دنيا

«أحداث شرطة أبوظبي» يمدّ جسور التواصل بين الآباء والأبناء

الاختصاصية الاجتماعية نجلاء علي مع الأحداث ( من المصدر)

الاختصاصية الاجتماعية نجلاء علي مع الأحداث ( من المصدر)

أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً، شعار نجح مركز رعاية أحداث المفرق بشرطة أبوظبي في تطبيقه على أرض الواقع، من خلال الملتقى الأسري، الذي يقام على مدار العام تحت شعار (أبناؤنا .. أمانتنا)، والذي يجمع بين الأحداث وذويهم تحت سقف واحد، بهدف رفع الحواجز بينهم، ودفعهم إلى مزيد من التواصل ما يحميهم من تكرار الوقوع في الأخطاء، ويعمق ارتباطهم بأسرهم ومجتمعهم.



هناء الحمادي (أبوظبي) - حين تعانقت الأرواح، ودمعت العيون في لقاء عاطفي، نجح مركز رعاية أحداث المفرق بشرطة أبوظبي في تنظيمه ملتقيات أسرية بهدف لمّ شمل الأحداث مع ذويهم في حوار مباشر، مُركزاً على إعادة النظر في مفهوم العلاقات العائلية، وتعزيز دور الأهل في مد جسور التواصل بينهم وأبنائهم، حتى لا يكونوا ضحايا لأصدقاء السوء، وشلل المفسدين.
أولوية العمل
حول الملتقى الأسري ودوره في تعزيز العلاقة بين الأسرة والأبناء، أكد رئيس اللجنة الخاصة لتسيير عمل مركز رعاية الأحداث في شرطة أبوظبي العميد أحمد المحرمي أن المركز يعطي أولوية للاهتمام بالرعاية اللاحقة للأحداث، بعد مغادرتهم المركز بالتنسيق والتعاون مع إدارة مراكز الدعم الاجتماعي، وإدارة الشرطة المجتمعية والجهات الرسمية المعنية ومؤسسات المجتمع المدني، لمساعدة الأبناء الأحداث على التكيّف والاندماج في المجتمع، وعدم العودة لارتكاب السلوكات المخالفة، لافتاً إلى أن الملتقى الأسري هو الركيزة الأساسية للرعاية اللاحقة، حيث يقوم المركز بتهيئة الأسرة لاستقبال الحدث وإعداده وتهيئته للعودة إلى حياته الطبيعية في جو أسري يسوده التفاهم والمحبة.
وأوضح أن نتائج الملتقيات الأسرية كانت متميزة بشهادة أهالي الأحداث، خصوصاً أنها نجحت في سبر أغوار غياب اللغة المشتركة بين الحدث وأهله، كما ألقت الضوء على الأسباب الأساسية التي تؤدي إلى جنوح الأحداث، والتغيرات الجذرية التي طرأت على المجتمع.?من جانبها، أوضحت الاختصاصية الاجتماعية، والمسؤولة عن وحدة التنسيق الأسري بمركز أحداث المفرق نجلاء علي أن «الهدف من إقامة الملتقى الأسري المستمر، هو التأكيد على أن الأسرة عنصر مهم وأساسي في صياغة المشهد التربوي، وإذا نجحنا في تأهيل الأسرة، وتوجيهها بطريقة سليمة، وتعريفها بكيفية التعامل مع الأبناء، ومعالجة المشاكل التي تواجههم نكون قد بدأنا أولى خطواتنا نحو أسرة مستقرة، وأبناء ينعمون بالدفء العائلي».
وأشارت إلى أن المركز يسعى من خلال الملتقى الأسري إلى تصحيح الكثير من المفاهيم التربوية الخاطئة لدى الأهل، وتعزيز دورهم في الوقاية والحماية حتى لا يحدث تضارب بين ما يتلقاه الحدث داخل المركز من عناية ورعاية، وتصحيح للمفاهيم، وبين ما يراه على أرض الواقع في البيت من مشاكل، وخلافات أسرية تترك أثراً كبيراً على سلوكه، وطريقة تفكيره.
جهل الأسر
قالت نجلاء إن وحدة التنسيق الأسري اكتشفت، من خلال الملتقيات الأسرية، أن أغلب الأسر تجهل كيفية التعامل مع المراحل العمرية المختلفة مع أبنائهم، خصوصاً خلال فترة المراهقة، لا سيما أن أغلب أحداث المركز أكدوا أنهم بحاجة إلى من يسمعهم، ويهتم بهم، وليس من يغدق عليهم بالمال، أو يفرض عليهم الأوامر دون معرفة حاجات الحدث النفسية والعاطفية، وفقاً للمرحلة التي يعيشها، كما أوضحت أن حلقات النقاش التي تم إجراؤها بين الأحداث وأسرهم كشفت مواطن القصور في العلاقة بين الطرفين.
وحول ما أحدثته هذه الملتقيات من نتائج إيجابية أسهمت في بناء جسور الثقة بين الأحداث وأولياء أمورهم؛ أوضحت نجلاء أن الأبناء نجحوا في لفت أنظار أسرهم إلى أنهم أصبحوا أكثر وعياً وقدرة على مخاطبة ذويهم، وأن هناك درجة عالية من الشفافية في تناول قضاياهم للدرجة التي دفعت الأسر إلى إبلاغ بعضهم بأهمية هذه الملتقيات ليزداد العدد بسرعة كبيرة، فضلاً عن ذلك فقد أصبح الملتقى يضم أسراً أخرى، يأتون لاكتساب خبرات حقيقية، إضافة إلى ذلك فأغلب الأسر التي يتم الإفراج عن أبنائها تظل على تواصل مستمر مع هذه البرامج؛ ما يؤكد ارتفاع نسبة الوعي بين الأهل والأبناء على حد سواء.
وفيما يتعلق بالبرامج التي تنظمها هذه الملتقيات، أوضحت نجلاء أنها متنوعة تشتمل على عدة ممارسات وأساليب، تصاحبها بعض الاختبارات لتصحيح المواقف، وإعادة التقييم لمعرفة مدى الاستفادة منها، إضافة إلى ذلك تعرض الأسر تجاربها الخاصة لتبادل الخبرات، ولم يقتصر الأمر على ذلك حيث نقوم بإشراك الآباء وأبنائهم في برامج اجتماعية تعليمية وثقافية وتراثية وأدبية ونفسية؛ حتى لا تمل الأسر من هذه البرامج، ولكي يحدث نوع من التواصل والألفة بين الحدث وأهله.
إدارة الأزمات
عن دور الملتقيات، قالت المستشارة النفسية والتربوية ريما عودة، إن الملتقيات الأسرية نجحت في تسليط الضوء على الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى جنوح الأحداث، وآليات التعامل مع الأحداث خلال فترة المراهقة، وكشفت عن جهل بعض الأسر للكثير من المعلومات التي تخص الأبناء، أو المشكلات التي تواجههم خلال هذه الفترة، لغياب التواصل واللغة المشتركة بين الآباء والأبناء، ما دفع مركز الأحداث إلى الجمع بين أولياء الأمور وأبنائهم.
وأوضحت «بدأت الفكرة بـ»22» عائلة فقط ليتضاعف العدد خلال فترة وجيزة إلى 57 أسرة، علماً بأن الحضور لم يتوقف على الآباء والأمهات فقط، بل الإخوة والأخوات والأجداد والجدات، ما يؤكد أن لدى أفراد الأسرة كافة رغبة عارمة في تصحيح الأخطاء، وفتح صفحة جديدة مع أبنائهم يسودها الحب والمودة».
ولفتت عودة، إلى أن الآباء والأمهات شاركوا أبناءهم، وللمرة الأولى خلال الملتقى الأسري اللعب والاهتمامات، ولم يصدق الأحداث هذا المشهد المؤثر، حيث علق أحدهم وعمره (17 عاماً) على هذا الحدث بقوله «للمرة الأولى في حياتي يلعب أبي معي، وتجلس أمي إلى جانبي»، فيما قال آخر (16 عاماً): «هذه هي المرة الأولى التي أشاهد فيها أبي وأمي يجلسان معاً، بجانبي دون أن تقع بينهما أية مشكلة، ما يؤكد أن الملتقيات الأسرية نجحت في مد جسور التواصل العاطفي والروحي بين الآباء، والأمهات وأبنائهم، كما ردمت هوة الفراغ العاطفي والخلافات الأسرية التي كانت سبباً رئيسياً في جنوح الأحداث».
نوافذ جديدة
أكدت الاختصاصية النفسية عائشة إبراهيم، أن الفراغ العاطفي الذي يعانيه الأحداث اتضح بدرجة مؤلمة، فقد تحدث الأبناء عن الأخطاء التي ارتكبها الأهل في حقهم، حيث كانوا يتحدثون بشفافية وحرية بينما كان الآباء والأمهات متعاطفين معهم في حرقة وألم، ما أبكى جميع الحضور، لا سيما أن الآباء والأمهات أكدوا أنهم للمرة الأولى يسمعون مثل هذا الكلام، والذي فتح نوافذ جديدة للحوار مع أبنائهم، لافتين إلى أنهم كانوا في غفلة من أمرهم، وأن ما حدث لم يكن مقصوداً.
وأشارت إلى أن الأبناء أفادوا بأنهم يعيشون في زمن استغنت فيه الأم عن وظيفتها الأساسية، وغاب الأب باختياره من المشهد بأكمله، لافتة إلى أن أغلب الأحداث أكدوا أن دور الآباء والأمهات اقتصر في الوقت الراهن على فرض الأوامر والتلويح بالعقوبات دون النظر إلى تداعيات هذا النوع من التربية؛ التي تفتقر إلى الموضوعية، وتؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأجيال، وإلى بقائهم خارج المنزل لأطول فترة ممكنة.
من ناحية أخرى، حثت عائشة أولياء الأمور على مراقبة المواقع الإلكترونية التي يتصفحها أبناؤهم؛ حتى لا يكونوا ضحايا لأصدقاء السوء على شبكة الإنترنت، مؤكدة أن أغلب مشاكل الأحداث تكون أسبابها تصفح مواقع غير آمنة، أو التعرف إلى غرباء يستغلون براءتهم، وعدم وجود رقابة من الأسر، فيتم استدراجهم إلى ممارسات غير أخلاقية.
وكشفت عن حدوث نقلة نوعية في طريقة تعامل الأهل مع الأبناء خلال فترة وجيزة، كما أن الأحداث أصبحوا أكثر خبرة بالأخطار التي تحيط بهم، لافتة إلى أن مركز الأحداث يقوم بتزويدهم بالكتب والبروشورات المتعلقة بتربية الأبناء إلى جانب المحاضرات وورش العمل.


الجانب التثقيفي
حول اهتمامها بالجانب التثقيفي، أوضحت المستشارة النفسية والتربوية ريما عودة أن الملتقيات الأسرية التي اهتمت بالجانب التثقيفي والتوعوي من خلال إصدار مجلة للأهل إضافة إلى المنشورات، وحلقات النقاش، والتمارين، والاستشارات والإرشاد عبر الهاتف، حثت الأهل على أهمية تزويد الأبناء بجرعات مناسبة من الثقافة الجنسية، لافتة إلى أن أكثر من 60% من الأهل لا يعرفون كيفية توصيل المعلومة الصحيحة للشباب في فترة البلوغ، حيث يكون هناك فضول غير عاد للشباب لمعرفة التغيرات الفسيولوجية التي يمرون بها خلال هذه المرحلة، ما يدفعهم إلى تصفح مواقع الإنترنت، أو اللجوء إلى أصدقائهم لاكتساب الخبرة والمعرفة.