الملحق الثقافي

اسم على مسمى.. يسمو إلى السماء

صورة ليلية لمسجد الشيخ زايد (أرشيفية)

صورة ليلية لمسجد الشيخ زايد (أرشيفية)

للمصلين الأوفياء، للزائرين النبلاء، لقراء الصحائف والكتب، لذوي الصفات النبيلة والنجب، لمن يعيشون الحياة بالدعاء والنداء للعشاء ومن أتلفتهم الأشواق، هذا المعْلم، وخير السلام والكلم، منه الرسالة، والجزالة، والبذل والجزل، والعدل، ومنه الأنفاس تخرج طيوراً ببياض أجنحة النجوم وأشرعة الأقمار، منه أخبار الأنبياء وأسرار الرسل، منه نعيم العقول، وابتهال واعتدال، وسؤال، ومنه الخشوع والركوع، ونعمة الصفاء والبهاء، والنقاء، والاحتواء، والاستواء، والانضواء.
في هذا المسجد، اسم على مسمى، يسمو إلى السماء بصفات الولوج، والأعراج، واستدعاء ما في القلب، تلاوة قراءة عربية، من نهل القرائح، المفعمة بالأصول والفصول، وما قام واستقام واستدام، دينياً حنيفاً، للناس أجمعين، لا تمييز ولا تحييز، ولا لحجم ولا لطم ولا صم ولا بكم.

شهامة النجباء
في هذا المسجد، تعلو المنارات بعلو شهامة النجباء، وسمو قامة الذين عرفوا الدين، قامة وقيمة، وقيامة والذين أسسوا الحلم على ركائز وثوابت القيم العالية فجاء هذا المعلم شاهداً على مشهد حضاري مستشهداً بعبارة من أقام البناء بمعمار النفس، وفسيفساء المشاعر، وزخرفة الإحساس، الملون ببريق النجوم، ورشاقة القمر، وأناقة الصحراء في حلها وترحالها، ولباقة الأخضر اليانع، في الرونق والحدق.
هذا المسجد، نشيد سماوي، لأجل إنسان يصفو من اللهو، ويهفو إلى الطاعة، بنفس طائعة صاغرة، خانعة خاشعة، وعقل من سكب السحابات يرشف قطرات الارتواء، ومن بث الموجات يصيغ إلى الوشوشة، ومن حثّ الدورة الكونية، يأخذ صوته وصيته، ومن إرث الذين أسسوا يَسمع ويُسمع ويصبو إلى المجد، بجد ووجد، ويفرد جناح الذل من الرحمة وينادي في الكون الصلاة فلاح، وفلاح الروح أن تطمئن وترجع إلى ربها راضية مرضية لا حنث ولا خبث.
في هذا المسجد، يصلك النداء الإلهي، من صدى الصوت ومن نفحة تعمر الوجدان وتبني في الصدر، منارة الانتماء وحصن حصين رزين أمين متين، وأنت في المكان تملك الزمان تحتاط بالأمان، يخالجك وعي أزلي وما يستوطنك من لا شعور جمعي يحتويك، يأخذك إلى بعد بعيد، يأخذك تاريخ عتيد، وأنت في المجد المجيد كلمة واعية تتداعى لها جدران القلب وتنهمر أمطار العين، تغسلك تطهرك، تأخذ منك تسلبك تستولي على ما تبقى من عمر، وأمر وخبر حتى آخر السطر.
لا تظن في الجزء إلا أنك كل أنت المهشم زجاجة قديمة عديمة غبارك، المتناثر، تغسله لحظة التأمل، والتزمل، في المكان الرهيب المهيب الأريب القريب، الشذيب، يأخذك عنوة إلى فضاءات بأبعد من النجوم، أقرب إلى صفاء السجية، يأخذك وأنت المأخوذ بالخلابة، والرحابة والنجابة، والصبابة، والذؤابة، والمهابة، والكتابة المقدسة، النابسة، بالقدرة والقوة، والشمول والكلية الأبدية، أنت المحطة، قماشة عتيقة رقيقة خيوطك تلتقطها إثر صمت، يأتي من بعد وتعرف على النهج والمنهج، وما تلهج به الألسن، وما تطوقه السنون من تاريخ قاد مسيرة التهدج، والتوهج والاستواء، إلى صراط مستقيم وقويم، حليم كريم، مديم يضع المدى امتداداً، لعرف الإنسانية، وذهابها في عمق الحدث الإلهي العظيم، وأنت في المكان توقن، أن هذا المعلم ليس مسجداً فحسب، بل هو مشهد يؤمه المحبون، والواقفون عند رعشة القارعة، وصوت السماء المجلجل في الصبر والبصيرة، هو الأذن التي سمعت والعين التي رأت واللسان الذي نطق باسم الله، باسم القدوس، القادر القاهر، العظيم، الحليم، الرحيم، الكريم، العليم، المهيمن، الجبار.. أنت في المكان، أنت الأصغر من حرف في كلمة، أنت الذرة المتناهية في الصغر، أنت النقطة على حرف متحرك آخر الجملة الاسمية، وأنت المفعول به في جملة الفعل الماضي والحاضر والأمر.
أنت في هذا المسجد، في هذا المكان، ترى الإبهار والإبحار، ترى الحضور المدهش، والقامة المذهلة، تراك كائناً يستقرئ ما بين السطور بحبور وسرور، تعبر السجادة الوثيرة، بقلب يتلون بالعز والفخر، والدهر، يخط بيمينه عبارة النشوء والارتقاء يشكل لوحته بريشة من أحب المكان، والإنسان فأحبه الله، وعشقه عباده يخلد المكان باسم ورسم ووشم وقيم، وعلم وفهم وحسن السيرة ورجاحة الكلم، أنت في هذا المكان تخطب ود الذاكرة، تأتيك صاغرة، بلوحة ناصعة ساطعة، لامعة، جامعة، مصفدة بأعمال وأفعال وأقوال، موال، وأحوال تحدثت عنها الدنيا ولم تفها حقها بعد لأن المنجز أوسع حظاً من كتابة التاريخ، وأكثر امتداداً من أمد التضاريس ولأن الذي سكن هنا لم يزل يتلو آيات العرف المجيد، ببوح الخلود، وأمد الوجود، بل هو الموجود في حدود القلب ومدى الروح.. أنت هنا فراشة تطل من نافذة الأجنحة الشفيفة على حقل من حقول الإعجاز والإنجاز، والامتياز لا يمثله إلا هو فهو هو كل ما فيه من قدرة فائقة، ولباقة متألقة وأناقة متناسقة، فلا تملك إلا الشهقة المتدفقة من بهجة محدقة في المروج والبرج، وأفواج وأمواج وسراج وهاج، يعشيك ولا تغشيك.
أنت هنا في المكان.. تتذكر فكرة الخلْق والخُلُق، تستدرج فلزات في الوجدان كأنها النيران تشعلك وتشغلك تستوطنك بقوة التأثير والأثر، تتدبر أمر الفكرة تحاول أن تجد الخلاصة، لكن الإسهاب يأتيك من مساحات لا متناهية، مترامية في الأبعاد متمادية في الجذب والحدب، والخصب والصخب، متسامية في رسم الصورة، متفوقة في البوح، متميزة في تجذير الحلم بعلم من يعلم كيف يعلم الأجيال، ترتيب الأزهار، وتشذيب الأشجار، وتهذيب الأحجار، من يعلم كيف يروض الكثبان حين تفكر في الهذيان من يعلم كيف يطوع الجياد، حين يستولي عليها جحيم الطغيان.. أنت في هذا المكان تهاجمك الفكرة الأزلية كيف يصبح الخيال صورة مثل لواقع يقتعد الأرض بكرسي وثير بأسر القلوب ويخلب الألباب، ويسلب النفوس لروعة ونبوغ وبلوغ ما لم تبلغه الأقمار والشموس..

البيت العامر
أنت في المكان تتفشى في خاطرك فكرة كامنة لمكان أصبح وجهاً للشمس وصورة للقمر، ولألأة للنجوم، ونخوة من نخوات الأولياء الصالحين والناس الأقدمين الذين صالوا بالجياد لأجل إسعاد العباد، والذين تأتوا بالنوق لأجل عتق من النار، وكشف أسرار الجود في الدين الأمين.
أنت في المكان في نفرة الحجيج الذين جاؤوا من كل فج عميق، ليقفوا أمام رؤية وراية، ورأي ليصمتوا قليلاً بعد ضجيج لينهلوا من البيت العامر بالأثر، حلم النفس بالطمأنينة ليخرجوا من ذواتهم إلى ذات الله، إلى المكان المحتفي بالقدرة والفكرة الأبدية.
في هذا المسجد في المهد، والوعد، والسد، والسعد، والمجد، والأمد، والبعد، والصد، والرد، تكون أنت الحالم المتفاقم السالم المسالم يحفك الزمان بالأفنان تظللك غيمة وقيمة، وشيمة تفكر فيك، تفكر في لحظة مداهمة تحتويك كأنها الأمومة تدفئك كأنها الشمس تشرق على وجهك تمنحك الضوء بعافية شافية تتجرد أنت تتفرد كأنك الطير بأجنحة الفرح، كأنك السنبلة بفخامة الينوع، كأنك الجلجلة بقوة البلوغ، كأنك البهجة المقبلة، بأشرعة النبوغ، كأنك الوهج المتدفق نهجاً حضارياً، كأنك اللواعج المسرورة بقصيدة فريدة، كأنك النهار يحيك خيوط الحرير، على جسد الوجود، كأنك الليل يتوضأ على ضوء القمر، كأنك السر المنكشف على ضوء حقيقة دافعة، كأنك الخبر على شفتي حسناء يانعة، كأنك السطر بعبارة شجية، كأنك الحدث المنبلج من فجر يتشقشق نوراً وحبوراً، كأنك الناي تداعبه أنامل فرحة، كأنك نشيد الموجة، على ساحل أغر، كأنك الجملة المؤجلة لساعة اللقاء..
أنت في هذا المكان تخصب مشاعرك، كأنها النخلة الوارفة، وتكتب قريحتك، ماقل ودل في المعنى والمغزى والأصول والفصول، ونصلك هذا القلب الحافظ والحفيظ، وتخصك النعمة على مزيد من التبصر، والتدبر، والتفجر، والتدثر، والتسبر، والتخبر، والتمحور، والتأثر، تحثك على وضع الإصبع على مكان النهوض باتجاه الأبعاد الأربعة وتدفعك لأن تقول إنه لا مكان إلا هذا المكان، والنجيب في أديمه، الغائب الحاضر، المثابر في صناعة الذاكرة تشجير تربتها.

علي أبوالريش