الملحق الثقافي

اعترافات الجاسوس «المؤدلج»

الطيب بشير

هذا كتاب ضخم في 448 صفحة عندما تطالعه تشعر كأنك تشاهد فيلما من أفلام «جيمس بوند 007» فالمؤلف لطفي بن الكحلاء، كما يقدم لنا نفسه، يشبه الجاسوس البريطاني بطل السلسلة السينمائية الشهيرة: رجل وسيم، أنيق ذكي، مناور، مثقف، دائما برفقة نساء جميلات في سفر دائم من بلد الى آخر، وهو القوي يأمر فيطاع ويخطط فينفذون ويخرج دائما منتصرا، بل يصل الى حد التكهن لما له من كرامات ـ وفق ما يقوله ـ بأحداث هزت العالم فهو يتمتع كـ»سوبر مان» بقوة خارقة يجتاز كل العراقيل والمآزق ويتغلب على كل الصعاب مهما كانت كأداء، حتى ان الناقد توفيق بكار، وهو أكاديمي وناقد شهير علق قائلا بعد قراءته للكتاب: «ان صدقت أتيت عجبا وإن كذبت جئت أدبا»، وأما من كتب مقدمة الكتاب فقال ان لطفي بن الكحلاء أتى عجبا وأدبا في نفس الوقت.
ورغم ان المؤلف اختار عنوانا لكتابه: «لم أكن جاسوسا» لكن سرد الأحداث كما يرويها تؤكد انه تعامل مع مخابرات إيران وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا بل انه كما يبدو عند مطالعة الكتاب فقد كان عونا مخابراتيا مزدوجا، وهو ما لا يذكره المؤلف ولكن من اليسير استنتاجه من خلال مطالعة الكتاب، وقد أشارت عديد المصادر انه قام بمهمات استخباراتية بتكليف من أجهزة المخابرات الإيرانية حينا والفرنسية حينا آخر، وقد تحدثت عنه جل الصحف والمجلات الفرنسية بل ان كتبا ألفها فرنسيون تحدثت عن بعض «العمليات الجاسوسية التي قبل أداءها بتعليمات من المخابرات الفرنسية والتي كشف فيها عن خلية إرهابية كان ينتمي اليها وقام «ببيع» وخيانة أعضائها ومخططاتها مقابل أموال ضخمة، ولكن لطفي بن الكحلاء يقدم في كتابه هذا قراءة أخرى لما حصل وينتقد ويكذب ما قيل وكتب عنه بل انه يشتم من كتب عنه ويصفه بأقذع الأوصاف.
ففي كتاب: «جاسوس الله» La taupe d›Allah لمؤلفه الصحفي الفرنسي Patrice Trapier باتريس تراييه قصة أخرى مختلفة في الكثير من تفاصيلها عما جاء في كتاب «لم اكن جاسوسا» الذي صدر هذه الأيام بتونس، فقد قدم الصحفي الفرنسي لطفي بن الكحلاء، على انه عميل للمخابرات الفرنسية خان «أصدقاءه ورفاقه» مقابل المال، ويؤكد باتريس ترابييه في كتابه ان عونين من المخابرات الفرنسية نجحا في تجنيد من يسميه أحد المقربين من إيران و»حزب الله» إثر أعمال إرهابية هزت فرنسا عام 1985.
والكتاب الفرنسي يؤكد ان لطفي بن الكحلاء الذي يسميه المؤلف «هشام» قد تولى استئجار شقة في 14 مكرر شارع «لافوت» في باريس أجرتها له المخابرات الفرنسية وتم حشوها بالمكروفونات ووضع كل هواتفها تحت المراقبة، وكانت الخلية الإرهابية تثق في هشام أو لطفي ثقة عمياء، واطمأنوا اليه فجلبهم الى المصيدة ليتم في غفلة منهم تسجيل كل محادثاتهم وتخطيطاهم لمدة طويلة ومراقبتهم وكشف كل شبكتهم، وتم القاء القبض عليهم بعد تجميع كل الأدلة ضدهم، ولا يزال بعضهم في السجن بعد مضي أكثر من ربع قرن على محاكمتهم. وجاء في الكتاب الفرنسي ان لطفي طالب مقابل خدماته بخمسة ملايين فرنك وتأمين حياته بضمان إقامة له في الولايات المتحدة الأميركية تحت حماية وكالة المخابرات المركزية. وكشف الكتاب الفرنسي عن تفاصيل موجة الإرهاب التي شهدتها فرنسا عامي 1985 و1986 والتي لم تعرف فرنسا مثيلا لها، حتى انه تم اكتشاف عبوة ناسفة في الطابق الثالث بـ»برج ايفل» وأخرى في القطار السريع الرابط بين مدينتي باريس وليون، وكانت كل هذه العمليات الإرهابية تبنتها «لجنة التضامن مع المساجين العرب ومساجين الشرق الأوسط»، وهي لجنة لم تكن معروفة وقتها لدى المخابرات الفرنسية وفشلت التحريات في الوصول الى أوكارها، وكانت آخر عملية تمت يوم 17 ايلول في المغارة الشعبية «تاتي» بباريس وخلفت سبعة قتلى و55 جريحا وتفجير آخر سابق في مغازة «غاليري لافايات» ذائعة الصيت وكان اختيار وضع القنابل في أكثر الأماكن ازدحاما بنية قتل اكبر عدد ممكن من الناس. والمؤلف الفرنسي يؤكد ان هشام أو لطفي بن الكحلاء تم تجنيده، واتفق مع المخابرات على صفقة بأن يدفعوا له 5 مليون فرنك الا ان أجهزة الاستعلامات الفرنسية وبعد كل الخدمات التي قدمها لهم تنكروا لالتزامهم المالي معه ولم يدفعوا الا مبلغا بسيطا فالتجأ الى الإعلام لكشف أسرار العملية للصحافة وإحراج المخابرات ما دقع بالمخابرات الفرنسية الى اضافة 750 الف فرنك دفعوها له مقابل شراء صمته وتم ضمان اقامة له في اميركا اي انهم في نهاية الأمر دفعوا له خمس ما تفقوا عليه.
والكاتب الفرنسي يصف الأساليب المتبعة في العملية المخابراتية كلها بانها كانت: «قذرة» ولكن يضيف «مقابل نهاية سعيدة لفرنسا» اذ تم إلقاء القبض على كل العناصر الإرهابية التي هددت أمن البلاد.
وعرج لطفي بن الكحلاء في كتابه «لم أكن جاسوسا» على هذا الكتاب الفرنسي المخصص لقصته مشيرا ان المؤلف الفرنسي اتصل به هاتفيا وهو في القيروان واعلمه انه يريد ان يقدمه للقراء في فرنسا «كرمز مهم»، وانه أعلمه «ان كل غايته هو تقديمه إلى القراء لأنه يمثل في مخيال الفرنسيين لغزا». ويقول لطفي ان الصحفي الفرنسي كلمه بلهجة فيها الخوف والذعر. وان الصحفي الفرنسي وصفه بأنه «لغز محير ينبغي فك رموزه». وبشير لطفي بن الكحلاء الى صحفي آخر هو جرمان بوييغ الذي ألف هو الآخر كتابا عنه ويصفه بأنه «خان وغدر»، ويصفه «بالنذل المبتز والمخادع: اما باتريس فيصفه بـ:»الإمعة».

جاذب ثوري
تبدأ مغامرة لطفي بن الكحلاء، كما جاء في كتابه، عندما اندلعت الثورة الإسلاميّة في إيران عام 1979 بزعامة «الإمام الخميني» قائلا انه آنذاك كان شابا مفعما بالحياة، متطلعّا إلى المجهول! مضيفا «كنت عندئذ قد نهلت من ينابيع الحياة وزخارفها ومتعها ما قدّره اللّه لي: حسناوات ولباس وسهرات وحب للموسيقى ولكلّ فن ممتع كشأن كلّ شباب جيلي وخاصّة شباب تلك الفترة، فترة السبعينات».
ويقول انه حزم أمره لتحقيق ما كان يصبو إليه: المشاركة الفعليّة والميدانيّة في الثورة الإيرانيّة. ويصف المؤلف مغادرته عائلته ومنزله وتوجّهه إلى مطار» تونس قرطاج» صحبة «محمد» صديق طفولته الذي قال انه كان يحمل نفس رؤيته ونفس تطلعاته ونفس أحلامه. استقلا الطائرة متوجهين إلى روما.
عقدا العزم على السفر إلى إيران التي كانت تعيش «لحظة غليان تاريخيّة حيث إنهار نظام الشاه الذي أناخ على صدور الإيرانيين طيلة قرون من الزمن ليحلّ محلّه نظام إسلامي جديد»، ويضيف: «أراد اللّه في اعتقادي أن تتحوّل وجهتنا من جنوب إيطاليا إلى شماله لنستقل القطار المتجه إلى إسطنبول ومن القطار إلى الحافلة إلى طهران. كان الأمر كذلك وكان الثلج يرتفع قرابة المتر ليكتسح أبواب الحافلة الجميلة البيضاء كحمامة السّلام إلى طهران الثائرة.
وكان من الضروريّ أن نسرع الخطى لندرك مرمانا الذي يتمثّل في وجودنا في خضم أحداث طهران التي كانت تحركنا عن بعد شوقا وحب إطلاع ورغبة في الإندماج في خضمّ الأحداث لا كشاهدي عيان فحسب بل كمشاركين فاعلين في حركة التاريخ لهذه الثورة المجيدة التي كنت أتوق إلى مساهمة في إنجاحها بالقدر الذي أستطيع».
وبعد وصف مفصل لما عاشه وشاهده يواصل لطفي بن الكحلاء سرد بداية قصته قائلا: «ذات مساء التقيت أنا ومحمد شابا وسيما دمث الخلق، فأحسست من خلال حركته البسيطة المتواضعة التي ترسم الصّدق والعفويّة وهي ترافق كلماته في انسجام تام ومطمئن. إنه شهريار، شاب إيراني، ثاقب النظرة، متزن الخطوات، قليل الكلام، مستديم الابتسامة! كان شهريار يعيش في لندن وكانت طريقة حديثه توحي للمتلقي بأنه أخذ بما فيه الكفاية من طبع البريطانيين بما في ذلك من هدوء طبع ورصانة وابتعاد عن التحمّس الكثير والاندفاع السريع والقرار المتعجّل. جمعت الصدفة بين شهريار وفتاة يابانيّة جميلة في لندن فنشأت بينهما علاقة وديّة متينة أفضت إلى الزواج».
سيكون هذا الشاب صلة الوصل بين لطفي وكبار الشخصيات الإيرانية.

حياة المصادفات
والغريب المثير للتساؤل في سرد لطفي بن الكحلاء ان الكثير من الأحداث الهامة واللقاءات المثيرة تأتي هكذا صدفة.
فلنتابع ما يقوله عن هذا اللقاء الهام والمهم:
«وفجأة توجه نحونا صاحب عمامة بيضاء وهو يتمتم لا شكّ بآيات قرآنيّة أو بعض الدعوات فبادر بالسلام ثمّ مدّ يده مصافحا إيّانا بتعجّل سائلا: من أيّ بلد قدمتما؟
أجاب محمد قائلا: من تونس.. وأبلغاه عن رغبتهما بدراسة المذهب الشيعي، ليتبين لهما أنه فقيه فيه، وأنه فضلا عن ذلك قريب من الإمام الخميني، فدعاهما إلى الغداء في مكان يوحي بالرهبة والخوف يعج بحرس الثورة، وبعد الغداء أبلغهما أن اسمه أسد الله بيات وأنه يعمل مدرسا في الحوزة العلمية بقم، وقال لهما: «إني أعتزم استضافتكما عندنا وسوف أحرص على توفير كلّ مستلزمات الراحة والرفاهيّة حتّى نضمن لكما ما استطعنا من ظروف إقامة لائقة ونجاح مضمون فأنتما عابرا سبيل وإخوة في اللّه وسوف لن تجدا عندنا إلاّ الكرم الضروريّ وحسن المعاملة».
يتحدث المؤلف عن حياته ورفيقه في قم بين العلماء طيلة سنتين كاملتين، ويقول «كنت في تلك الفترة أرسل كتبا ومجلاّت عن الفكر الشيعي وعن الثورة الإيرانيّة إلى عدد من القيروانيّين أبناء موطني حتّى يكونوا على علم بهذا الفكر وبهذه الثورة وهما موضوعا السّاعة آنذاك ويمثلان هاجسا سياسيّا وأيديولوجيّا لدى الشّباب المسلم في كلّ مكان».
وتماما مثلما في أفلام الجاسوسية فان هذا الكتاب ثري بالأحداث والحركة والمفاجآت والتطورات غير المنتظرة، وبلا مقدمات أو شرح يقول أنه قرر ذات مساء الرحيل إلى فرنسا «فأعددت حقيبتي قبل أن أنام، ومن الغد استقللت الطائرة التّي ستحملني الى إسطنبول ومن هناك إلى باريس عبر القطار.
في باريس استقبلته صديقة فرنسية تدعى بياريت ونقلته إلى منزل عائلتها، وكان ترحيبها حارا وصادقا كما يقول، ويضيف: بعد بضعة أيّام تحوّل إحساسي تجاهها من إحساس عاشق ولهان يعيش تجربة مراهقة الى شخص جديّ أصبح يفكّر في تأسيس عائلة. وكنت أنظر إلى محيّاها وأحلم بأن ننجب أطفالا رائعين جمالا وأخلاقا وعلما. وكنت لا أشكّ البتّة بأننّا سنكون بحقّ سعيدين في زواجنا. تردّدت قليلا في عرض فكرتي ثمّ وجدت الشجّاعة وعرضت عليها فكرة الزّواج فقبلت وأسرعنا في إنجاز ذلك.
وبعد مدّة رجعنا إلى إيران وكان ذلك اليوم هو بالذّات يوم اندلاع الحرب بين العراق وإيران: 22 سبتمبر 1980.
وبعد أن دخلت بيارات إلى الإسلام وغيّرت اسمها إلى الزّهراء، طرأ عامل جديد في علاقتنا وشيء من الجدّ والعزم والمسؤوليّة التي لم نكن نشعر بها قبل الزواج.
ويواصل سرده قائلا: وذات يوم دعاني الشيخ أسد اللّه مع بيارات لزيارة منزله الجديد في قم. كان منزلا واسعا فارها، والعجب في ذلك انه ركيزة هامّة للثورة ولدولتها. فقد كان الشخصيّة الثانيّة بعد رفسنجاني وكان عضوا برلمانيّا. وبعد الثورة ببعض سنوات، تمّ إيقافه بتهمة تحويل وجهة الأموال العموميّة وسوء التصرّف، فحوكم وحكم عليه بسنة سجنا نافذة مع رفع الحصانة البرلمانيّة عنه.
وهكذا بدأ المؤلف في تهيئة القارئ الى ما طرأ من تغيير في موقفه من ايران وثورتها الى ان يصل الى حد الكشف: «وأمام هذه الوضعيّة البائسة والمشبوهة في هذا البلد قرّرت أن أرسل زوجتي الحبلى إلى عائلتي في القيروان لتضع حملها. وكان لزاما عليها الذهاب إلى فرنسا لتستقلّ الطائرة لتحملها إلى تونس. ثم يصف مرافقته لزوجته دون ان يكشف مصدر الأموال التي أصبح ينفقها بسخاء وهو مسافر من بلد الى آخر مشيرا فقط انه أخذ يترجم بعض الكتب، فيقول «وعندما رجعت بها إلى تونس كان قيظ الصّيف حارّا جدّا لا تتحمّله إمرأة حبلى نشأت في مناخ شمال فرنسا فرجعت بها إلى سويسرا لتضع في إحدى مستشفيات» زيوريخ، وعندما رجعنا إلى طهران استبدّ بنا من جديد مشهد الحرب التي تفاقمت فظاعتها (...). وفي تلك الفترة شرعت أنا وزوجتي في ترجمة مختصرة لبعض الكتب الإسلاميّة التي تتعلّق بالعقيدة وبالفقه وبالسّيرة وشيء من التاريخ الإسلامي وذلك للقارئ الفرنسي. ومن بين هذه الكتب على سبيل الذكر لا الحصر كتابات السيّد الفاني الأصفهاني.
وذات صباح ذهبت أنا وزوجتي لهذا العالم الجليل للتشّاور حول بعض المصطلحات، وذلك لتحديد دلالاتها حسب السّياقات الواردة. إلاّ أنّ هذا «الشيخ» بسلوكه طعن ثقتي فيه! فقد لاحظته يسترق النظر لزوجتي ممّا صدمها وبدأت تشعر بالحرج والقلق! كانت بيارات ترغب في مواصلة دراستها العليا في فرنسا لتنميّة شهادتها الجامعيّة بعد أن تحصّلت على الإجازة في اللّغة والآداب الإنجليزيّة.
وهنا يقول بن الكحلاء: بعد أن أعلمت الشيخ الإبراهيمي بنيّة توجّه زوجتي إلى فرنسا لمواصلة دراستها والاستقرار لدى عائلتها صحبة ابنيها حسن ورضا، اغتنم شيخنا الوقور الفرصة فعرض عليّ مشروعا يتعلّق بما تحدّثنا في شأنه.
واقترح عليه أن يسافر معها لكي يؤسس مدرسة في باريس لتعليم العلوم الإسلاميّة واللّغة العربيّة، وناوله خمسة آلاف دولار. وبعد بضعة أيّام من حلوله بباريس التقى مسؤولي بعض الجمعيّات العربيّة بمدينة Châteaux-Reneault، وعرض عليهم خطوط المشروع لدراسته ومناقشته وأخذ القرار في شأنه. ويريد المؤلف ان يقنع قارئه بأن كل هذا جاء من باب فعل الخير وان لا خلفية سياسية لهذا المشروع، وأن لا خطة وراء كل هذا، بالحديث عن أهمية تعليم الدين واللغة للعرب والأفارقة المهاجرين في فرنسا. ويؤكد تواصله مع الشيخ الذي أرسله، ويكشف عن مشاعره في تلك الفترة خصوصا بعدما خبره في إيران وفي قم بالذات. وعن ذلك يقول: «أيعقل ان أكوّن نشئا من الأحداث حتى يصبحوا شبابا فأرمي بهم في أحضان اناس في إيران وخاصّة في نظام قم ليشحنوهم بفكرهم الثوري على طريقتهم الشرسة والوحشيّة التي لا تمتّ أبدا بصلة للإسلام؟»، ويضيف: «مالي وهذا الشأن الذي زجّ بي فيه هذا الشيخ غريب الأطوار؟ وبالرغم من تعثّر المشروع بصورة واقعيّة فقد طلبت من الشيخ أن يمدّني بعشرين الف دولار لأستطيع مواصلة تمويل المشروع، فأستجاب للطّلب وأرسل المبلغ المطلوب. وبعد ذلك أرسل إليّ شخصا لبنانيّا التقيت به ومكّنته من زيارة عدّة أوساط إسلاميّة مختلفة». فأعد تقريرا للشيخ الذي واصل مده بمبالغ مالية. وفي خصمّ الأحداث التاريخيّة كانت التفجيرات في فرنسا على أشدّها، وتكثّفت هذه العمليّات الإرهابيّة خاصّة في شهر ديسمبر 1985. ففي صباح 23 فبراير وقع انفجار في Marks and spencer وأسفر عن قتيل وأربعة عشر جريحا. أمّا الإنفجارات التي جدّت في 9 مارس في سينما Rivoli Beaubourg فقد أسفرت عن 18 جريحا. بالإضافة إلى تفجيرات أخرى. وقامت المخابرات الفرنسيّة بجملة من المداهمات الليليّة.
ويقول المؤلف: «كانت كلّ الشّبهات تحول حولي، وكنت محلّ المراقبة البوليسيّة والمخابرات الفرنسيّة حيثما حللت وأينما كنت، وكانت هذه الاستخبارات تساعدها أطراف عربيّة مرتزقة من هذا العمل الدنيء .ثلاثة من رجال الأمن، عريضو المناكب غليظو الجسم، طويلو القامة عنيفو الحركة شرسو النظرة، وحشيّو الطبع والأخلاق اقتحموا بيتي في الّليل وفي الهزيع الأخير منه. كانت أسئلتهم تحوم حول مسيرة حياتي وأسباب خروجي من تونس ثمّ أسباب دخولي إلى إيران. في سبتمبر لسنة 1985، غادرت فرنسا عائدا إلى إيران بنيّة مواصلتي دراساتي بالرّغم من أني كنت على علم بالوضع السياسي والاجتماعي السيئ هنالك».
هكذا يروي المؤلف سبب عودته الى إيران ولكن مصادر أخرى تقول انه تم استقطابه وقتها من المخابرات الفرنسية وأصبح عميلا مزدوجا.

الكتاب: لم أكن جاسوسا
المؤلف: لطفي بن الكحلاء
الناشر: الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم