دنيا

تقييد أوزان أمتعة رُكاب الطائرات «ينغص» رحلاتهم وعطلاتهم

الحمولة الزائدة كابوس يُطارد معظم المسافرين في رحلات جوية (رويترز)

الحمولة الزائدة كابوس يُطارد معظم المسافرين في رحلات جوية (رويترز)

مشكلة الحمولات الزائدة أثناء الرحلات الجوية أصبحت كابوساً يؤرق جميع المسافرين. فغالبية الناس يحبون أخذ أغراضهم الشخصية التي يحتاجون إليها أينما حلوا وارتحلوا، فضلاً عن الهدايا التي يقتنونها من أجل أقربائهم وأصدقائهم، لكنهم يصطدمون بجدار تقييد الحمولات الذي تفرضه غالبية خطوط الطيران، وهو ما يضع المسافر أمام أمرين أحلاهما مر، إما دفع رُسوم خيالية عن كل كيلوجرام وزن زائد وكأن ما تحمل حقائبه تحف نادرة، أو التخلص منها في المطار باعتبار أن ما يدفعه عنها من رسوم يفوق في كثير من الأحيان قيمتها الحقيقية. وهكذا صار تقييد الوزن بمثابة الوجه القبيح الذي يكرهه جميع المسافرين، باستثناء رُكاب الدرجة الأولى وبعض فئات درجة رجال الأعمال الذين يميل أغلبهم في الأصل إلى عدم حمل أغراض ثقيلة نظراً لكثرة تجوالهم ولغلبة طابع الأعمال على غالبية رحلاتهم.

على متن الطائرات من أكثر الخدمات المثيرة لأعصاب عملاء الخطوط الجوية، إذ رغم احتواء كل حجز رحلة جوية على الحد الأقصى لحمولة الحقائب المودعة في مخزن الطائرة والحقيبة الشخصية التي يصحبها كل راكب معه في صندوق الأمتعة الذي يعلو مقعده، إلا أن الشجارات مع وُكلاء كل شركة خطوط جوية وموظفي المطار أصبحت من المناظر المألوفة في كل أي مطار في العالم، فالراكب دوماً هو الضحية، والموظف دائماً هو الجلاد والمتشدد وغير الإنساني ولا المرن. ولا بُد من القول بموضوعية إنه يصعب في الكثير من الأحيان التقيد بالحمولات التي تفرضها الطائرات، فالمسافر في فصل الشتاء مثلاً يجد وزن حقيبته بلغ الحد الأقصى المسموح به، وهو لم يُكمل حمل ملابسه الشتوية من معاطف وقمصان قطنية وصوفية كثيفة وأحذية ثقيلة.
ومن أجل تفادي دفع غرامات الوزن الزائد للحقائب التي تُودع في مخزن الطائرة، تجد المسافر يكدس العديد من الأمتعة في الحقائب التي يصعد بها معه إلى الطائرة، كما قد يصطنع مشية المستريح بحقيبة على ظهره أمام مرأى الموظفين، والواقع أن ظهره وأكتافه تنوء وتئن بما تحمل، أو يلجأ إلى مناورات أخرى مثل أن يجول بأنظاره في مسافري الرحلة الجوية نفسها، ويطلب من أحد المسافرين الذي لا يحمل معه حقائب تسجيل جزء من أمتعته باسمه إلى غاية الوصول إلى الوجهة المقصودة، أو غيرها من الحيل والمناورات.
وقد فطنت شركات خطوط الطيران جميعها لهذا الأمر، فأصبح عدد منها يستخدم عنصر الوزن عاملا تنافسيا تستخدمه عند حاجتها إلى اجتذاب عدد أكبر من المسافرين، أو مضاعفة عدد الركاب في أوقات الكساد والركود، أو ضمن خططه التسويقية من خلال نظام الأميال المجمعة التي يمكن الاستفادة منها عبر دفع ثمن اقل للتذكرة أو الاستفادة من بعض الامتيازات كالحصول على تعامل تفضيلي يتميز بالسماح بحمل أوزان إضافية في كل رحلة. هذا فضلاً عن إدراج امتياز حمل أوزان إضافية ضمن قائمة امتيازات المسافرين الحاصلين على بطاقات ولاء أو بطاقات ضيافة.
وتقول كاثرين يورجنز، متقاعدة من فلوريدا كثيرة الأسفار، “إن المرور من بوابة الأمن لم تعُد المرحلة الأسوأ في الرحلة الجوية كما السابق، بل إن الجزء الأسوأ والأكثر إثارةً للأعصاب هو تسجيل الأمتعة”. وتضيف “عانيت كثيراً بسبب مشكلة الأوزان المحدودة.
وأنا شخصياً أجدها غير واقعية في كثير من الأحيان، لكنني أصبحت أحرص على تقليل أمتعتي قدر الإمكان في كل رحلة حفاظاً على أعصابي التي أحسبها ما عادت تحتمل مزيداً من التوتير والتعب”. ولا شك في أن هذا الشعور المرير الذي يعتري يورجن يوجد لدى غالبية الركاب والمسافرين، ويكفي النظر إلى وجوههم وهم مصطفون في طابور طويل لتسجيل الأمتعة لإدراك ذلك.
وقد قامت شركة أميركية استشارية اسمها “أيدياز ووركس كو” من إحدى مدن ويسكنسن بدراسة حول اللوائح التنظيمية المتبعة لدى شركة “سبيريت” في تعاملها مع الحمولات الزائدة على متن الرحلات الجوية، فوجد باحثوها أن 20% من مسافري هذه الخطوط تُفرض عليهم غرامات بسبب أوزانهم الزائدة. وقد قدر هؤلاء الباحثون تكلفة هذه الغرامات على مستوى الرحلات الداخلية فقط بحوالي 50 مليون دولار سنوياً. وهو ما يعني أن شركات الخطوط الجوية تُحصل ملايير الدولارات سنوياً فقط مقابل غرامات الأوزان الزائدة. وهذا ما يجعل المسافرين أكثر تشكيكاً في مبررات “السلامة” التي يدافع بها مديرو الخطوط الجوية عن لوائحهم الخاصة بالغرامات، وإلا فإن الإجراء المتماشي مع خطورة حمل أي ناقلة جوية لأوزان زائدة يستدعي رد أي وزن زائد، وليس حمله مع تغريم صاحبه.
ويطالب بعض المراقبين والمتتبعين وأعضاء جمعيات حماية المستهلك أن تتم إعادة النظر في اللوائح التنظيمية لشركات الطيران فيما يتعلق بسُبل التعامل مع الأوزان الزائدة عبر ابتكار لوائح أكثر إقناعاً للعملاء المسافرين وحرصاً على سلامتهم بدل جعل أسفارهم كوابيس تُطاردهم قبل السفر وفي أثنائه عبر حرمانهم من النوم على متن الطائرة بسبب تعكر مزاجهم، ورُبما تنغيص الأيام الأولى من عطلتهم. كما يدعون إلى تعامل موظفيهم ووكلائهم بذكاء أكثر عند التعامل مع المسافرين، وذلك ليتسنى لهم الاتصاف بالمرونة عند التعامل مع المسنين أو الحوامل أو ذوي الاحتياجات الخاصة أو المرضى، وممارسة ما طاب لهم من حزم وصرامة مع غيرهم عند اللزوم.

هشام أحناش
عن “وول ستريت جورنال”