صحيفة الاتحاد

ألوان

علماء: بر الأم ورعايتها.. جهاد وعبادة

أحمد مراد (القاهرة)

شدد علماء الدين على أن الإسلام الحنيف رفع من شأن ومنزلة الأم، وجعل برها من أصول الفضائل، وأوجب على الأبناء إحسان عشرتها، وتوقيرها، وخفض الجناح لها، وطاعتها في غير المعصية، والتماس رضاها في كل أمر، حتى الجهاد، إذا كان فرض كفاية فهو لا يجوز إلا بإذنها، فإن برها الجهاد وذكر العلماء أن للأم دوراً كبيراً في بناء المجتمع، لأنها تمثل نصف الأمة.

مصدر الرعاية والعطاء
من جهته، أوضح الداعية الإسلامي د. خالد بدير، من علماء وزارة الأوقاف المصرية، أن الإسلام الحنيف رفع مكانة الأم لدورها البارز في بناء المجتمع، لذلك أكد النبي صلى الله عليه وسلم على حسن صحبة الأم ثلاث مرات والأب مرة واحدة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك»، وقال ابن بطال، في هذا الحديث دليل أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب، لأن النبي كرر الأم ثلاث مرات، وذكر الأب في المرة الرابعة فقط، وإذا تؤمل هذا المعنى شهد له العيان، وذلك أن صعوبة الحمل والوضع والرضاع والتربية تنفرد بها الأم.
وقال د. بدير: لقد أمرنا الشارع الحكيم ببر الوالدين عموماً، والأم خصوصاً لأنها هي مصدر الحنان والرعاية والعطاء بلا حدود، ولفضل الأم جعل الإسلام برها جهاداً في سبيل الله وطريقاً إلى الجنة، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو، وقد جئت أستشيرك، فقال: «هل لك من أم؟ قال: نعم، قال: فالزمها فإن الجنة عند رجليها»، وقد أمر الإسلام ببر الأم، حتى وإن كانت مشركة، فقد سألت أسماء بنت أبى بكر النبي صلى الله عليه وسلم عن صلة أمها المشركة، فقال لها: «نعم، صلي أمك»، وإذا كان الإسلام أعلى من شأن الأم، وأعطى لها هذه المكانة فحري بنا أن نقوم ببرها وودها ورعايتها، كما كان يفعل سلفنا الصالح، فقد رأى ابن عمر رضي الله عنهما رجلاً يطوف بالكعبة حاملاً أمه على كتفيه، فقال: يا ابن عمر أترى أني جزيتها؟ قال: لا ولا بطلقة واحدة، ولكنك أحسنت والله يثيبك على القليل كثيراً، وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان فقال صلى الله عليه وسلم: «كذلكم البر كذلكم البر»، وكان حارثة أبر الناس بأمه.

مكانة عالية
من جانبه، أوضح د. أحمد كريمة الأستاذ بجامعة الأزهر، أن الإسلام أكرم الوالدين إكراماً عظيماً، وجعل لهما منزلة عالية ومكانة رفيعة، وأمر الأبناء ببرهما والعناية بهما والإحسان إليهما على أي حال، كما نهى عن عقوقهما أو مقاطعتهما أو عصيانهما في معروف أبداً، وجعل بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى، ومما يتقرب به العبد من ربه جل جلاله، وقد جاء الترغيب في بر الوالدين والترهيب من عقوقهما في القرآن والسنة فقد قرن الله سبحانه وتعالى بر الوالدين والإحسان إليهما بعبادته فقال جل ذكره: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا...)، «سورة النساء: الآية 36»، وأوصى بتقديم الشكر لهما بعد شكره، فقال سبحانه وتعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى? وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)، «سورة لقمان: الآية 14».
وقال د. كريمة: الإسلام قدم دور الأم على دور الأب لكثرة تعبها على الأبناء وشفقتها عليهم وخدمتها لهم ومعاناة المشاق في حملهم ثم وضعهم، ثم إرضاعهم، ثم تربيتهم وخدمتهم وتمريضهم وغير ذلك، واحتياجها إلى بر الابن أكثر من الأب لضعفها غالباً، قال الإمام النووي: وأجمع العلماء على أن الأم تفضل في البر على الأب، وإذا كان الحديث النبوي قد أكد على حسن صحبة الأم ثلاث مرات والأب مرة واحدة، فإن للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر.

من أصول الفضائل
أما د. آمنة نصير، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، فقالت: على مدى التاريخ البشري كله لا يوجد دين أو نظام اعتنى بالأم ورفع من شأنها ومنزلتها مثلما فعل الإسلام، والذي جعل بر الأم من أصول الفضائل، كما جعل حقها أعظم من حق الأب لما تحملته من مشاق الحمل والولادة والإرضاع والتربية، وهذا ما يقرره القرآن ويكرره في أكثر من سورة ليثبته في أذهان الأبناء ونفوسهم، وبر الأم يقتضي إحسان عشرتها، وتوقيرها، وخفض الجناح لها، وطاعتها في غير المعصية، والتماس رضاها في كل أمر، حتى الجهاد، إذا كان فرض كفاية لا يجوز إلا بإذنها، فإن برها من الجهاد، وقد كانت بعض الشرائع تهمل قرابة الأم، ولا تجعل لها اعتباراً، فجاء الإسلام يوصي بالأخوال والخالات، كما أوصى بالأعمام والعمات، أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إني أذنبت، فهل لي من توبة؟ فقال: هل لك من أم؟ قال: لا، قال: فهل لك من خالة؟، قال: نعم، قال: فبرها». ومن رعاية الإسلام للأمومة وحقها وعواطفها أنه جعل الأم المطلقة أحق بحضانة أولادها تقديرا لمكانة الأم، وأولى بهم من الأب، حيث قالت امرأة: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها صلى الله عليه وسلم: «أنتِ أحق به ما لم تنكحي».