ثقافة

رحيل الشاعر أحمد راشد ثاني

أحمد راشد ثاني (1962 ـ 20/2/2012)

أحمد راشد ثاني (1962 ـ 20/2/2012)

غيّب الموت أمس في أبوظبي، الباحث والشاعر أحمد راشد ثاني عن عمر ناهز الخمسين عاما، إثر صراع طويل مع المرض، ويعد أحمد راشد ثاني، أحد الشعراء المجددين في القصيدة الإماراتية، كما أن له العديد من البحوث في التراث المحلي والنصوص المسرحية، كما أنه من كتاب الملحق الثقافي لصحيفة “الاتحاد”.
شهادات
وقف على عتبة الخمسين، لكنه لم يدخل، أسند روحه المتعبة إلى جذعه، ثم مال. هكذا فعلها الشاعر أحمد راشد، دون أن يودّع أحدا أو يخبر أيا من أولئك الأصدقاء، ربما الأكثر مما هم يظنون. فقد كان مباغتا في هذه المرة إلى حدّ القسوة التي تُحدث ألما من ذلك النوع الذي يجعل المرء يشعر بخدر ما وكأنه يطفو على شيء ما يعزّ على الوصف، تماما مثل هذا الرحيل.
“الاتحاد” جمعت عددا من الشهادات عن الراحل احمد راشد من بعض أصدقائه ومن عايشوه في العمل والحياة
الوداع الأخير للشاعر
قال جمعة القبيسي مدير دار الكتب الوطنية في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، “إن أحمد راشد ثاني.. صديقي الحميم، بالأمس فقدت إنسانا أحمل له كل الود والاحترام، فهو شخص استثنائي في سلوكه وشعره وأدبه، وما أسهم به في تعميق البعد التراثي عندما درس بدقة وعلمية فائقة موروثنا الإماراتي المحلي”.
وأضاف “بجانب اهتمام أحمد راشد بالشعر والأدب، فهو رجل صاحب نظرة واسعة للعالم وكان قلبه واسعاً للجميع، مليئاً بالحب ولم يعرف الكراهية، حتى لمن أساء له”.
وقال القبيسي”لقد فقدنا أخاً عزيزاً وصديقاً، حيث زاملته لفترة طويلة في العمل الثقافي، وكان خير معين للأصدقاء في هذا المجال، وأعتبر أحمد راشد ثاني واحداً من خيرة الكتاب والأدباء في الإمارات، قدم الشيء الكثير وبسخاء تام خلال مسيرته التي كانت غنية فعلاً بالمنجز الإبداعي”.
وأضاف “لقد طبعت دار الكتب الوطنية في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة كتب أحمد راشد ثاني وبخاصة كتابه المهم “ديوان بن ظاهر” وأيضاً ثلاثة مجلدات حول التراث الشفاهي والقصة الفلكلورية في الإمارات وبجانب كتابه “رحلة إلى الصير”، كما طبعنا له بعض المجموعات الشعرية لأننا كنا نشعر أن هذه الكتابات مساهمة فاعلة من أحمد راشد ثاني في تأصيل ثقافة الإمارات وأدبها ولهذا تشجعنا دائماً أن نقدمها للجمهور بحب وإخلاص لإبداعه”.
شاعر الحنين إلى المكان
من جانبه، قال الدكتور علي بن تميم الأمين العام لجائزة الشيخ زايد للكتاب مدير مشروع “كلمة” التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة “يغلب على طبيعة أحمد راشد ثاني وبخاصة في السنوات الأخيرة تميز صوته الخاص وهدوئه، كونه دخل في سن الهدوء والنضج، وعندما نتحدث عن سيرته الذاتية وكتاباته “السير ذاتية”، فإننا نجدها وقد تميزت بالحنين إلى المكان وجماليات المكان، وعلى الرغم من أنها تنزع نزعة سير ذاتية، إلا أنها في الوقت نفسه تتمسك بتجليات المجتمع وقيمه المتحولة، وعليه فإنه عندما يسلط عليها الضوء يكشف في لحظتها أن الكتابة تسعى إلى تفكيكها مرة ومرة أخرى للتأمل فيها”.
وأضاف “إن الموت هي لحظة إنسانية يتساوى فيها البشر جميعاً، المثقف والإنسان العادي والفنان المبدع، إلا أننا نفارق بينهم في مدى ما قدموه من إبداع للإنسانية والحياة”.
وقال: “نحن نشعر بالحزن على فقدان صديق وزميل أحببنا شعره وأحببناه وأحببنا هدوءه التام وعدم إزعاجه للآخرين، وأحببنا بحثه العلمي في الذات الشعبية، والواقع أنه من رواد الدراسات الأكاديمية في الحقل الشعبي والتي استطاع أن يبنيها على أسس علمية وأكاديمية وموضوعية ونتذكر منها كتابه “ديوان الماجدي بن ظاهر”.
وقال بن تميم “أجد أن أحمد راشد ثاني هو صوت مميز ورائد في القصيدة الإماراتية كونه شاعراً نجح نجاحاً كبيراً في بناء جماليات قصيدة النثر والكتابة الشعرية النثرية في الإمارات تلك التي تمسك العام بالخاص والاجتماعي بالذاتي والحكمة بالفوضى والوجود بالفناء”.
ويواصل علي بن تميم “لقد التقيناه في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة في مكتب سعادة الأستاذ جمعة القبيسي مدير دار الكتاب الوطنية بالهيئة حوالى الساعة الحادية عشرة وقبل ساعتين من وفاته، فلم يبد عليه أمر غريب يستحق القلق خوفا منا عليه بسبب مرض القلب الذي أصابه منذ 4 أشهر، والذي أتعبه طوال هذه المدة، ولهذا فإنني سألته “أرى في وجهك بعض الدمغات الغامضة”، فردّ عليّ: ربما هي بسبب القلب، فقلنا له أن يحفظه الله.. هكذا كان آخر لقاء لي مع أحمد راشد ثاني”.
رحم الله أحمد راشد ثاني ونسأل الله له المغفرة والرحمة وإنا لله وإنا إليه راجعون.
موت يليق بالمبدع
ومن جهته، قال حبيب الصايغ رئيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات “أنا أشعر بمرارة بفقد أحمد راشد ثاني، لأنني وعيت بداياته المبكرة، حيث كنا مع البعض منذ بواكير العمر، بالرغم من أنه كان أصغر مني، حيث تعرفت عليه وهو في سن الثامنة عشرة وكان حينها بالثانوية العامة وقرأت آنذاك فيه ملامح الوعد والإصرار على الإبداع وتقديم اسمه بشكل مميز، وبالفعل هذا ما حصل حين طبع اسمه على خارطة الشعر الإماراتي بكل وضوح، وأسهم بشكل فاعل في أن يكون للشعر الإماراتي مكانة في ساحة الشعر العربي”.
وقال الصايغ “إن أحمد راشد ثاني عاش الإبداع كله في حياة مبدعة ونادرة، وحتى موته فهو موت يليق بشاعر ومسرحي وكاتب مهم تفحص التراث الشعبي الإماراتي فأبدع في الغور فيه، كما أنه كان لكتابه “شعر الماجدي بن ظاهر” مساهمة فاعلة في تأصيل المنتج الشعري الإماراتي.
وأضاف “إننا نحب الإرث الثقافي لهذا الرجل الذي أسهم في الكتابة السيرية التي تميز بها ومن خلالها أصل للمكان واحتفى به، فكان يبحث بشكل دائم عن جمالياته”.
وقال: “أعتقد أننا مدعوون الآن لكي نخلد ذكرى هذا الشاعر المبدع الكبير الذي ودعناه بالأمس صديقاً وأخاً عزيزاً ومبدعاً استثنائياً”، واعتبر حبيب الصايغ موت الشاعر أحمد راشد ثاني خسارة للثقافة الإماراتية؛ حيث ترجل أحد فرسانها الأوفياء.
أسكنته الكتابة بيوتا عديدة
ويقول الشاعر عادل خزام “مفجع جدا هذا الرحيل. احمد راشد شاعر ما زال في ذروة عطائه. مفجع جدا أن يحدث ذلك ليس لأنه أحد الوجوه النشطة والبارزة في الساحة الثقافية الإماراتية فحسب، بل لأنه أيضا علامة فارقة في تاريخ ثقافتنا.
غادر خورفكان مبكرا متجها إلى الشارقة التي شهدت انخراطه المبكر في وسط ثقافي ثري ومتأجج بالأفكار والمنجز الأدبي آنذاك. كان لقلمه طابع أميل إلى التقاط المفارقة والجنون الكامن في الفكرة. لقد لمسنا ذلك منذ شبابنا عندما تعرفت إليه في الجامعة. لقد أجرى معي حوارا صحفيا وكان أول لقاء يُجرى معي في حياتي. كان يحتفي بالأسماء الشابة والجديدة في حين يذهب وحده في مغامرته الشعرية إلى أقصاها.
أيضا كانت الكتابة بيوتا عديدة يلجأ إليها ويسكنها، ولم يكن الشعر بيتا له فحسب بل بنى عدة بيوت في القصة القصيرة والمسرح والشعر الشعبي، فضلا عن الصحافة والنص الانطباعي.
بالنسبة لي هو رفيق عمر وتجربة. خضنا معا أسئلة القصيدة وجلسنا معا طويلا نفكك النصوص ونعيد تركيبها خاصة التجارب الجديدة في الأدب العربي فكنا نتداول الآراء حولها باستمرار.
لأحمد راشد حضور سخيّ في أي موقع يذهب إليه، كانت له ضحكة خاصة من فرط ما هي متهكمة، وتلمس المفارقة لديه في حديثه المباشر وردود أفعاله الذكية واللماحة تجاه أي نوع من أنواع الخطاب التي تطرح في النقاشات بما فيها البعض من الخطابات التي نظن أنها جادة، بينما يكون هو قد رأى جانبها الآخر. الآخر الساخر.
في آخر أمسية له في جامعة نيويورك في أبوظبي كنا معا وقرأنا معا وضحكنا معا، لكنه قرأ على عجل ولم ينتظر ثم غادر. هذا هو احمد ولا يملك الواحد منا الآن سوى أن يضع يسراه على قلبه ويمناه على خده الأيمن”.
لاشيء، لا صوت، لا أحد
السينمائي مسعود أمر الله يقول “لا لا. لا تقل ذلك هذا مما لا يُطاق أو يُحتمل، ماذا أقول؟ خسارة يا أحمد، خساااااارة.
صعب، صعب احتمال ذلك، آآآآخ، يا لهذه الفاجعة التي تأتي مرة واحدة يا صديقي، لماذا فعلتها لا أدري لماذا.......(لاشيء، لا صوت، لا أحد).
خسارة الشعر أكبر من الحزن
أما المسرحي عمر غباش يقول “ما حدث أكبر من حزني ومن مشاعري ومن مقدرتي على القول، شيء ما يعقد اللسان ويجعل المرء لا يقوى على الكلام. أحمد راشد خسارة حقيقية للثقافة والأدب في الإمارات، أكثر الشعراء وكتّاب المسرح ارتباطا بالتراث والثقافة المحلية وتاريخ البلاد والمنطقة.
رحيله خسارة لا تُعوّض، لا أعرف كيف أصف هذه الخسارة. ليس لنه كاتب كبير فحسب بل لنه كان صديق الجميع، أنا حزين جدا ولا أستطيع التعبير عن مشاعري ولا أطلب له سوى الرحمة والمغفرة ومنزلة أفضل من هذه المنزلة ومكانا أفضل من هذا المكان وأصدقاء أفضل من أصدقاء الدنيا.
خسارة فادحة حقا لكل الذين أحبوه .. خسارة للشعر الحر الذي ترك فيه أثرا جليا وللمسرح وخسارة كبيرة لي بوصفه صديقا. لك ماذا أقول. لله ما أعطى ولله ما أخذ”.
صدمة كبيرة
الشاعر عبدالله السبب كانت صدمته كبيرة مثل صدمة أصدقاء أحمد، لكنه استطاع أن يستذكر
بدايات علاقته بأحمد راشد أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، فقل “إنه من الجيل السابق علينا مباشرة، وهو ممن أسسوا لقصيدة النثر الإماراتية، وقدم
لها الكثير شعرا ونقدا، ومن بين ما قدم عام 1991 ملفا لا ينسى حول قصيدة النثر. ولا بد من الإشارة إلى الجوانب الإنسانية العظيمة في شخصيته كذلك”.
رائحة الأرض
الشاعرة خلود المعلا كتبت “جاءني صوته مخنوقا وبعيدا..لم أميزه.
على الطرف الآخر من الهاتف، باغتني صوت عمر شبانه يقول: خلود يبدو أنك لم تسمعي بعد..فقدنا أحمد راشد ثاني!
دخلت دهليزا لم أرى له نهاية
كان هاتفي مغلقا منذ ليلة البارحة.. وبعد أن فتحته بخمس دقائق فقط جاءني خبر موت أحمد راشد ثاني وأنا التي كنت أفتح هاتفي وكلي أمل أن أسمع أي خبر جميل يخرجني من حالة الضيق التي تعصف بي هذه الأيام، والتي جعلتني أقطع علاقتي بالهاتف توقا إلى لحظات سكينة.. السَّكينةُ التي لم يعرفها أحمد راشد ثاني في حياته ولا حتى في قصيدته..
قليلة هي المرات التي التقيته فيها، أغلبها كان خلال مشاركتنا في أمسيات شعرية..كان هادئا، وديعا ومبتسما ابتسامة تشبه الأسى..كنت أرى روحه القلقة
تسبق ظله..
أحمد راشد ثاني يذكرني بالبحر ورائحة الأرض..نصه جغرافيا الوطن..يدخلك الفصول الأربعة في آن واحد..يأخذك من البحر إلى الليل، ومن الليل إلى الشمس، ومن الشمس إلى الغيم ويهوي بك في حضن القلق..
ماذا يمكن أن أقول عن أحمد راشد ثاني وهو أحد الأسماء التي ما غابت عنا كأحد رواد قصيدة النثر في الإمارات..حاضر حتى في غيابه..
أتذكر صوته في آخر أمسية شاركت فيها معه ومع عادل خزام في أبوظبي منذ شهرين بالضبط. ربما كانت آخر أمسياته..قال: أنا متعب قليلا..لم أسمعها منه أبدا في كل المرات التي التقيته فيها..كانت هذه هي المرة الأولى التي يصرح فيها بتعبه
..كان يستقبلني بابتسامة هادئة ويكرر لماذا هذا الغياب يا خلود؟ ..
أما هذه المرة فلم يقل سوى أنا متعب.. وبدأنا الأمسية به..
قرأ لنا قصيدة طويلة وغاااااب دون أن يودعنا..
وها هو يعاود الغياب لكنه ترك لنا قلقا لا يغيب وقلوبا مالحة يأكلها الهذيان
ترك لنا قصيدة تشبهه ، نراه ونسمعه من خلالها “مالحة القلوب
مأكولة من الهذيان
سماها النجم الميت”.

من منجزه الإبداعي

? سبع قصائد من أحمد راشد ثاني إلى أمه التي لا تعرف: شعر عامي. الدار العربية، دمشق، 1981.
? أغاني البحر والعشق والنخيل: إعداد. جزءان، جامعة الإمارات، العين، 1981 / 1982.
? دم الشمعة: شعر. دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 1991.
? يالماكل خنيزي ويا الخارف ذهب: شعر عامي. أبوظبي، 1996.
? قفص مدغشقر: نص مسرحي. دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 1996.
? ابن ظاهر: بحث توثيقي. المجمع الثقافي، أبوظبي. 1999.
? حافة الغرف: شعر. دار الانتشار العربي، بيروت، 1999.
? العب وقول الستر: نص مسرحي. دار الانتشار العربي. بيروت. 2002.
? حصاة الصبر (الجزء الأول من السرد الشفاهي). إعداد. المجمع الثقافي، أبوظبي، 2002.
? دردميس (الجزء الثاني من السرد الشفاهي). إعداد. المجمع الثقافي، أبوظبي، 2003.
? جلوس الصباح على البحر. شعر. اتحاد كتاب وأدباء الإمارات. الشارقة، 2003.
? ... إلا جمل حمدان في الظل بارك (الجزء الثالث من السرد الشفاهي)، إعداد، المجمع الثقافي، أبوظبي، 2005.
? يأتي الليل ويأخذني. شعر. دار النهضة العربية، بيروت 2007.
? رحلة إلى الصير، بحث، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، 2007.
? أرض الفجر الحائرة - 2009.
? الأعمال الشعرية ـ 2010.

اتحاد الكتاب ينعى الشاعر

الشارقة (الاتحاد)- ببالغ الحزن وعميق الأسى، ينعى اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ابناً من أبناء الإمارات الذين حملوا لواء الريادة في مجال الأدب، وأديباً من أدبائها الذين رفعوا راية التفرد، وروائياً من رواتها الذين حازوا قصب السبق، ومبدعاً من مبدعيها الذين تشربوا حب وطنهم فأخلصوا له، وحملوه بين حنايا قلوبهم، وتلافيف عقولهم، الأديب الإنسان، أحمد راشد ثاني، رحمه الله وجعل الجنة مثواه، الذي وافته المنية إثر مرض لم يمهله.
ويعبر رئيس وأعضاء مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات عن خسارة الاتحاد، وخسارة الإمارات لواحد من مؤسسي اتحاد الكتاب الذين أعطوا الكثير، ولم يطلبوا شيئاً، بل ولم ينتظروا شيئاً، وكان من السباقين في السعي نحو رفع راية وطنه في مجالات الأدب والرواية والمسرحية والشعر، وكان شغوفاً بالتجريب والتحديث والإبداع وصولاً إلى ما يحقق طموحه نحو وطنه وأدب هذا الوطن.
لقد كان أحمد راشد ثاني، رحمه الله، أنموذجاً للأديب الصادق مع نفسه، واحتفظ لنفسه بمكانة فريدة بين أقرانه، واشتغل على مشروعه الثقافي بقدر ما أوتي من جهد، وبكل ما أعطي من موهبة، الأمر الذي سيجعلنا نذكره بالخير ونترحم عليه دائماً.
وإن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وهو يدرك حجم خسارته، وخسارة الساحة الثقافية في الدولة بفقد هذا الأديب المتميز ليؤمن في الوقت نفسه بقضاء الله، ويسلم بحكمته، وبأن كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
فللفقيد الرحمة، ولأسرته وأحبته ولكتاب وأدباء الإمارات كافة الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

عن حياته

من يستطيع أن يكتب على عجل عن مبدع بحجم أحمد، هذا الذي يشكل حالة استثنائية في الأدب العربي، وتشكل رحلته تجربة خاصة في التأسيس لأشكال من الإبداع. رحلة تبدأ من خورفكان التي فارقها أحمد طامحا وشغوفا، إلى خورفكان التي ستحتضنه بعد ما يقارب ثلاثين عاما يحمل ما أنجز من مشروعه الثقافي، رحلة خاض فيها الشاعر والمثقف والباحث والإنسان صراعات في اتجاهات متعددة، جعلت منه واحدا من مؤسسي المشهد الشعري والثقافي في الإمارات وخارجها. رحلة تخضبت بالتعب والدم والاندفاع في التثقيف الذاتي، ضمن رؤية لا شك أن ملامحها كانت واضحة لهذا المبدع المختلف في كل شيء.
ويقول أحمد عن طفولته في خورفكان إنه كان يجمع ما يلقيه المدرسون من كتب ومجلات وصحف، قبيل إجازاتهم السنوية، لتصبح تلك المطبوعات عالمه الأثير، هناك في طفولته، وتحت “الشريشة” غالباً، “تعرفت إلى أفضل إدمان أصبت به على الإطلاق وتمرنت على أفضل موهبة، أفضل قدرة، أفضل ما تعلمته في الحياة: قراءة الكتب، التفكير مع القراءة، الحياة في القراءة، والموت أيضا.
ومن يعرف أحمد يعلم أنه لم يرحل عن خورفكان أبدا، لا جسدا ولا روحا ولا تفكيرا ولا إبداعا، فقد ظل مسكونا بها بوصفها الرحم الذي خرج منه ويود لو يعود إليه. خورفكان لم تكن رحما مكانيا، بكل معطيات المكان ووقائعه ومتخيلات، كانت رحما إبداعيا ومنهلا يبدو أنه لا ينضب بالنسبة إلى أحمد.
وكم كان هو قادرا على استيلاد المكان بثقافته ووعيه ورؤيته المتقدمة والحادة لأشياء والكون من حوله.
مشروع أحمد راشد المتعدد الجوانب كان قد أخذ يتضح منذ سنوات التسعينات، مشروع يوظف كل أشكال الإبداع ليقدم رؤيته الخاصة إلى العالم، القريب والواسع، لكن عينه التي بدأت بالنظر إلى التراث بوصفه قاعدة انطلاق، لم تفارق الرؤية الحداثية، بل وظفتها في خدمة الموروث وتقديم رؤية جديدة له من أجل الاستفادة منه وتطويره. وفي هذا السبيل كانت قصيدته ترتبط كثيرا ببحثه الميداني وبكتاباته الحرة التي تتناول العالم.
في السنوات الأخيرة كان أحمد غزير الإنتاج بصورة لافتة، سواء ما ينشره في الصحافة، أو ما يصدر له في كتب، ورغم أن العامين الماضيين شهدا إصدار أربعة أو خمسة كتب، لكنه كان دائم الحديث عن مخطوطات، شعرية وبحثية نقدية، قيد النشر. والمهم أن هذه الغزارة ظلت ترافقها رصانة ووضوح وحدة في الموقف، ولم تنل منه المشكلات الصحية التي وقعت له في السنة الأخيرة، فظل مواظبا ومستمرا، حتى بعد خسارته بعض كتاباته في الحريق الذي أصاب بيته قبل أشهر.
هو شاعر، كما يرى البعض، “منذور للشعر والبحث والعمل الدؤوب والأسئلة والترحال من أجل تدوين جزء من تراث الإمارات الشفاهي، خصوصاً أنه يؤكد دائماً أن “الجزيرة العربية تعوم على بحر من التراث الشفاهي”، وتلك الكنوز المعرفية والشعبية تحتاج إلى جهود باحثين ومؤسسات كبيرة لتوثيق الروايات الشفاهية التي يحفظها كبار السن، وكانت تروى وتنتقل عبر الألسنة والذاكرة.