وصداها وشغلها الشاغل، فاضمن لهذه المناسبة النجاح، وعندما يصبح الاحتفال بمهرجان ما هو احتفال حار ومتوهج وموصول بنبض المكان وفضول سكانه وانجذابهم له واشتباكهم مع برامجه وفعالياته، فاضمن لهذا الاحتفال الاستمرارية والتنوع الإبتكار في برامجه المستقبلية، ولعل في هذا الوصف الارتجالي ما يمكن أن يلخص حال مهرجان برلين السينمائي، أو (البرلينالا) حسب التحوير اللغوي المختصر للمهرجان، والذي ينطق به سكان هذه المدينة الألمانية المتألقة والزاهية بتاريخها وإرثها وعراقتها.


إبراهيم الملا (برلين)

رغم المناخ الشتوي القارص الذي طغى على أجوائه، ورغم ضبابية المسارات التي باتت تسلكها السينما الفنية المستقلة، إلا أن مهرجان برلين العتيد، ورغم كل العوائق الوهمية، استطاع أن ينشر الدفء والحميمية الفنية في أروقته، واستطاع أن يقتنص وفي بداية الموسم السينمائي الشتوي العديد من الأفلام التي أحيت مجددا تقاليد الفيلم الأوروبي، الذي يستقي رصانته وتماسكه الفني من إرث صلد، وحيوية متمازجة مع الحراك الاجتماعي الفائر في عصر الحداثة والوسائط التقنية المبهرة، وأصبح هوى المهرجان في دورته الثانية متداخلا وبشكل جارف وحيوي مع التوجهات الثقافية الجديدة في العالم، كما أنه أصبح أكثر قربا وتماسا مع القضايا الملحة في دول عديدة ما زالت تعاني من قضايا الشتات الاجتماعي والهجرات البشرية والعنف الإنساني غير المبرر، واستحضار التاريخ كذاكرة مستعادة في زمننا الراهن، كما لم يغب هدير الانتفاضات العربية عن أروقة ونقاشات وعروض هذا الحدث السينمائي الأهم والأكثر قدما في العالم، إضافة إلى المتانة التنظيمية التي اكتسبها المهرجان من خلال الفعاليات والبرامج المصاحبة مثل سوق الفيلم الأوروبي الذي يهدف إلى تسويق وتوزيع الفيلم أو المنتج السينمائي إلى شريحة ممكنة من الجمهور والمشترين المتخصصين، ولم يتنازل المهرجان عن طموحه المتواصل في استقطاب المواهب السينمائية من مختلف دول العالم في ورش ودورات وبرامج تخصصية لعل أهمها برنامج (جامعة المواهب) ـ talent campus ـ الذي يسعى من خلاله المهرجان إلى دعم وتطوير هذه المواهب وإشراكها في حوار ثقافي وفني متعدد المناهج والمدارس، ويتقاطع أيضا مع رغبة الحكومة الألمانية في تفعيل (الإنتاج المشترك) وزيادة فرص التمويل أمام هؤلاء الشباب الذي يملكون الطموح والحماس ولكنهم يفتقرون لخبرة التعامل مع عمليات ما بعد التصوير وما بعد الإنتاج.
وبالتوازي مع تسيّد الفيلم التاريخي على أفلام مسابقته الرسمية وأقسامه الأخرى، وقع اختيار اللجنة المنظمة للمهرجان على فيلم “وداعا ملكتي” للمخرج الفرنسي بينوا جاكو كي يدشّن عروض افتتاح المهرجان، ويتناول الفيلم الذي تدور أحداثه خلال اللحظات الحاسمة للثورة الفرنسية الظروف الرهيبة والمروعة التي أحاطت بالملكة ماري أنطوانيت أثناء الفترة المفارقة التي بلورت ملامح التاريخ الحديث لفرنسا وأوروبا.
أما الخيارات الفيلمية الأخرى التي قدمها المهرجان لجمهوره فتوزعت على الثيمات النوستالجية والشخصية لمخرجي الأفلام وكذلك على أفلام تلامس وتتنفس هواء التغيير الاجتماعي، وما يخبئه هذا التغيير من وعود ومخاوف أيضا. وكان واضحا من طبيعة الأعمال المعروضة وجود صلة وثيقة للمهرجان مع السينمات المغيبة والمجهولة والبعيدة، كي يفتح لها معبرا بصريا واسعا، وأفقا ثقافيا وتسويقيا زاهيا يجدد من قيمة وألق هذه الإسهامات المتفردة التي تملك لغتها السينمائية العالية، والمنطلقة من خصوصية الإرث والهوية.
وضمن مشاركة حاشدة وصلت إلى 400 فيلم من مختلف دول العالم، توزعت على أقسام ومسابقات مختلفة مثل قسم الأفلام القصيرة، ومسابقة أجيال، وعروض (الفورم)، و(الفيلم الألماني)، و(بانوراما) وأفلام الحفاظ على البيئة، وعروض الأفلام الخاصة، والأفلام المستعادة والمرممة، واختارت اللجنة المنظمة للمهرجان 18 فيلما روائيا طويلا للمشاركة في المنافسة الرسمية، من أجل المنافسة على جوائز الدب الذهبي والفضي وجائزة لجنة التحكيم، بالإضافة إلى جوائز فرعية متعددة في حقول التمثيل والإخراج والكتابة والتصوير والأداء التمثيلي وغيرها.

الحضور الإماراتي
كانت الدورة الحالية من مهرجان برلين على موعد مع حضور إماراتي مكثف من خلال صناع الأفلام المحليين والمقيمين، ومن خلال مديري ومسؤولي مهرجاني أبوظبي ودبي السينمائيين، بالإضافة إلى التواجد الحيوي والفاعل لمؤسسات وهيئات سينمائية إماراتية متخصصة مثل (إيميج نيشن أبوظبي) و(لجنة أبوظبي للأفلام) و(تو فور فيفتي فور)، ومؤسسة (أناسي) للإنتاج الفني، بالإضافة لمشاركة عشر مواهب سينمائية إماراتية واعدة في برلين ضمن دورات تدريبية وورش عملية يقيمها المهرجان لمحبي السينما والشغوفين بها من مختلف قارات العام، وكذلك مشاركة المخرج الإماراتي الشاب خالد المحمود في برنامج (جامعة المواهب) أو (ملتقى المواهب) حيث مثل الإمارات في هذه الورشة العالمية التي ضمت أكثر من 350 مخرجا شابا أتوا من 99 دولة من مختلف الدول والقارات.
وعكس الحضور الإماراتي إلى المهرجان الرغبة الحثيثة في فتح منافذ مبتكرة وفضاءات مشجعة أمام السينما المحلية الوليدة، وتطوير الإمكانات التنظيمية للفعاليات والمهرجانات السينمائية في الإمارات، وفي هذا السياق أشار محمد العتيبة رئيس (إيميج نيشن أبوظبي) لـ “الاتحاد الثقافي” بأن التواجد المحلي المكثف في مهرجان كبير وعريق مثل برلين، يترجم رغبة القائمين على الشأن السينمائي في الإمارات على تنمية الشراكة التفاعلية مع الثقافات الأخرى، وفتح مسارات وآفاق جديدة للتواصل مع التجارب السينمائية العالمية والمتقدمة، وقال العتيبة: “كوننا شركة منتجة وممولة للأفلام المحلية والعالمية، فإننا نسعى للتعرف على توجهات المنتجين وصناع الأفلام وكتاب السيناريوهات، كما أننا نرغب في قراءة الدلالات والمؤشرات السائدة في سوق الفيلم الأوروبي والعالمي حتى يكون اختيارنا للمشاريع الفيلمية قائما على قاعدة صلبة وعلى وعي وانتباه لما يتطلبه هذا السوق، وكذلك لتقليل نسبة المخاطرة عند التصدي لإنتاج أفلام سينمائية تتطلب ميزانيات كبيرة وضخمة”.
وأوضح العتيبة بأن مهرجان برلين السينمائي يعتبر وجهة مرغوبة من كافة السينمائيين في العالم، ومن هنا ـ كما أشار ـ يمكن التواصل “مع منافذ حقيقية وهامة فيما يخص الشأن السينمائي سواء على مستوى مشاهدة النتاجات الراقية للأفلام، أو على مستوى التعرف على آليات التسويق والتوزيع والترويج للإسهامات السينمائية القادمة من مختلف قارات العالم”.
ونوه العتيبة إلى أن تواجد (إيميج نيشن أبوظبي) في هذا المهرجان العريق يأتي ضمن إطار التعاون والمشاركة المتبادلة التي باتت سمة واضحة وهدفا قويا لدى المسؤولين عن قطاع السينما في ألمانيا.
وأضاف “إن المبادرات المشجعة التي أبدتها الحكومة الألمانية ومعهد جوته في منطقة الخليج جعلتنا نتفاعل مع أهدافها الثقافية الشفافة التي تؤكد على روح الحوار والمشاركة القائمة على احترام التنوع الثقافي”.

طموح أبوظبي
وكان فيلم “ظل البحر” الذي أشرفت على إنتاجه (إيميج نيشن أبوظبي) وأخرجه نواف الجناحي حاضرا في سوق المهرجان من خلال عرضين مختلفين، وعكس الفيلم قيمة المواهب السينمائية الجديدة في الإمارات وتأثيرها المتواصل في إيجاد منصة راكزة للفيلم الإماراتي في المهرجانات الخارجية، وأثبت الفيلم أن المخرج الإماراتي والكاتب الإماراتي باتا قادرين على أن ينقلا بحرفية وتمكّن خصوصية وجماليات المجتمع الإماراتي، كما أثبت الفيلم أن المواهب الإماراتية تستطيع من خلال التمويل المناسب لحجم طموحها أن تدخل وبثقة في مغامرة التصدي وبنجاح لصناعة فيلم روائي طويل، كان من الصعوبة في السابق التصدي له وإنتاجه نظرا لخفوت الوعي الاجتماعي والرسمي في تلك الفترة تجاه قيمة وتأثير فن السينما.
بدوره صرح ديفيد شيبرد مدير “لجنة أبوظبي للأفلام” لـ “الاتحاد الثقافي” بأن التواجد في مهرجان برلين يشكل دعما ثقافيا للمواهب الإماراتية والمقيمة من أجل تعزيز وعيها السينمائي وتنويع أطر ومنافذ المشاهدة السينمائية النوعية، خصوصا وأن التواجد في مهرجان بحجم مهرجان برلين السينمائي ـ كما قال شيبرد ـ “يعتبر فرصة ذهبية وكبيرة من أجل التعرف على نتاجات سينمائية متميزة والتواصل مع سينمائيين يملكون رصيدا حافلا بالأفلام المتقنة والمنفذة بشكل جيد ومنتبه للشروط القياسية الخاصة بإنتاج فيلم متماسك فنيا وموضوعيا”.
وأوضح شيبرد بأن هذا التواجد هو الثاني للجنة أبوظبي للأفلام في مهرجان برلين، حيث تمثلت المشاركة في العام الماضي من خلال مجموعة من السينمائيين والمنتجين المحليين من أجل التعرف على أجواء المهرجان والإطلاع على آليات عرض وتسويق وإنتاج الأفلام في أوروبا.
وأضاف: “وتواجدنا هذا العام في المهرجان جاء بشكل مكثف وأكثر تفاعلا مع أجواء الحدث، حيث اخترنا عشر مواهب سينمائية محلية ومقيمة كان من بينهم عدد من الفائزين في مسابقة الأفلام القصيرة التي نظمناها قبل فترة، وذلك لعرض أفلامهم أمام المختصين والقائمين على المهرجان وكذلك على عدد من المخرجين الأوروبيين، وذلك بالتعاون مع السفارة الألمانية في الإمارات ومعهد جوته الثقافي في الخليج”.
وعن الأهداف الأخرى لهذا التواجد الإماراتي في مهرجان حاشد وكبير مثل برلين، قال شيبرد “إن هدفنا الآخر والمهم هو الترويج لأبوظبي كعاصمة جديدة لصناعة الأفلام، وكمنصة مثالية لتصوير الأفلام السينمائية، حيث تتوفر في أبوظبي البنية اللوجستية المناسبة والحاضنة لأعمال سينمائية ضخمة، بالتوازي مع ما تملكه أبوظبي من فرص وتسهيلات ومواقع تصوير واستوديوهات، بالإضافة إلى ما تتفرد به أبوظبي من مكون جغرافي مميز يجمع بين بيئة الصحراء وبيئة البحر، مع وجود المدينة الحديثة والمعاصرة، ما يخلق في النهاية فضاء مريحا، ومزيجا مشجعا لصناع الأفلام من مختلف دول العالم”.
حراك وجوائز
وفي سياق انتباهه للحراك الجاري في عدد من البلدان العربية بشراراته ومسبباته وتحدياته احتفى مهرجان برلين السينمائي في دورته الحالية بهذه الثورات من خلال عدة عروض لأفلام روائية وتسجيلية مستمدة من روح هذه الثورات ومنبعثة من هديرها الصاخب والمهيب، كما عقد المهرجان ندوات لقراءة وتحليل هذه الظاهرة بمشاركة عدد من الأدباء وصناع الفيلم العرب مثل محمد علي الأتاسي من سوريا، وهالة جلال من مصر، ونادية الفاني من تونس، والروائي الطاهر بن جلون من المغرب، ومحمود حجيج من لبنان.
وكرّم المهرجان في دورته الحالية الممثلة الأميركية المخضرمة ميريل ستريب، حيث منحها مدير المهرجان ديتر كوسليك جائزة “الدب الذهبي” الشرفية تقديرا لمشوارها الفني الحافل، وامتلاكها لشخصية فريدة، ساهمت في الترويج لفن السينما من خلال إدوار تقمصتها وترجمتها إلى الشاشة بحرفية عالية وإخلاص كبير، وعرض المهرجان بالتوازي مع هذا التكريم أحدث أفلام ستريب والذي حمل عنوان “المرأة الحديدية” والذي جسّدت فيه دور مارجريت تاتشر التي شغلت منصب رئيس وزراء بريطانيا لمدة 11 عاما متواصلة، وهو رقم قياسي في عمر السياسيين البريطانيين، واستطاعت ستريب من خلال أداء متقن أن تنقل حالات العته وذهان الشيخوخة التي أصيبت بها تاتشر مؤخرا، كما استطاعت ستريب وبحيوية وافتتان أن تستعيد الحضور الطاغي لتاتشر في الحياة السياسية والاجتماعية في بريطانيا أثناء حقبة الثمانينيات المليئة بالأزمات الداخلية مثل البطالة وضغط النفقات، والخارجية مثل حرب فوكلاند وهجمات الجيش السري الأيرلندي.
وكرم المهرجان أيضا المخرج اليوناني الراحل ثيو أنجيلوبولوس الذي افتقده محبو السينما في العالم قبل أيام قليلة من انطلاق المهرجان، ويعد أنجيلوبولوس واحدا من عباقرة السينما المعاصرة، ووصفه النقاد بشاعر وفيلسوف السينما اليونانية نظرا لإسهاماته الواضحة في تقديم أعمال ملحمية تخاطب الماضي والحاضر ضمن خط درامي محتشد بالأحاسيس والرؤى الشعرية، ويستقي واقعيته من غرابة وغموض وحيرة الواقع نفسه.
أما الجوائز الرسمية للمهرجان فذهبت للأفلام التي تحلل الأزمات المعاصرة من خلال معالجات فنية صادمة ورمزية في ذات الوقت، حيث فاز الفيلم الإيطالي: “قيصر يجب أن يموت” للأخوين باولو وفيتوريو تافياني بجائزة الدب الذهبي وهي الجائزة الكبرى للمهرجان، والتي تضفي بريقا ساطعا على الفائز بها وتعزز من حضوره في ذاكرة المهرجان لأعوام عديدة قادمة، ويتناول فيلم الأخوين تافياني اللذين عادا إلى منصة الجوائز بعد غياب طويل، قصة مجموعة من السجناء يعيدون تجسيد مسرحية: “يوليوس قيصر” لشكسبير، حيث تتحدث الشخصيات التي كتبها شكسبير بلغة كونية تخترق كل الأمكنة والعصور، ويتعمق الأخوان تافياني من خلال هذا الفيلم في خفايا الذات الإنسانية التي يمكن أن تفرز جرثومة العنف والتمرد في أية لحظة، كما قدما تحليلات اجتماعية وسيكولوجية دقيقة حول مشاعر متناقضة مثل الصداقة والخيانة، والحب والكراهية، والحقيقة المطلقة والبهتان الصارخ.
وذهبت جائزة الدب الفضي لفيلم “أخت” للمخرجة السويسرية/ الفرنسية أورسولا ميير التي تناولت بشفافية بصرية ومعالجة فنية مرهفة قصة طفل على مشارف المراهقة يبحث عن جذوره العائلية، ويخبئ الكثير من الأسرار حول ماضيه الشخصي، أما جائزة لجنة التحكيم فذهبت لفيلم “فقط الريح” للمخرج الهنغاري بينس فليجاوف الذي عالج من خلال الفيلم المخاوف التي تحيط بالعائلات المهاجرة التي تعاني من العزلة ورعب العنصرية والتمييز العرقي، والنتائج الكارثية لهذا الإقصاء الاجتماعي على عائلات صغيرة ومشتتة تريد أن تتكيف مع واقعها الجديد ومع حياة ضارية وظروف شرسة لا يمكن التكهن بمفاجآتها.