رأي الناس

دروب الحياة

في الحياة كل شيء نسبي، تَجمعُ في جعبتها الكثير من المتناقضات: نجدها تارة مُعتركاً وسَعياً وطريقاً طويلاً جداً، وتارة أخرى، نحسها قصيرة جداً، لا نعي كل هذا إلا حينما نقف على عتبة مرحلة مصيرية من حياتنا، عندما نَنظُر خلفنا إلى الدروب التي سلكناها ونكتشف بغتة أننا فوّتنا الكثير ولم نسْتمتع بالوقوف على ضفافها والتقاط الأنفاس واغتنام لحظاتِ هدوء على هامش الزحام ودوامة الفوضى اللامتناهية وإيقاع الأحلام السريع، نَكتشفُ مصادفة أننا في سباقنا لنصل إلى ما نريده لم نكن نعرف بأن أجمل شيء يمكن أن نعيشه هو كلّ ما يحدث لنا ونحن على هذا الطريق، أما الوصول، فهو محتوم، ونشوته آنية، لحظية، لا تطول، غاية تدركُ لِندركَ بعدها أننا نريد أشياء أخرى.
في خضم مشوارنا تروّضُنا التواءات الدروب، وتنسينا متاهاتها أن نَعيش أشياء بسيطة جميلة، من فرط بساطتها نستكثر الوقوف من أجلها، نستهين بمشاعر صغيرة لتفاجئنا عند نهاية الدرب وقد كَبُرت في غفلة من لا نكترِث لأشخاص يحملوننا في قلوبهم، لنجدهم عند الوصول قد تَجردوا من القلوب، نؤجل أحلاماً أخرى، نكتشف في نهاية المطاف أنه لم يعد هناك مجال لتحقيقها، نسابق الوقت رغبة منا في كسبه، فنجد أننا كنّا نخوض سباقاً غير عادل.
في زَخَم الحياة، نَتَلقّنُ الحياة، ندرك كم هي جميلة بكل تفاصيلها، نجاحاتها، خيباتها ونكبتها، جميلة بنا، برفقة من نحب، برفقة من يُحبنا، جميلة بمتاهاتها، بدروبها الملتوية، بانعطافاتها، بعقباتها، جميلة بكل ما نَبذله وما يُبذَلُ من أجلنا، جميلة أكثر إنْ أخذنا نَفَساً عميقاً، بين الفينة والأخرى، ونجود على ذواتنا بلحظات راحة وخلوة نجلس فيها مع أنفسنا، نسألها عن حالها وننفض عنها غبار التعب، نداعبها، نعانقها ونخبرها عن مدى اهتمامنا بحالها، نعطيها زادها وندعها تَنطلق من جديد، النّفسُ الحرة الجميلة تَهوى العيش بوعي وحب، أن يكون مرورها من هنا يُشكل إضافة ما، أن تترك بصمة معينة، أن تخَلّد أثراً جميلاً نافعاً، أن تَعيش وتلهِم من يعيش.
طيري يا أحلام، وأفسحي المجال أمام النفوس الجامحة التي تهوى الحياة وتطارد الغاية إلى أن تدرَك.
نبيلة مسعودي