دنيا

التعليم المنزلي.. خيار جريء يصطدم بالقبول الجامعي

التعليم المنزلي تجربة يدافع عنها كثيرون

التعليم المنزلي تجربة يدافع عنها كثيرون

نسرين درزي (أبوظبي)
يبرز التعليم المنزلي بديلاً عملياً لبعض العائلات لأسباب عدة تجعلهم يفضلونه عن التعليم المدرسي.
وبين المؤيد للفكرة والمشكك بها، يقف كثيرون أمام تساؤلات كبيرة عن مدى فاعلية هذا النموذج، وإشكالية الاعتراف به رسمياً من قبل الجامعات المحلية، والمعضلة هنا تكمن في العوامل التي تشجع أسراً دون سواها على اتخاذ قرار مصيري بالتخلي عن الأسلوب التقليدي للتعليم والمتمثل بإرسال الأولاد إلى المدارس، وتفصيل برامج تثقيفية توافق إمكانات الآباء وطموحاتهم، وتكون على قياس أبنائهم.

الصف السابع
عند الحديث عن التعليم المنزلي، الذي كان متبعاً في العالم قبل ظهور أنظمة التعليم الإلزامية في القرن الـ 19 الميلادي، لا بد من توضيح ماهيته والإشارة إلى أنه يخضع لقوانين وشروط تختلف من دولة إلى أخرى. وهو الاختيار التعليمي الأكثر مرونة وتنوعاً بما يتوافق مع مختلف الطبقات الاجتماعية. وأكثر من ذلك، قد تلجأ فئة من الناس إلى التعليم في البيت بالطريقة الأكاديمية نفسها، فيما تتبع أسر أخرى أنظمة مبتكرة ينسجم جدولها التعليمي مع اهتمامات الطالب ودرجة استيعابه. وفي حين يعترف قانونياً بالتعليم اللامدرسي في أميركا وكندا وأوستراليا ونيوزيلندا من عمر 3 سنوات مع إمكانية دخول الجامعة بحسب المعدلات المطلوبة، تؤخر دول أخرى مثل الإمارات قبول طلبة المنازل حتى عمر 15 سنة، أو اعتباراً من الصف السابع، وتشترط اجتياز المواطنين للامتحان الرسمي. ويكون خيار التعليم المنزلي مفتوحاً للمقيمين، لكنه يصطدم بواقع غير واضح مع الوصول إلى الصف الثاني عشر، حيث يترتب البحث عن جامعة خارج الدولة تعترف بالمناهج اللامدرسية.

البديل الأنسب
ندى المسعود أم لولدين اضطرت للسفر إلى ألمانيا في رحلة علاج مع ابنها الأصغر وهو في سن السابعة، ووجدت أنه من الأنسب تعليمه في البيت ولاسيما أن فترة العلاج استمرت لأكثر من 4 سنوات. روت أن الأمر لم يكن في بالها من قبل لكن الضرورة دفعتها لاتخاذ القرار الذي تصفه بـ «الممتاز». وقالت إنها اختارت المنهج الإماراتي في عملية التدريس، لكنها لم تلتزم بكل دروسه، كما أضافت إليه الكثير من المعلومات العامة مستعينة بالكتب والموسوعات ومواقع الإنترنت. وبغض النظر عن الصعوبات التي واجهتها لدى عودة ابنها إلى الوطن بعد تماثله للشفاء، إذ لم يكن من السهل قبوله في المدرسة بعد هذا الانقطاع، إلا أنها تمنت لو يتابع دراسته في البيت. ومن المعوقات التي منعتها من ذلك اضطرارها لمعاودة الذهاب إلى وظيفتها، وعدم توافر من يحل مكانها في عملية تدريسه صباحاً.
ظروف مغايرة دفعت نجوى العلي إلى اتباع الأسلوب نفسه بتدريس ولديها من البيت بعدما انتقلت من كندا للسكن في الإمارات، وكان ذلك في منتصف العام الدراسي، حيث قرأت كثيراً عن إيجابيات التعليم المنزلي، وقررت أن تتبعه مع ولديها ولم تكن تعلم أنها ستعتاد على الفكرة لسنوات طويلة فيما بعد. قالت إنها لم تكن وحدها في هذه الخطوة، وإنما استعانت بعدد من الأساتذة الخصوصيين في الرياضيات والعلوم. وظلت قادرة على متابعة الأمر معهما حتى الصف الحادي عشر، وعندما اكتشفت استحالة قبولهما في جامعات الدولة اضطرّت إلى تسفيرهما إلى مدارس داخلية في لندن وتورنت، وحيث تأهلا لدخول الاختصاصات الجامعية المناسبة.

أسباب محقة
مديح التعليم المنزلي لا يقتصر فقط على من اختبروه، وكانت لهم تجارب ناجحة معه ولو قوبلت بصعوبات لاحقة. إذ يدافع كثيرون عن هذا التوجه معتمدين في وجهة نظرهم على انتقادات يتحفظون بها حول التعليم المدرسي الآخذ في التعقيد، ويرون أن السلبيات التي يتركها مجتمع المدارس في نفوس الطلبة قد تكون سبباً للتفكير مراراً بالتحول إلى المناهج اللا مدرسية التي تضمن أقله عدم تعرض أبنائهم للتنمير والتعنيف أو رفاق السوء واكتساب عادات سلبية أبرزها التدخين.
بالمنطق نفسه تحدثت ليلى القيسي، التي اكتشفت مع تقدم أبنائها في المرحلة الابتدائية، أنها لا تساعد أبناءها على حل واجباتهم وحسب، وإنما تعاود شرح الدروس لهم من البداية وكأنهم لم يسمعوا بها من قبل. وهنا تساءلت لماذا تتكبد سنوياً تكاليف باهظة على أقساط المدارس وفوقها الاستعانة بأساتذة خصوصيين وجلوسها معهم حتى ساعة متأخرة من الليل. وبالنسبة لها لا شيء يعوق قدرة الأهل على تدريس أبنائهم من البيت لو أن القوانين في الدول العربية تسمح بذلك منذ الصفوف الأولى وتيسر أمور طلبة التعليم المنزلي للالتحاق بالجامعات.
وقال سالم البادي، إنه ضد التعليم المدرسي لأسباب تتعلق بزيادة عدد الطلبة في الصف الواحد. وهو من الأشخاص الذين ينادون بالتوجه المباشر إلى كل طالب على حدة، ومنحه الوقت اللازم للاستيعاب والاستفسار وطرح الأسئلة. وقال إنه لو تسنى له التفرد بالقرار كان قد طبق قناعته على أبنائه، ولكن أمهم رفضت الفكرة وحاربتها بشدة، وخصوصاً أن دائرة المعرفة تحصر مبدأ التعليم المنزلي بسقف العمر، وتضعه تحت مظلة تعليم الكبار أو محو الأمية.
وبرّر عدنان عواضة سبب تفضيله التعليم المنزلي، قائلاً إنه يقلص النفقات ويسهل عملية التعلم في بيئة سليمة بعيداً عن ضغوط مجتمع المدارس. وأضاف أنه لا يؤمن بمقولة إن الذهاب إلى المدرسة يساعد في بناء شخصية الطفل ويجعله اجتماعياً. ويرى مبالغة في الاعتقاد بأن دخول المدرسة يفتح أمام الطالب آفاقاً جديدة ليكتمل نضوجه ويكوّن صداقات. وفي اعتقاده أن التوجيه المنزلي هو المسؤول عن تنشئة الأطفال ورسم الطريق الواضح لهم حتى يكبروا بحسب القيم السليمة التي يزرعها آباؤهم.

شروط القبول
ومما يشجع الأسر على اختيار التعليم المنزلي أنه لا يلتزم بمنهج معين، ويمكن للأسرة أن تعلم الطفل ما يرغب به. فقد تركز العائلة على تعليمه أشياء قد لا يتعلمها في أي مدرسة، وقد توفر له تعليماً بمستوى عال يتفوق به على أقرانه من طلبة المدارس. وقد يجد الطفل في المنزل مصادر تعليم مختلفة لا يمكن أن يجدها في المدرسة وحتى لو وجدها قد لا يستطيع استغلالها نتيجة تزاحم الطلاب عليها.
وبحسب الوارد في دائرة التعليم والمعرفة؛ فإن نظام الدراسة المنزلية يقبل كل الجنسيات بالدولة، وبالنسبة لشرط سن القبول فيبدأ من عمر 15 سنة فأكثر، بدءاً من الصف السابع وحتى الصف الثاني عشر. ولا يحظى التعليم المنزلي بإطار تنظيمي حتى الآن للمقيمين الذين يرغبون في تسجيل أولادهم عبر مؤسسات التعليم المنزلي. ومن الجدير ذكره أن التعليم المنزلي الذي لا يعتمد المنهج الرسمي للمدرسة غير معترف به في الإمارات. وعندها لا يحصل الطالب على شهادة رسمية، ولا يتمكن من الالتحاق بالجامعة. وعليه فإن المدافعين عن التعليم المنزلي يطالبون بجعله خياراً معترفاً به رسمياً، وأن يلغى شرط الحصول على شهادة ثانوية عامة للالتحاق بالجامعات. وتقبل كثير من الجامعات على مستوى العالم طلاب التعليم المنزلي. وفي الولايات المتحدة، يتم قبول وتسجيل المتعلمين منزلياً في أفضل الجامعات نظراً لنضجهم واستقلالية مهاراتهم في التفكير، إضافة إلى ارتفاع مستويات الإبداع لديهم. وتثبت إحصائيات، منشورة على مواقع إلكترونية، أن المتعلمين منزلياً يتفوقون في امتحانات تحديد المستوى للدخول إلى الجامعات.

عواقب وخيمة
حول اهتمام فئة من الأهالي بمفهوم التعليم المنزلي، تؤكد خبيرة العلاقات الأسرية والتربوية الدكتورة إنعام المنصوري ضرورة الاطلاع على التجربة من كل جوانبها قبل إصدار الأحكام والتصفيق لأمور قد لا تحمد عقباها، معتبرة أن أي منهج لا مدرسي لا يمكن أن يؤدي الغرض المطلوب منه في غياب الدعم الأكاديمي وبيئة الأنشطة الصفية. وتقول إن التعليم المنزلي كان خياراً ناجحاً زمن الأجداد في حين أن المدارس باتت متوافرة حالياً. وتوضح المنصوري أن الطالب يجب أن يسعى إلى العلم بقدميه وألا ينتظر من يقدم له العلم على طبق من فضة في البيت. إذ إن النظام المدرسي يحتم على الطلبة الاستيقاظ باكراً والانضباط والانصهار بمجتمع جديد، ويمنحهم مهارات احترام الآخر، وكيفية التعامل معه، وهذا كله وسواه الكثير لا يوفره التعليم المنزلي.

مصادر دعم
لتعليم منزلي أكثر شمولية، تتم الاستعانة بالمكتبات العامة ومقاطع الفيديو التعليمية المجانية، والمتاحف وبرامج الإنترنت. ويمكن شراء منهج جاهز مثل «أوميجا» و«كيستون». مع الحاجة إلى ترتيب الأنشطة الرياضية، مثل التسجيل في نوادي كرة القدم والفنون القتالية وسواها.

التكلفة
تعتمد تكلفة التعليم المنزلي على اختيارات الأهالي لنوعية الأنظمة التعليمية وما إذا كانوا سيستعينون بأساتذة مختصين. ويمكن القول إنها أكثر من تكلفة المدارس الحكومية وأقل من تكلفة المدارس الخاصة.

اشتراطات
بحسب التعليم المنزلي، يشترط على طلبة المنازل التقدم لامتحانات نهاية كل فصل دراسي، ويتم التسجيل في هذا النظام بعد صدور إعلان التسجيل محدداً الفترة والإجراءات.