دنيا

لطيفة السويدي بطلة رياضية تسلك طريقها على درب التميز

لطيفة السويدي خلال التدريب على رمي الجلة والقرص

لطيفة السويدي خلال التدريب على رمي الجلة والقرص

ولدت لطيفة علي سلطان السويدي ذات يوم إثر ولادة متعسرة، وأدى ذلك لنقص في الأكسجين، لأن الأم ولدت في السيارة وهي في طريقها إلى المستشفى، لكن لم تكن الأم تلاحظ عليها أية علامات مقلقة، وبعد فترة من الوقت أصيبت بتشنجات، ثم أعلن عن إصابتها بشلل دماغي، وإثر الفحوصات أخبر الأطباء الوالدين أن الرضيعة قد حرمت من الأكسجين في مرحلة الولادة. ومنذ ذلك الوقت، بدأت مرحلة عنوانها التحدي، تسلحت خلالها الأسرة بالعزيمة والإرادة لتحويل الإعاقة إلى سبب للنجاح والتفوق، وكان للعائلة ما أرادت، لأنها وضعت الهدف نصب عينيها، ودربت الابنة التي أجادت، كيفية تحديد الهدف، والعمل على تحقيقه، فكبرت الطفلة وأصبحت فتاة رياضية بالدرجة الأولى، واحتلت مكاناً مميزاً في الساحة الرياضية، واعتلت منصة تتويج ألعاب القوى، وغيرها من الألعاب، لتحصد 25 ميدالية منها 4 ذهبيات.

تأثرت أسرة البطلة لطيفة علي سلطان السويدي في البداية بما أكده الأطباء بأن الابنة ستكبر مشلولة، وستكون في حاجة لمشاوير ورحلات كثيرة وطويلة ذهاباً وإياباً على طريق المستشفيات، من أجل المتابعة والملاحظة، خاصة بالنسبة لعظامها، وبالفعال كبرت لطيفة، وهي تقضي في كل مستشفى تعالج فيه مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وعلى الرغم من ذلك تماسكت الأسرة، وأصرت أن تسلك طريقها عبر درب التميز، لتعطي لغيرها درساً في العزيمة، وسلاح الإيمان بقضاء الله، وأن فيه المنفعة للإنسان، الذي يجيد التعامل مع المواقف الصعبة، ويتخذها سبباً للإجادة.
عرفنا هذا الجزء من القصة من أم لطيفة أثناء لقائنا بهما في منزلهما في دبي، وكانت الأم والابنة كجزء واحد وزع على جسدين، حيث كانت العلاقة بينهما قد نمت وتطورت خلال فترة المحنة، حتى أصبحت مثالاً للعلاقة الصحيحة بين الأبناء والأمهات.
عطاء الأم
إلى ذلك تقول لطيفة: أمي أعطتني أكثر مما يستحق أي طفل في حالته الطبيعية، لأن الصغير في حالته الطبيعية لن يكون عبءا أو مصدر إزعاج وإنهاك للأم، وبالتالي لن تشعر الأم بالحمل الثقيل، لكن حالتي كانت تختلف بحكم الإعاقة التي جاءت نتيجة الولادة في السيارة، وكأنني تعجلت وقتها النزول من رحم أمي، حتى أسلك طريق التميز، الذي قدره الله سبحانه وتعالى لي، ورافقتني خلاله الوالدة، دون كلل أو تعب، وكانت تدفعني دائما إلى الأمام وتشجعني، حتى أعيش حياتي، وأحول أي موقف صعب، إلى صالحي، وأستفيد منه في مستقبلي وأتعلم منه الكثير. وأضافت: في البداية كانت أمي مثقلة بهم طفل سيكبر وهو محبوس في جسده، وعلى تلك الأم مسؤولية أن تحمله وهو يكبر وأن تطعمه وأن توفر له متطلباته اليومية، إلى جانب أن تراعي أن يقضي حاجته بشكل لا يهين الطفل، وفوق ذلك هناك مواعيد مراجعات للمستشفيات والعيادات والعلاج الطبيعي، وكان الجميع لديهم يقين أن تلك الصغيرة لطيفة لن تمشي مرة أخرى، وفعلا أتذكر أن والدي كانا يقلباني ذات اليمين وذات اليسار، وكنت أنظر وأتحدث وأضحك إلا أني لا أستطيع حتى الجلوس.
وأشارت لطيفة إلى أن والدها كان يذهب بها برفقة أمها إلى البحر، ويحفر لها حفرة ويدفنها حتى النصف، في منطقة داخل البحر قرب الساحل، كي يمنحها لحظات من المرح، ومن أجل أن يكون ذلك علاجا طبيعيا لها، يساعدها على تقويم عمودها الفقري، كي تقف على قدميها وتستقبل موجات البحر وهي مقبلة، فكانت تلك اللحظات من أمتع الأوقات بالنسبة لها، وربما لم تكن وهي صغيرة تفكر إن كان في ذلك إرهاق لوالديها، لكن ترى ذلك أنه على سبيل التسلية، وأن جميع أفراد الأسرة يستمتعون بذلك، لكن عندما كبرت، لمست حجم المعاناة التي كان عليها الأبوان، حتى، يساعداها على أن تعيش بطريقة، قريبة من الحياة الطبيعية بالنسبة لمن هم في مثل عمرها.
رحلة معاناة
وتقول: كانت رحلة البحر التي يأخذني خلالها والدي مع والدتي يوميا لمدة استمرت ما يقارب خمس أو سبع سنوات، ولذلك لا أعتقد أن هناك الكثير من الآباء يمكنهم أن يتركوا أعمالهم أو راحتهم، لكي يقدموا تلك الخدمة لطفل معاق، لكن كانت هناك همة وآمال كبيرة معقودة برب العالمين، حيث كانا كثيري الدعاء لي يوميا، مشيرة إلى أنه بجانب قصة البحر هناك قصصاً دارت أحداثها بين طرقات المستشفيات والعيادات الصحية، حوت العديد من التفاصيل المريرة، التي تؤكد فضل الوالدين على الأبناء، وأننا مهما قدمنا عندما نكبر، لن نستطيع أن نوافيهم حقهم. وتؤكد لطيفة أن رحلة علاجها «أخذت من جهد والدي ووالدتي الكثير، لأنهما حرما نفسيهما من الكثير حتى المتاح والمباح، من أجل أن يكونا دائما بجانبي، وفوق ذلك كانت بيننا ساعات من المحادثات المرحة واللحظات السعيدة».
وتضيف السويدي: من أجمل وأمتع اللحظات التي عرفها والداي لحظة تسجيلي وإدخالي المدرسة في عمر الثامنة، حين أصبحت مؤهلة للقراءة والكتابة، أما الفرحة الكبرى فكانت عندما خطوت أولى الخطوات في عمر الحادية عشر، وكانت خطوات ضعيفة، لكن كانت إشارة على نتيجة الجهود، وهي ثمرة شقاء وتعب والدي ووالدتي، وعندما وصلت إلى المرحلة الإعدادية تم تحويلي للدمج مع الأسوياء في المدرسة.
وأوضحت أنه في هذه المرحلة سجلت للدراسة وإكمال تعليمها في جمعية النهضة النسائية في دبي، حتى وصلت إلى الصف الثاني الثانوي، ومن حسن الحظ أنها قرأت عن مركز وزارة الداخلية لتأهيل لتشغيل ذوي الاحتياجات الخاصة، وفورا قامت بالتسجيل فيه، حيث قضت من عمرها خمسة أشهر في مدينة العين، لكن كانت الفرحة بهذه الفرصة والنتائج التي وصلت إليها بها شيء منقوص، لأنها فرحة مقسمة بينها وبين أمها فقط، حيث رحل والدها عن الدنيا قبل خمس سنوات من تلك الفترة التي كانت خلالها في العين.
أحلام تتحقق
وتكمل لطيفة السويدي: رحل من كان يشقى وتعب كي يرى أحلامه تتحقق، وشعرت أن شريكنا في رحلة الدنيا قد غادرنا، ولم أقدم له ما أردت أن أعوضه به عن كل ما قدم لنا، وأصبحت والدتي مسؤولة عن كل شيء، لكن نحن أناس مؤمنون بقضاء رب العالمين، وجزء من رحلة لكل البشر، وعلينا أن نكمل ما كتب لنا، لذلك عندما دخلت مركز وزارة الداخلية لتأهيل وتشغيل ذوي الاحتياجات الخاصة في العين، كنت في كل أسبوع أعود ولدي مهارات جديدة، وذلك ساعدني في أن أبدء في تعويض أمي عن جزء من التعب والشقاء لأجلي. تكمل البطلة لطيفة: أصبحت مؤهلة للخروج إلى جلسات العلاج الطبيعية والفحوصات بمفردي، بدلا من أن تذهب بي أمي وتقضي ساعات في قاعات الانتظار، فقد أصبح بإمكاني أن أصطحب معي الخادمة، بالإضافة إلى أن هناك الكثير من الأشياء التي تتطلب خروجي من البيت، بجانب توفير احتياجات المنزل، أصبح بإمكاني أن أقضيها بمفردي، دون أن أرهق أمي بضرورة مرافقتي، كما أصبحت أستطيع أن أقول: اليوم أمي تستحق الراحة بعد مشوار طويل من حياتي، استنفذ الكثير من طاقتها وأخذ من وقتها وجهدها، دون أن تبخل بذلك، أو تنشغل عني بأي أمر آخر، حتى لو كان ضرورياً.
وحضنت لطيفة أمها وقبلت رأسها، ثم مدت يدها إلى ثلاث علب وقامت بمساعدة الأم بفتحها، وكانت واحدة تضم الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية، والحقيبة الثانية تضم الشهادات الخاصة بالدورات التي التحقت بها وبشهادات التكريم، والثالثة كانت تضم صور لطيفة في مناسبات مختلفة، وهنا فتحت لطيفة الحديث عن الجزء الخاص بالجانب الرياضي من شخصيتها.
وتخبرنا لطيفة عن هذا الجانب من شخصيتها: منذ طفولتي الحقني والداي بنادي دبي للرياضات الخاصة الذي هو قريب من منزلنا، وهناك كنت أتدرب لأجل اللياقة الصحية، ولأن في رأسي أهدافا أريد تحقيقها ومنها أن تكون لي بصمة، وأن أرى نظرة الفخر في عيني والدي ووالدتي، وكان ذلك في الفترة التي كان والدي فيها حيا يرزق، والكثيرون ممن حولنا كانوا يشككون في مقدرتي على تحمل التمارين، وكانوا يتساءلون هل تستطيع لطيفة أن تتحمل ذلك؟
لم أتوقف عن ممارسة الرياضة، وقد بدأت في المشاركة في بطولات محلية كثيرة، ومنها بطولة الشطرنج الدولية في عام 2004، وفزت بالمركز الثالث، ومن خلال النادي العربي بالشارقة شاركت في بطولة تنس الطاولة وفزت بالمركز الثاني، وكانت أول بطولة لي على مستوى الدولة من خلال نادي الثقة للمعاقين بالشارقة، وقد بدأت أتخصص في ألعاب القوى مثل رمي الرمح والجلة والقرص، وأصبح لدي 25 ميدالية منها 4 ذهبيات والباقي من البرونز والفضة، وكانت كل تلك البطولات والمشاركات تتم خلال مرحلة الدراسة حيث أمنح فرصة للمشاركة، وأيضا خلال فترة التدريب في مركز وزارة الداخلية لتأهيل وتدريب ذوي الاحتياجات الخاصة.
وذكرت لطيفة أنها بعد خمسة أشهر في المركز تدربت على دراسة اللغة الإنجليزية والحاسوب والتصميم، وكان اليوم يقسم لثلاثة أجزاء، ومن تلك الأجزاء أنها تقضي من السابعة مساء، حتى التاسعة ليلا في العلاج الطبيعي، وتخرج مع المتدربات في رحلات ينظمها المركز، وكانت هناك جلسات جماعية للدردشة والتحدث عن التجارب، ولذلك ما إن أنهت المدة حتى أصبحت مستعدة لمواجهة العالم بتفاؤل وثقة.


طموح في النجاح ومواصلة العمل
تعمل لطيفة السويدي في الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب في دبي، حيث تقوم بإدخال البيانات بقسم العمل، وإخراج أذونات الدخول، وتقول إنها تجد تعاوناً كبيراً من قبل الزملاء في الإدارة معها، وهي تطمح في النجاح ومواصلة العمل.
وأشارت إلى أنها تشعر بالمسؤولية تجاه وطنها الذي لا يهمل أبناءه، وتجاه والدتها التي عانت معها، وعليها أن ترد لها الإحسان والجميل، وهي تؤكد أنها لن تستطيع أن تصل لمستوى البر بها، لأن ما قدمت كأم من عطاء وتضحية لا يقدر الأبناء على مجازاته لها بقدر عطائها.