الملحق الثقافي

قنابل بشرية فتّاكة

حين تتوفر للعمل السينمائي عناصر النجاح والتميز وحين تكون القصة حقيقية لا زال تأثيرها ساريا في المجتمع، فان معادلة النقاد والجمهور والأرباح ستكون مضمونة للعمل، هذا هو حال الفيلم المغربي «يا خيل الله» المقتبس من رواية الأديب ماحي بنبين «نجوم سيدي مومن»، عن أحداث حقيقية هزت المغرب، ونجح المخرج في إخراجها بصورة بديعة واستطاع نقل الجمهور إلى قلب أحداث وقعت قبل سنوات بأحدث التقنيات السينمائية.
واستقبل الجمهور بترحيب وتأثر كبيرين فيلم «يا خيل الله» الذي نزل إلى القاعات السينمائية أوائل فبراير الجاري، وتمكن الفيلم في ظرف وجيز من فرض نفسه كعمل سينمائي تتوفر فيه كل عناصر النجاح، النجاح في إثارة موضوع التهميش الاجتماعي وعواقبه الكارثية والنجاح في تحويل قصة واقعية حفرت عميقا في وجدان المغاربة الى عمل فني يخترق الجوانب الخفية لحياة المهمشين والعوامل التي تجعلهم يلوذون إلى الإرهاب.

بورتريه درامي
اختار المخـرج نبيل عيوش تقديم أحداث انفجارات مدينة الدار البيضاء الإرهابية عام 2003 سينمائيا من خلال فيلمـه «يا خيل الله» المبـني على الوقائـع الحقيقية التي اهتز على وقعها المغرب، وهو أول فيلم يتناول بشكل صريح الهجمات الإرهابية المتزامنة التي حدثت بالمغرب مما أكسب الفيلم أهمية لدى الجمهور والنقاد.
ونجح المخرج في تسليط الضوء على مسار الانتحاريين الأربعة الذين نفذوا الهجمات الإرهابية وطفولتهم التي أمضوها بـ»سيدي مومن» الحي الهامشي الذي تنعدم فيه ابسط مقومات الحياة، ومحاولة منه لفهم كيفية سقوط الشباب في التعصب الديني وتحولهم الى انتحاريين، رسم المخرج بورتريهات شبان يائسين مظلومين يتلقون الضربات المؤلمة بشكل يومي ودائم، ونجح في إبراز ملامح شخصياتهم وانفعالاتها، وكيف ان هناك من البشر من يلجأ إلى استغلال ظروف الشباب الضائع بين الفقر والتهميش والحرمان والظلم الاجتماعي وإدمان المخدرات لنشر الشر والعنف.
وينبه فيلم «يا خيل الله» إلى عواقب التهميش الاجتماعي التي تحول الأطفال الى قنابل بشرية، ويحذر من إهمال الشباب وتركه لوحده يصارع الأمية والفقر وتفكك الأسرة وتســلط الأمــن والفكـر المتطرف، ويخلص الفيلــم الى نتيجــة مرة مــؤداها ان الشباب حين تقفل أمامه المعابر والطرقات ولا يجد سوى طريق العنف والتطرف لسلوكه ينتقم اشد الانتقام من المجتمع.

أطفال وإرهابيين
نجح الفيلم الذي تم تصويره سنة 2011، ويعرض حديثا في الذكرى العاشرة لتفجيرات 2003 الإرهابية، في إثارة إعجاب النقاد والجمهور، وشارك في عدة مهرجانات وحصد عدة جوائز ففي مهرجان «كان» فاز بجائزة «فرانسوا شالي» وفي مهرجان السينما المغربية حصل على جائزة أحسن صورة وأحسن موسيقى? كما فاز الفيلم بالجائزة الكبرى للدورة 57 للأسبوع الدولي للسينما باسبانيا.
والفيلم من بطولة الممثلين عبد الحكيم رشيد وعبد الإله رشيد وحمزة اصويدق وأحمد الإدريسي أمراني، وتولى السيناريست جمال بلماحي كتابة سيناريو الفيلم المقتبس من رواية لماحي بنبين بعنوان «نجوم سيدي مومن» التي حازت على عدة جوائز وصدرت ترجمتها بعدة لغات، و«سيدي مومن» هو الحي الشهير والفقير في نفس الوقت الذي كان موطناً للانتحاريين الشباب الذي قاموا بأخطر هجمات إرهابية في تاريخ المغرب، والمفارقة ان اغلب الممثلين في الفيلم ينحدرون من حي سيدي مومن العشوائي.

قصة الفيلم
يعود الفيلم الى مرحلة طفولة «ياشين» و»حميد» و»نبيل» و»فؤاد»، بالتحديد إلى سنة 1994، ويستعرض بشكل دقيق حكايتهم ويرسم أحلامهم ومعاناتهم وكيف تحولوا من أطفال يحدوهم الأمل الى إرهابيين.
ويصور الفيلم واقع حال كل واحد منهم في هذا الحي الفقير فياشين ذو العشر سنوات يعيش مع عائلته المكونة من الأب المصاب بحالة اكتئاب شديدة والأم التي تحاول جاهدة تدبير شؤون العائلة، وثلاثة اخوة الأكبر غائب في الجندية والثاني مصاب بمرض التوحد والثالث «حميد» ذو 13 سنة، صعلوك الحي الذي يتولى حماية العائلة، وينتهي به الأمر في السجن، حيث ستتغير ظروف هاته الأسرة نحو الأسوأ، وستتعرض للظلم والذل من قبل العديدين بالحي بعد سجن حميد الذي يعد رمزا للقوة والفهلوة في هذا الحي.
ويرصد فيلم «يا خيل الله» تطور شخصيات أطفال حي سيدي مومن، وتأثير غياب العدالة الاجتماعية على حياتهم وتتابع كاميرا المخرج مسارات الشباب الأربعة وعلاقة الصداقة التي تربطهم وولعهم بكرة القدم وتعاطي المخدرات، والأحلام التي تراودهم بالانعتاق من فخ الحياة البئيسة بهذا الحي الفقير.
وخلال الفترة التي يقضيها حميد في السجن يراكم أخوه الصغير «ياشين» عددا من الأعمال الصغيرة لتجاوز مستنقع العنف والفقر والمخدرات. ويقبل رفقة صديقه نبيل أعمالا بسيطة لجلب قوت العائلة، اما حميد فقد مر خلال فترة وجوده في السجن بمرحلة تغيير جذري حيث تحول من متمرد وفاسد إلى متطرف يأتمر بأوامر جماعة متطرفة تسعى لاستقطاب الشباب وإقناعهم بالقيام بعمليات إرهابية. وعند خروجه من السجن، سيحاول حميد إقناع أخيه ياشين وأصحابه بالالتحاق بـ»الإخوة»، وبعد فترة من الشد والجذب سينجح حميد في اختيار مجموعة من الشباب من بينهم ياشين، سيخضعون لإعداد بدني وعقائدي بتأطير من الداعية أبو الزبير الذي يقود جماعة دينية متطرفة.
وبعد مرحلة من الاعداد النفسي والبدني سيخبرهم الداعية أنه تم اختيارهم ليصبحوا من «خيل الله» من خلال القيام بعمل يجعلهم شهداء عند الله، وسينجح رفقة باقي مؤطري الجماعة، في إقناع هؤلاء الشباب الأربعة في النهاية بأن الأمر يتعلق بعملية جهادية في سبيل الله وأن المغزى من ورائها الجنة والقضاء على الفساد والمفسدين وأعداء الله.
وتتواصل أحداث فيلم «يا خيل الله» بالترتيب «للعملية الجهادية» في أحد مطاعم مدينة الدار البيضاء، ولعل المفارقة هنا هي أن الأخ الأكبر «حميد» الذي كان السبب في دخول شقيقه الأصغر في الجماعة نصحه بعدم تفجير نفسه مطالبا إياه بالتفكير في مصير الأسرة التي ستظل وحيدة في ظل موتهما معا، لكن ياشين يبدو متشبثا بقرار تفجير ذاته وأن «الجنة ستكون مثواه» وفق ما أكده أمير الجماعة.
وتتنقل الكاميرا التي صورت الحياة الفقيرة في حي يتفشى فيها الفكر الانتحاري المتطرف الى احياء راقية بمدينة الدار البيضاء حيث سيكتشف هؤلاء الشبان لأول وآخر مرة هذه المدينة، حيث سينتهي بهم المطاف بتفجير انفسهم.

المخرج والنقاد
يقول المخرج نبيل عيوش إنه عاد إلى حي «سيدي مومن» العشوائي وقابل السكان والجمعيات المحلية من أجل إخراج هذا الفيلم إلى الوجود، ودرس أيضا طريقة تعامل المتشددين وطرق استمالة الشباب من طرف الجماعات المتطرفة. ويضيف «أردت إظهار كيف يستطيع الإسلام السياسي تعزيز قبضته على هذه الأحياء العشوائية... وقد خرجت بتفسيرات مختلفة ودرست الطريقة التي يستخدمها الأصوليون للتعامل مع مفهوم التضامن وكيف قاموا بتجنيد هؤلاء الشباب».
ويؤكد المخرج ان الفيلم يتمحور حول فكرة رئيسية مفادها أن الإنسان لا يمكن أن يولد إرهابيا متطرفا، فظاهرة التطرف الديني تُعد نتيجة لظروف اجتماعية واقتصادية معينة وحذر من خطورة الاستمرار في تجاهل الشباب وعدم حمايتهم من جميع أشكال التطرف.
وتباينت آراء النقاد حول الفيلم رغم ترحيبهم به فبعضهم يؤيد توجه المخرج ويرى انه نجح في تقديم وصف حقيقي للأحياء الشعبية التي يتفشى فيها الفقر والجهل وغيرها من الظواهر الاجتماعية التي تدفع إلى ارتكاب أفعال إرهابية، ويعتبر ان الفيلم يقدم حقائق تنذر بالخطر حول حياة الانتحاريين وأسلوب تجنيدهم والبيئة التي انطلقوا منها.
اما المعارضون لرؤية المخرج فيرون ان الفيلم يروج لكراهية الإسلام وان تفسيره للأسباب التي تؤدي للتطرف الديني سطحي ولم يلامس حقيقة حياة شباب حي سيدي مؤمن موطن الانتحاريين الشباب الذي قاموا بهجمات إرهابية.
وبين مؤيد ومعارض لرؤية المخرج لا يزال حادث 16 مايو 2003 في حاجة الى عدة أعمال سينمائية لعرض وتوثيق هجمات هزت المغرب لبشاعتها وغرابتها حين اقدم 14 شاباً من حي سيدي مومن الفقير على تفجير انفسهم بشكل متزامن في مطاعم وفنادق غربية بالإضافة إلى المركز الثقافي اليهودي وكذلك المقبرة اليهودية وبعض المواقع الهامة والحساسة في الدار البيضاء، مما أدى إلى وفاة 44 شخصاً وجرح المئات.