الملحق الثقافي

تحولات أنساق القصيدة

أحمد راشد ثاني في احدى ندواته (تصوير شادي ملكاوي)

أحمد راشد ثاني في احدى ندواته (تصوير شادي ملكاوي)

سلمان كاصد

هناك ظاهرة أدبية عرفتها ساحة الشعر العربي، وهي إصدار المجاميع الشعرية الكاملة لشاعر قدم مساهمة شعرية طويلة أو ربما قصيرة في خارطة الشعر العربي الحديث، ولا أعرف حقاً من صاحب هذه الفكرة الغريبة، التي وجد فيها الشعراء طريقاً لتقديم كل نتاجهم الشعري الذي أنجز طوال تجربتهم الشعرية.
هي طريقة ملتبسة حقاً من عدة نواح، وأهمها أن المجموعة الكاملة تضم تاريخاً شعرياً كاملاً ممتداً من البدايات وحتى الخواتيم، أي أن الشاعر يجمع أولى قصائده حتى أواخرها، وعليه فإنه لا بدّ له أن يختار طريقين في ضم الأوائل بالأواخر، الاولى أن تأتي أوائل الدواوين في تجربته الشعرية في بدايات المجموعة الكاملة، وتأتي الأواخر في نهاياتها، وهذا يطابق السياق الزمني للتجربة الشعرية، وإذا عرفنا أن أي تجربة وليدة في بدايات الإبداع تبدو غير مكتملة ولا تمتلك أكثر من لمحات شعرية، فيها من المألوف والتداول والمباشرة الشيء الكثير، والثانية أن تأتي أواخر الدواوين أكثر اكتمالاً وخوضاً في التجديد وعدم المباشرة، وبخاصة في اللعب على اللغة، ناهيك عن الأفكار، وأخص بذلك كبار الشعراء ومنهم عبدالوهاب البياتي في «ملائكة وشياطين» 1950، و»عشرون قصيدة من برلين» 1959، واختتاماً «خمسون قصيدة حب» 1997، حيث تحفل قصيدته بالخطابية في البدايات مروراً بـ»الذي يأتي ولا يأتي» و»الموت في الحياة» عند فترة تحليق التجربة واكتمالها ورسوخها، كذلك محمود درويش في الخطاب الشعري الوطني في بداياته «عصافير بلا أجنحة» 1960، و»عاشق من فلسطين» 1966، حتى «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» 2009، بعد وفاته التي اكتملت عنده تجربة شعرية رسخت مفهوم التحولات الكبرى لعدة أسباب يدخل منها النضج الثقافي، والتغيرات الزمانية، والتغيرات الفكرية، كذلك التغيرات الحداثية في اللغة التي لا بد لها أن تدخل في أبنية قصيدته وأعتقد أن «في حضرة الغياب» عام 2006 بوصفه نصاً شعرياً يمثل النموذج الأوضح على تحولاته الشعرية التي وصلت إلى مرحلة من التجديد اللغوي في نظم جديدة للتعبير من خلال تغير اللغة، بالرغم أن درويش في «أثر الفراشة» و»أنت منذ الآن غيرك» حاول أن يبقى على نسق الغنائية العالية الذي هو أحد أعمدته العربية الحديثة.

القدامة والحداثة
هذان الشاعران جمعت دواوينهما وتوخى الجامع وهو دار العودة في بيروت أن يكون التسلسل الزمني معياراً اساسيا موضوعاً بين دفتي كتاب كبير اسمه المجموعة الكاملة، وهي ما جمع القدامة بالحداثة وما جمع التقليد بالتجديد واللعب على اللغة، وذلك الأمر اتبع مع غيرهما من الشعراء، صلاح عبدالصبور ونزار قباني والعديد الآخر من شعراء العربية.
حسناً هناك نمط ثان لم يتبع وهو الافتراض جدلاً أن المجموعة الكاملة للشاعر تتسلسل وفق التلاعب بالزمن عبر مفهوم «القلب» و»الابدال» إذ يقدم الشاعر نفسه منذ آخر ديوان أصدره حتى أول ديوان قدم فيه نفسه إلى ساحة الشعر العربي، ولا أجد أحداً رتب شعره بهذا الأسلوب الإخراجي المهم إلا قاص وروائي عراقي هو مهدي عيسى الصقر في مجموعته القصصية «أجراس» حيث افترض أن هذا الترتيب في الأحدث أولاً، ثم القديم ثانياً، ثم الأقدم ثالثاً أشبه بالأجراس التي تأتي من ماض بعيد هو ماضي إصدار هذه القصص، أي أن الحاضر يتقدم ثم يعود المتلقي إلى الماضي خطوة بعد أخرى أثناء قراءة لتلك المختارات.
وربما يواجهنا نمط ثالث يقرأ واقع «المجموعة الشعرية الكاملة» بشكل مختلف، إذ يرى أنها صورة بانورامية عن تجربة الشاعر ضعفها وقوتها، بساطتها وتعقيدها، عاديتها وتألقها، وبذلك تقدم المجموعة التاريخ الشعري لمبدعها.
ونتساءل، ولكن لماذا المجموعة الشعرية الكاملة، وهل توقف الشاعر عن القول الشعري ليختم تجربته بهذه المجموعة؟ وكيف يصف ما ينتجه من شعر بعد أن أصدر تلك المجموعة؟ ولماذا لا يعمد إلى «المختارات» ليقدم نفسه للمتلقي بطريقة أكثر موضوعية وكأنه يمارس دور الناقد والفاحص لكل تجربته الشعرية، حيث يهمل ما لا يراه معبراً عنه أو لا يرى فيه الاكتمال الشعري، ويبقى على ما يمثله، وبذلك يكون قد لخص تجربته بشكل دقيق وقدم اعترافه بما أراد أن يقول، أعتقد أن هناك طريقين يتعارضان إلى حد بعيد مع التحولات الشعرية الأول هو «المجموعة الكاملة»، والثاني هو «المختارات»، وكما أرى ويرى العرب القدامى أن «المختارات» هو الطريق الأصوب، الذي اتبعه النقد العربي القديم، وفي مختلف العصور الأدبية اللاحقة طريقا ومنهجا.

القول الشعري
قادتني إلى هذه المقدمة المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر الراحل أحمد راشد ثاني، الذي عشت إصدارها معه والتي أرخها منذ (1985 ـ 2009)، وهي تضم ثمانية دواوين شعرية صغيرة سبق أن أصدرها، وهي: «ها يداي فارغتان»، و»حافة الغرف»، و»حديثي عن الآبار يشرب»، و»دم الشمعة»، و»يأتي الليل ويأخذني»، و»الغيوم في البيت»، و»هنا اللذة»، و»الفراشة ماء مجفف».
والتي صدرت في طبعتها الأولى عام 2010 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان.
وعند قراءة هذه المجموعة الكاملة نجدها قد امتازت بعدة سمات وخصائص نتعرف من خلالها على ذكاء أحمد راشد ثاني في التلاعب على نظام المجموعة الشعرية الكاملة وتتلخص في:
أولاً: أن أحمد راشد ثاني لم يسمها مجموعة شعرية كاملة، إذ لم يثبت هذه الصفة على الغلاف الذي ضم الدواوين الثمانية.
وثانياً: أن أحمد راشد ثاني أرخ الإصدار منذ عام (1985 حتى 2009) أي أن ذلك لا ينفي إقفال منتجه الشعري عند ذلك الإصدار، فهو قد جمع دواوينه الثمانية في إصدار واحد لا غير وأنه سيواصل القول الشعري وكأنه يوحي للمتلقي بأن ما يضمه هذا الإصدار هو الفترة الزمنية تلك فقط وما بعدها سيأتي.
وثالثاً: أن أحمد راشد ثاني لم يجمع الدواوين الثمانية في ديوان واحد، بل ظلت تلك الدواوين منفصلة عن بعضها بالرغم من أنها مجموعة في إصدار واحد أسماه بـ»قصائد» وكأنه بذلك يخرج لنا بنمط جديد هو ليس بمجموعة كاملة ولا بمختارات وإنما هو «قصائد».
ورابعاً: أن أحمد راشد ثاني قد أبقى على دواوينه الثمانية منفصلة عن بعضها وتحمل عناوينها الذي صدرت به لأول مرة، أي أنه يقدم دواوينه إلى المتلقي حزمة واحدة، أي يقدم رؤاه الشعرية وتحولاتها وفق كل ديوان وموقعه من النشر الاول.

فخ «قصائد»
غير أن الفخ الذي وقع فيه أحمد راشد ثاني ـ حقاً ـ هو أنه أرخ ديوانه الأول «ها يداي فارغتان» حتى ديوانه الأخير «الفراشة ماء مجفف» مروراً بالدواوين الستة الأخرى بتاريخ نشر واحد، وهو 2010 ولم يسجل تاريخ نشرها الخاص الذي ابتدأ بالثمانينيات، حيث جاء في الديوان الأول «الطبعة الأولى 2010»، وفي الديوان الأخير «الطبعة الأولى 2010»، وهذا يخالف الواقع تماماً إذ أن كل ديوان له تاريخ طبع مختلف عن الآخر، وهذا التاريخ هو الثاني في إصداره.
كما أن أحمد راشد ثاني قد أوقع نفسه في فخ إلغاء تواريخ كتابة القصائد، وبذلك غيَّب على المتلقي والدارس أهم جانب في تتبع تطورات التجربة الشعرية، ما يضطر الباحث والدارس أن يتخلى عن هذه «القصائد» ليعود إلى نسخ الطبعات الفردية التي صدرت بأوقات وتواريخ مختلفة، حيث يجد هناك تاريخ القصائد مثبتاً ليستعين بها لتحديد مفاصل تطورات قصيدته.
وما يجمع تلك الدواوين، هي الأغلفة البيضاء التي تزينت بلوحات ثماني وضعت في مربع حمل أعمال الفنان السريالي الإسباني خوان ميرو، وكما يقول: «في محاولة لتمثل التقارب في رؤى الشاعر والرسام الإسباني، حيث طفولة الفن وانسيابية الخطوط وتقارب الألوان في إطار من العمل الفني العفوي».
وبعيداً عن كل ذلك من غير المعقول أن أقرأ كل هذه المجاميع في مقالة واحدة قصيرة مثل هذه التي في يد القارئ، لذا قررت أن اختار ديوانين لأحمد راشد ثاني من هذه الدواوين الثمانية، وهما الديوان الأول «ها يداي فارغتان» والديوان الأخير «الفراشة ماء مجفف»، وسبق لي أن قرأت مفصلاً ديوانه «حافة الغرف» بشكل منفصل في كتابي «قصيدة النثر» الذي صدر عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة.
ولم يأت اختياري لهذين الديوانين اعتباطياً، بل هو اختيار محسوب وفق ما قدمته في استهلال هذه المداخلة عن البدايات والخواتيم، حيث يمثل الديوان الأول مفصلاً مهماً من التكوين الشعري ويمثل الديوان الثاني مفصلاً مهماً من الاكتمال الشعري.

خصائص وسمات
في ديوان «ها يداي فارغتان» نجد:
أولاً: ثماني قصائد طويلة تمتد على مدى 92 صفحة، وهي تبتدئ بـ»لن أعود ثانية إلى الحنين» وتنتهي بقصيدة «هذا كل ما لديّ».
وثانياً: تبدو القصائد طويلة ذات بناء تراكبي، يحاول فيها الشاعر أن يقدم الصورة كاملة بعيداً عن الإيحاء، أي أن الخطاب يلخص ما يعانيه ذات الشاعر إزاء العالم.
فلأدعْ جروحي صافية
للنهاية
والذنوب التي لم تنضج بعدُ
قد احتاج لها
عندما يذبل الماء بي
وثالثاً: يشتغل ضمير المتكلم في قصائد هذه المجموعة بصورة فاعلة، حيث يصبح مهيمناً على الخطاب الشعري: «أفتعل موجة لكل لحظةٍ» و»أداري جفون الألم» و»أعرف ما يدور»، و»أرفع تحياتي للعظمة»، وأخيراً «فهمت بعد فوات الأوان»، وهذه الأسطر بدايات مقاطع قصيدة «لن أعود ثانية إلى الحنين»، حيث نجد مقاطعها وقد ابتدأت بفعل المتكلم، وذلك ينطبق تماماً على مختلف القصائد الأخرى التي ضمها الديوان.
ولنأخذ القصيدة الثانية «الا أنت أيها السيد الحجر» ولنلاحظ كيف يهيمن ضمير المتكلم فيها عبر هذه السطور التي هي بدايات مقاطعها:
1) امسكتُ العالم وها يداي فارغتان
2) ولم أحدق
3) أقول ـ يكفي ليدي أنها طاهرة
4) فاوقعني البحر
5) من يعرفني حينئذ
6) أعرف تواً أن الأمم توالت على مهرجي المعابد
7) أقلب البحر إلى صحراء
هنا نجد أحمد راشد ثاني وقد امتلك نفساً شعرياً طويلاً وكأنه مقبل على نزيف قولي لا ينتهي، يريد أن يقول كل شيء، ولا يعمد إلى الاختصار، إذ المعنى لا يتلخص لديه بأقل الكلمات، حيث تسحره العبارة فيذهب وراء الكلمات المناسبة بسهولة في أسطر القصيدة، أي باختصار أنه لم يفكر في القيمة العليا للتكثيف الشعري فتراه مسهبا كبيراً في القول إلى حد أنه يشعر في نهاية إنجاز نصه وكأنه قد طابق سعة اللفظ بسعة المعنى الذي عبر عنه.

نظام الأبنية
في قصيدة «دع الأرض تدور» يشتغل أحمد راشد ثاني على ذات البناء في نظام يجمع أولاً ضمير المتكلم المهيمن، وثانياً المقاطع الطويلة، وثالثاً سردية شعرية تقود الشاعر إلى توصيفات كاملة للحكاية والمكان، حيث يرد اسم «خورفكان» و»وبحرها» و»أمواجها».
وتبدو استخدامات الأفعال الخطابية في ديوانه «ها يداي فارغتان» تكرس النظام السردي عبر الفعل المضارع بالرغم من امتزاجه بخطابية واضحة عبر المناجاة مع عدم غياب الفعل المؤثر لضمير المتكلم المهيمن كما قلنا.
في قصيدة «الغريق الشرس» من الديوان نفسه نجد مقاطع متعددة ـ بذات أبنية القصائد السابقة ـ وسردية مفعمة بالحكاية:
أطلق لها ثيابي
وبعضاً من تثاؤبي
وأعود إلى البيت
تضع أمي الغداء
وأبي يدعك وجهه بدعاء إسلامي
بينما النافذة تحدق بالجميع
ويمازج أحمد راشد ثاني ذلك النظام السردي بالتاريخ الشعري، مقلداً النظام الكتابي العربي القديم، حيث يقول:
ها قد عدت إليك
أيها الصغير
يا أحمد راشد ثاني سنة 1970
إلى أين يمكن أن نذهب
وحدنا
معك
ويستغل أحمد راشد ثاني في خطابه بهذه المرحلة الشعرية المتمثلة بديوانه «ها يداي فارغتان» ليكرس يوتوبيا مدينة الشاعر «خورفكان»، فكأنه بذلك يوازي تلك المدينة في شعره بمدن الشعراء من مثل «جيكور» عند بدر شاكر السياب:
«لقد دافعتُ عنكَ إلى الدرجة التي عدت فيها إلى خورفكان، وأنا مرتكز على رأس مدبب إلى الدرجة التي عدت فيها بلا رأس».

أنساق شعرية
في ختام تجربة أحمد راشد ثاني تلك المحصورة - بحسب الشاعر نفسه (بين 1985 ـ و2009) نقرأ ديوانه الثامن «الفراشة ماء مجفف»، وهو الديوان الأكثر فنية، حيث يتلاعب الشاعر على أنساق شعرية وطباعية متعددة وأهمها:
أولاً: أن الديوان قصيدة واحدة تحمل 61 قطعة صغيرة وكأنها «شذرات» شعرية.
ثانياً: أن تلك الشذرات أقرب لقصيدة الهايكو اليابانية من حيث دلالاتها المشعة واختزال كلماتها وسعة معانيها وصورها وتمثلها لأبعد مساحة للرؤية.
ثالثاً: تكرار العنوان «الفراشة ماء مجفف» بين المقاطع الصغيرة، حيث يصبح في متن الديوانه، وكأنه «الروندو» وهو اللازمة الموسيقية المكررة في السيمفونية.
ورابعاً: توليد مساحات مكانية بيضاء فارغة في الصفحات، تحتل فيها الشذرات أماكن متغيرة بين صفحة وأخرى، حيث تعطي تلك «الفراغات... البياض» بفضائها الطباعي بعداً جديداً للمعنى، إذ لابد أن يكون هناك مبرر لترك تلك الفراغات، ولنقرأ تلك الشذرات مبتدئين بالعنوان:
«الفراشة ماء مجفف»
وكأنه يريد أن يقارب عبر التشبيه بين جناحي الفراشة والماء الذي يرق من فرط شفافيته، وبذلك يدعونا لتخيل كل «مقطع.. سطر شعري» شفاف كجناحي فراشة وهما «الشاعر.. الراقص» الشخصيتان المركزيتان في هذا الديوان «حيث اعتاد شاعر وراقص التناظر على طاولة»:
تحت ظل شجرة
كان الراقص والشاعر
يلتقيان
بعيداً
يعتمد أحمد راشد ثاني في هذا الديوان، بالإضافة إلى الأبنية التي تحدثنا عنها مجموعة من الأنساق الجديدة، وهي الاستفادة من الاستشهاد بمقولات إبداعية من مثل مقولة مارسيل دو شامب: «الفن سرابُ»
وهو سطر يوثقه أحمد راشد ثاني بـ «كما يقول مارسيل دو شامب» بما يشبه الفراشة ماء مجفف.
إذ الفن يواري فراشة والسراب يوازي ماء مجففا. ويصف أحمد راشد ثاني لحظات تسامي الشاعر راقصاً عازفا على أوتار الكلمات ويصف لحظات تسامي الراقص قافزاً على أنغام التوقيع المحسوب كما الكلمات في فم الشاعر.
اختار أحمد راشد ثاني شاعراً وراقصاً ووضعهما في هجرة أبدية، في عالم يجمع «النار والهواء والماء» وكأنه يعود إلى بدايات تكون الذات:
1) لهواء النار
قصص الجن
2) الاعصار نار جافة
3) وظل الشجر
نار معسولة
4) يفوح السابح في النار
5) يركض ماء الهواء أحياناً
6) ماء الهواء على هدب الماء
7) الهواء ومضة مبلولة
8) وصوتُ نار
في الماء
لكل عبادة
الليل ماء الأعمى
وهذه العناصر الثلاثة هي المكون الرئيس للفراغ الطباعي، او لنقل انها تدور في صحراء الورقة الفارغة الا من بياضها ولهذا استخدم احمد راشد ثاني ذلك الفراغ باعتباره مساحة لابحار تلك العناصر الثلاثة «الماء والنار والهواء» لتتفاعل على سطح الورقة المفتوح لينشأ من هذا التفاعل كيمياء الجسد.

قصيدة الهايكو
وتصبح هذه العناصر الثلاثة «النار، الهواء، والماء» المهيمنات الكيميائية في الشذرات، حيث لا تخلو شذرة منها، وكأن أحمد راشد ثاني يعيدنا إلى مركب أسطوري أغريقي.
لم يتخلص أحمد راشد ثاني بعد تجربة طويلة منذ عام 1985 حتى 2009 من النظام السردي الحكائي وهو ما ظل مفتوناً به، حيث يقول في ديوانه «الفراشة ماء مجفف» بعد رحلة طويلة من خلال دواوين ثمانية:
«قادت حواء آدم إلى الشجرة، حيث اعتاد راقص وشاعر أن يلتقيا تحت ظل الشجرة قبل أن يكون الظلُّ مسرحاً والبراري التي تحيط بها أبواباً
..قال آدم:
الشاعر
قالت حواء:
أكبر
قالت حواء:
الراقص
قال آدم:
أكبر
ثم قالت حواء
..أكبر
ويختتم أحمد راشد ثاني سرده الحكائي لهذه الحوارية الممسرحة في نصين (34 و35) من الديوان فيقول:
«فلما أفِلا بقي الشاعر والراقص في بابل
ينصتان على الجبل إلى هديل الظلِّ وضجة
النار ونزق الماء»
في ديوانه «الفراشة ماء مجفف» يغاير أحمد راشد ثاني بهيكلية مختلفة وبنظام شعري يمزج بين «الحكائية والمسرحة» من جهة وتعميق الدلالة واستغلال الفضاء الشعري المفتوح ببياض الورقة من جهة ثانية، كل دواوينه السابقة، وبذلك هو يقترب إلى حد بعيد من بناء قصيدة «الهايكو»، حيث الإيجاز والاستخدام الأمثل لشكل فني يعطي دلالة مضاعفة للمعنى.
وأخيراً يمكن ملاحظة بداية ديوان «الفراشة ماء مجفف» مع نهايته، حيث جاء في البداية بأول سطر شعري قول أحمد راشد ثاني:
ماء مجفف
بعض من الهواء المهمل على طاولة
اعتاد شاعر وراقص
التقابل عليها
وهذا المقطع يسبق الشذرة (1) أي أنه مقطع خارج النص الشعري كله، ثم يأتي الشاعر في نهاية الديوان وبعد الشذرة (61) ليقول:
الفن سراب.
أو كما يقول مارسيل دو شامب
والفراشة ماء مجفف
إذ أن أحمد راشد ثاني أضاف لسطر «ماء مجفف» الذي جاء أول الديوان كلمة «الفراشة» فأصبح في نهاية الديوان «الفراشة ماء مجفف» أي ذكر في البدء المشبه به «ماء مجفف» واختتمها بالمشبه «الفراشة»، وبذلك اكتمل عنوان الديوان بل الديوان كله عندما وجد الفراشة التي كانت ضائعة منه واقتنصها بالقصيدة.