الملحق الثقافي

مثل رمح مضيت.. ولم تلتفت!

نص: إبراهيم الملا

«إن في بُردي جسما ناحلا... لو توكّأت عليه لانهدم»
ابن الرومي

(1)
هكذا كنت، وهكذا مضيت.. وأصبحت تهذي في البراري و»السكيك»: (ما لقى غير الصخامة، يكتب بها على الجدران عشقه..).
وقالوا: أخرج.
فخرجت ولم تخرج من ذاتك، فلا حياة تُغْني ضالّتك، وتشفي نَهَمِك، ولا ظاهر يكشف عن باطنك، ولا القريب منك يفضح النائي فيك، وكانت رجفة الماء في الآبار بعيدة، هي التي جعلت خيالك يسيل، هناك على حافة الظن، حيث اختبرت شهقة الرمل وزفرة الطين، وتذكر: طائر المنامات الغامض، الذي حطّ على رمشك ولم تستيقظ، وأخذت تمتد وتسيل وتهذي، وبشارتك موج على باب، وإكليلك نارٌ على رأس جبل، لا يحدّك قاطع، أو مانع، سهمك الطليق فقط: يتوضأ الهواء، ويغتسل بليل، يميل حيث مال قلبك، ولا يتوقف، كما لو كان صيحة في الأبد!

(2)
قالوا: اخرج
فخرجت من سواد النسغ، إلى بياض الندى، ومن أول الصبر، إلى آخر النسيان، وأنت كما أنت، لا ترتوي من عشق، ولا يبتل ريقك من شغف، اقتلعوك من الحوائط، وارتداد الصدى الأليف، ولم تقس سوى على ذاتك، ولم تخرج قبل أن ينهمر ثوبك على البخور، وتتعالى الصرخة المكتومة في الحجر، كان لؤلؤ الكثبان.. ما يحميك من التيه، وبرق الكهوف.. ما يثنيك عن الغرق، وكان الذهول عند انكشاف الساحل، مرفأك الطرّي، وكان صوت وهمس متبلّر، مثل قنينة في صحراء، لم يلمسها أحد، ربما منذ ألف عـام، قنيـنة بلا ذاكرة، ولا ذكرى، بيت الوساوس الشفّافة، والنسيم المكتحل برمل.

(3)
قالوا: اخرج
فرميت خلخال الحبيبة في الدروب، وجعلت الرنين يطاردك حتى الجبال، والجبال تطاردك حتى المدينة، والمدن مثلها مثل الغبار، تتلهّى بالفتى، حتى إذا شب على عوده، هيّجت فيه الخرائب، وسوّرته بأشباحها، وأنيابها، حدّ النزيف، وحدّ اليباس.
علّقت حنانك الثقيل على الجروف، ومضيت، في الوحشة كلها مضيت، مثل نهر في فالق، لم يكفك هياج، ولم تردعك ضراوة، وأنت (الغريق الشرس)، مثل عاصفة في عين إبرة مضيت، ومثل هدير صلب وقطار كفيف، اندفعت، تهشّمت أسلحتك، ولم تخضع، خسرت نصف حياتك ولم تنحن، انكسرت الصواعق على ظهرك، فارتقيت إلى «وهج»، خانك الماء، ولم يجفّ سؤالٌ في دمك.
ظللت تطارد الأيام مثل أرملة، ومثل أعمى كنت، وكنت تهشّ بعصاك الكواكب، ترعى الخلجان، وتنثر النيازك للتائهين.
وكنت تذوي وتذبل، ويتقاطر منك اليأس، وتنسّل منك العافية، وكنت تقعد، وتقوم، ثم تنكبّ، وتجثو، وتزحف، وتتعالى في الجلاء وتسمو، وتسمع غناء أمك، وهو يفلق البازلت والرهبة، فتهبّ عاليا وتغيب ثم تحضر، ويعلو قلبك في كل خفقة، ويخمد في كل ريْب، الرماد بضاعتك، وغريزة «الحبّار» هدايتك، ومثل نسر الأعالي تخبط بجناحيك، فتشق الضباب نصفين، وتقطع الليل بضربة، ويتقافز من ذلك قبس كثير، ثم يرتد شرر من شرر، ويغطّ نور في نور، ويغطس لمع في لمع، حتى كدت تسمع الضوء وهو يتكسّر في الضوء، وتشمّ الضياء وهو يحتك ويطعن ويغور ويفلت من ذاته إلى ذاته، ولا يهدأ ولا يبرد ولا يترقق إلاّ على يديك، وعلى بوحك العارم في الفيافي والقفار، وفي الهدوء الطليق، الملتحم بعدم والممتلئ بخلاء.

(4)
قالوا: اخرج
فخرجت وأنت مفتون بعبق النساء، وعطرهن الثقيل، كنت ثملا بالعود والندّ و»الدخون» والعنبر، وتجرّ بيتا تصطك فيه الحكايا، وترتّج فيه المواويل، كنت هزيلا، والنسوة الطيبات، جارات البحر، وشقيقات الجبل، يشملنك بالتعاويذ والأدعية، وكل دعاء يخرج من أردانهن كالسكر المعقود، انهال عليك (الماورد) من كل حدب و وصوب، وكأنك في محفل أسرار، ومجمع وصايا، والنسوة الطيبات يحطنك بلفافاتهن السوداء، وبياض أرواحهن، والثرثرات الأليفة تمرق بينهن كالنسمة، وكنت تعشق جمعهن.
وتنتظر اللهفة الدافئة، رائحة النسوة الطيبات، ما زالت تغويك، وكل ذلك الحنان مازال يكتب حيرته في دخان المقاهي وعلى ماء المرايا وبصيرة الوديان المعتمة.

(5)
قالوا: اخرج
فسرقت شال «الفرجان» الأثيرة، حملت «المديفي» في ضلوعك، ووزعت أشلاءه على كل «رمرامة» و «غافة»، ولم ترجع، تمزّقت في رياح سامة، ولم تلتفت، تركت الصراخ ييبس خلفك ويسقط، وتركت الأثر بلا أب، أفرطت في الرعاية حتى فقدتها، وملأت الينابيع أحجارا وقطعان ندم، وقلت مواسيا: «لا يهلك الباحث عن سرّ»، وكان سرّك فيك ولا تدري، وكان يسري فيك وأنت محجوب عنه، ومعميّ عن كشفه، فلا مضرّة لها نصيب من جسدك، ولا أذى له مأرب ومرتجى فيك، وكان الخلان حولك وانفضوا، وكان الشعر لصيقك في المحن، فلم تظفر من وضوحه إلاّ غشاوته، ولم تغنم من يقينه إلاّ بهتانه، وهكذا ظفرت بذاتك، وعانقت عزلة حسبتها سرابا، وأوبة حسبتها غيابا، نبذت الخلق والدنيا، وعاينت قسوة الأقارب، وخيانة الأصحاب، والزلل المقيم في المباهج، والأسى المختوم على جبين المسرّة، ولم تلتفت رغم الحنين الذي ولّى، ورغم الهيام الممزق في المسالك، مضيت في بيداء الشوق والشوك والمكابدة والعسف، وتمرغت في القيظ حتى إستويت، وراودتك الينابيع والرغوات والطيش المبجّل.
لكنك مثل رمح مضيت، ولم تلتفت.

(6)
قالوا: اخرج
فخرجت كي تعود إلى البلاء، وتشرب الأتراح كلها ولا تثمل، وكنت في الحضور وفي اليقظة، عارما مثل تمثال معذّب، ومثل حارس ضمآن على باب النهر، لم يكلمك أحد، ولم ترمش لنورس أو برق، أردت الخروج من جلدك، لكنك المقبور في ذاتك، ترفع يدا لغيمة، وتزيح الظلال عن قوس قزح، ولا تعثر على جلال لأنه فيك وأنت غافل، لأنه لصق أنفاسك وأنت محشور في الرخام، وفي النيّات العاطلة، زفيرك نار وشهيقك ماء، فماذا ربحت ؟، وأي غنيمة أخفيتها لغد، أي نهار مديد لضائقة وليل، وأي زاد لرحلة في المنتهى.

(7)
قالوا: اخرج
ولم تصغ للبحر، وخرجت إليه، وهو هادر وموغل وكاسر، نزعت المدينة عن كاهلك، وقادك الرهبان والغجر إلى طقس وسحر، غافلك القراصنة بمتاهة زرقاء وجزائر من صدف، فأسلمت أمانك لهلاكك، وعافيتك لعجزك، وصحوك لثمالتك، وكانت حياتك على مائدة، والمائدة على لجة وغمام، وحولك الأرخبيلات وعرائس الوهم، ولم تجرؤ، وما كانت يدك لتمتد إلى ثمر وكلام، ولا لسانك إلى عسل القيعان، هوت المدينة خلفك، وبقيت في عراء البحر، تكنس الرياح عن الأشرعة، وتهرّب الزوابع إلى قطّاع الأفق، شطرت البرق نصفين، وروّضت العواصف حتى اكتفت، فصار اليمّ زجاجا، وتكالب وتصالب حتى استحال إلى مرمر، فاتكأت على صبرك، واعتدلت، ومشيت على مزيج زئبق وفضة، وجليد تحته نار، وكانت مائدة بطول يقظتك، وعرض غفوتك، وكانت أحلامك مرّة فمضغتها، وتوكلت.
ورجعت إلى ما خرجت منه، وعدت إلى ما عفت البقاء فيه، خدشت الحوائط بنظرتك، واسترحت على قلق مقيم، وهياج مكتمل، أحببتهم من شروق: «القرم» إلى غروب: «الأشخر»، ومن أول: «شريشة» إلى آخر «غافة».
وهكذا قست طفولتك بكهولة البلد، ونثرت حياتك في الآبار، وكان البلد بطول الروح، وما اكتفيت.

(8)
قالوا: اخرج
فمكثت عندهم، مثل قبر!