تقارير

«التواصل الاجتماعي» ونيران باركلاند

أشعل إطلاق النار في مدرسة باركلاند بولاية فلوريدا الحوار القومي من جديد، بشأن ما كان بوسعنا فعله لتجنب المآسي التي تتواتر بشكل مخيف فيما يبدو. ومن الحلول التي تستخدمها بالفعل مدارس كثيرة، وربما سيجري تبنيها بشكل أكبر، هو توظيف شركات لمراقبة تدوينات التلاميذ على مواقع التواصل الاجتماعي وكشف التهديد باستخدام العنف، وأيضاً السلوكيات الأخرى؛ مثل التنمر على الآخرين، وإيذاء الذات. وأشارت مدارس في كاليفورنيا وأوهايو وتينيسي وفيرجينيا.. إلى أن مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي تمثل ملمحاً أمنياً رئيسياً في مواجهة الظاهرة.
لكن على المدارس أن تمعن النظر قبل المضي قُدُماً في هذا الطريق، فليس هناك الكثير مما يدل على أن هذه المراقبة ستكون ذات جدوى وتأثير مؤكَّدَين.
ولعل هذه الممارسات تثير أسئلة كثيرة حول الخصوصية والتمييز. ويمثل نيكولاس كروز الذي يشتبه في أنه مرتكب إطلاق النار في باركلاند، نموذجاً لدراسة حالة للمدارس. فحالة كروز توضح أن الناس ينبهون بالفعل سلطات تنفيذ القانون حين يرون بالفعل مواد على الإنترنت من شأنها أن تهدد الأمن. وقد تم الإبلاغ عن كروز عبر بلاغات موجهة إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف. بي. آي)، كما تم إبلاغُ الشرطة المحلية عنه ثلاث مرات على الأقل بسبب تدويناته الحادة والمزعجة. وإعلان كروز الصريح عن نوايا على الإنترنت يمثل استثناءً وليس القاعدة، مما يعني أن مراقبة الإنترنت قد لا تتمخض دائماً عن الإبلاغ عن تهديدات.
وأدوات مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي قد تؤدي إلى تمييز ضد الطلاب من الأقليات الإثنية أو الدينية. وفي ظل ندرة المعلومات المتاحة بشأن ما ستبحث عنه مثل هذه الأدوات، فمن المرجح أن تنطوي على تحيز، مثل الأدوات الأخرى التي تستخدمها وكالات تنفيذ القانون. فقد أشار تقرير صادر في الآونة الأخيرة عن «الاتحاد الأميركي للحريات المدنية»، إلى أن مساعي شرطة بوسطن في مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي لم تساهم بشيء في تحقيق الأمن العام أثناء بحثها عن كلمات مثل «فيرجسون» و«حياة السود مهمة» و«حياة المسلمين مهمة». وهناك أدلة أساسية تشير إلى أن التلاميذ الملونين، وخاصة من أبناء المسلمين، سيُعاملون باعتبارهم مصدر خطر أو يصبحون عرضة لمراقبة أشد صرامة. وهذا رغم حقيقة أن غالبية مرتكبي إطلاق النار في المدارس الأميركية كانوا من البيض.
ومن المرجح أن يُعامَل أبناء الملونين بصرامة أكبر في ضوء بحث أظهر أن التلاميذ السود يتعرضون لعمليات تأديب بشكل أكبر في المراحل المدرسية المختلفة، حتى لو كسر نظراؤهم البيض القواعد نفسها. وهذا سينعكس أيضاً على مراقبة الإنترنت، فحين وظفت مدرسة في آلاباما ضابطاً سابقاً من مكتب التحقيقات الاتحادي (إف. بي. آي) لتنقيح حسابات الطلاب على مواقع التواصل الاجتماعي، بلغت نسبة الطلاب السود الذين تم طردهم 86% في مدرسة إقليمية لا تزيد فيها نسبة الأميركيين الأفارقة على 40%.
وفي الوقت الذي يحتفي فيه كثير من الأميركيين بالناجين من إطلاق النار في باركلاند بسبب نشاطهم السياسي، فمن المهم أن ندرك الآثار المروعة للمراقبة. صحيح أن خصوصية الطلاب وحقوق حرية التعبير قد تتقلص من خلال استخدام شبكات «واي فاي» في المدارس والأجهزة التي تقدمها المدارس، لكن مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي تمتد إلى حياتهم الاجتماعية والترفيهية خارج المدرسة. ومع الأخذ في الاعتبار أن 92% من المراهقين الأميركيين يتجولون على الإنترنت يومياً، وأن 24% منهم متصل بالإنترنت بشكل شبه دائم، فإن مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي قد تكون بمثابة تثبيت أجهزة تنصت تسجل كل كلمة وتنقلها إلى مديري المدرسة. صحيح أن التمحيص قد يوفر فرصة لكشف تصرفات قد تتطلب تدخلاً، لكن هذا قد يسحق أيضاً في غالب الأحوال قدرة الشباب على التعبير عن أنفسهم، وقد يحول الحوار إلى قنوات اتصال لا يمكن مراقبتها بسهولة.
وهذا لا يعني أنه يجب على المدارس ألا تراقب أبداً تدوينات طلابها على صفحات فيسبوك، بل يعني أن عليها ألا تفعل هذا إلا حين يكون هناك سبب، مثل أن يشير تلميذ أو أحد الآباء إلى سلوك مثير للقلق، أو عندما تحقق المدرسة في تحرش أو تنمر على الإنترنت. ويتعين على كل مدرسة أن تكون لديها سياسات يعرفها الآباء والمعلمون والطلاب تحدد الداعي إلى فحص المدونات على مواقع التواصل الاجتماعي. وهذه السياسات يجب ضبطها حتى لا تنتهك الخصوصية وحقوق حرية التعبير لدى الطلاب، ويجب أن تقيد تقاسم البيانات مع طرف ثالث، وأن تتضمن إجراءات إزالة المعلومات حين يتخرج الطالب أو يترك المدرسة، وأيضاً ضوابط تضمن ألا يجري استهداف التلاميذ الملونين بشكل غير متناسب.
ولا غرو في أن يسعى الأميركيون بعد حادثة إطلاق نار آخر في مدرسة إلى العثور على وسائل للحفاظ على أمن التلاميذ. لكن ينبغي تركيز انتباهنا على الإجراءات التي ثبت جدواها، مثل السيطرة المعقولة على شراء الأسلحة النارية، وأن يعلم الآباء والزملاء الجهات التي يتعين عليهم الاتصال بها للإبلاغ عن تهديد ولتلقي المساعدة، وليس استخدام أدوات مكلفة قد لا تجعلنا على الأرجح آمنين، بل تُحمل كل تلميذ نحاول حمايته كلفة كبيرة.

*مسؤولتان في برنامج «الحرية والأمن القومي» بمركز برينان للعدل في جامعة نيويورك
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»