الملحق الثقافي

حريق يشب في رأسي!

«أريدُه قصيراً، أقصرَ مما يمكنُ لامرأةٍ أن تبلغَ بها الجرأة في هذا الحَي المُسالم». حاسماً كان قراري، وهادئةً كانت ابتسامتها، لمْ تلتفتْ إلى طلبي بالدهشةِ التي انتظرت، لكنها اقترحَتْ حَلاًّ لا يقلُّ جنوناً عن طلبي: «عِوضاً عن قَصِّ شعركِ الطّويل هذا.. حَنِّيه!»
الحناء! أكره الحناء، أكره لونها، وتاريخها، ورائحتها، وأكرهُ كلّ ما ارتبطَ بها من طقوس واحتفالات، ومومياوات فرعونية! والكراهيةُ هي ما جُلّ ما كنتُ أحتاجُهُ في تلك اللحظة. «حنّيه إذن!»، أجبتُها.

غواية الحناء
«في الحِناء شِفاء»1، وأنا أبحثُ عن التشافي من تلك الأفكار التي ما انفكتْ تنبتُ في رأسي وتشعلهُ شيباً وحزناً، أيَجبُ على المرءِ أن يصابَ بمرضٍ خبيثٍ لكي يَرسم على جلدةِ رأسه تلك النقوش! أم عليه أن يُحَرّرَ خصلاته من اللون ويغمسها في عَجينٍ يمنحها التماعاً حارقاً للعين مذيباً للقلب دون حاجة لتبرير ذلك الفعل للآخرين. الحناءُ غواية، في اللون والرائحة والشكل والالتصاق بالجسد، شأنها شأن حُبٍّ يولدُ فتياً، يشغلُ القلبَ ويُشعله، ثم يخبو، وينسحبُ من خلايا الجسدِ كما الروح تتسربُ من أطرافه. تبدو يَدكَ المخضبة بالحناء رمزاً للسعادة، رسالة سلامٍ لأولئكَ الذين يُحسنون القراءة، إشارة فأل حسن، أو ترنيمة خير تتنزل بالرحمة على جسدك المتعب. هكذا تبدو «الروائح الذكية، والألوان الصارخة، والأشكال البالغة الحد في الأناقة كأنها تتنازع، بجميع قواها، حق استرعاء انتباهنا. ولا يقتضي الاستسلام إلى هذه الأحاسيس المتناهية في العذوبة إلا الشعور بتذوق اللذة، وإذا لم يستشعر باللذة جميع من وقعت هذه المناظر تحت أعينهم، فلأن بعضهم يعوزه الإحساس الطبيعي، ولأن معظمهم إذا ملكت عليه مشاعره أفكار أخرى، لا يستسلم، إلا خلسة، إلى الأشياء التي تؤثر في حواسه»2.
قالت لي أمي بأنّ نساء عائلتنا تشيبُ في سن الثلاثين، اشتعل رأسُ صديقتي شيباً وهي لم تبلغ الثانية عشرة، فكان عليها أن تتظاهر باتباع ألوان الموضة مبكراً، ولم ندرك ذلك إلا عندما باحتْ لنا بالسِّر بعد إنجابها طفلها السادس، كانت قد أتمّت دورة الخلق ولم يعد هناك ما يقضّ مَضجعَ الاعتراف المرير. لِمَ عليّ أن أنتظر قَدَريَ الأبيض! ولِمَ عَليَّ ألا أهادنهُ بِهِ وأترك البياض يَجتاحني كما فعل بشَعر نوال السعداوي 3 أو آني كريمير4 التي كَفّت عن الكذب على خصلات شعرها في الثالثة والأربعين وقررت التشبثَ بقدرها؛ «عندما يفلت المرء قدره من يده يهلك» 5 ، وعندما يتظاهر بأنه متشبث بالحياة فإن تلك الحبال التي يتمسك بها سرعان ما تذوب بين يديه، ليسقط في هاوية النكران.
ناكرةً، ونَكِرَةً.. هكذا كنتُ بشعري المشتعلِ بحمرة الحناء اليمنية، يتموّج مختالاً برائحة المعجون السحري التي تنبعث من كل خلية من خصلاته لتذكِّرني بما أكره.. تماماً كما تنبعث رائحة البن اليمني لتخدّر الحواس فتفتحَ عينيكَ على قمّةِ جبلٍ لا يهادن، حَربُكَ التي لن تتراجع عنها، يَدكَ المَطلِيَّة بِبُقَعِ جريمةٍ حمراء ليس لك أنْ تتبرأ مِنها، كتلك العروسِ التي حَرّقَتْ يَديها البَضَّتَينِ خُيوط الشمع السائلة لتُحَدِّدَ مَسارات الحناء التي تجتهدُ المُحَنِّيَةُ في اتِّباعها 6 لتُشهِدَ العالم على طريقها الذي اختارته.. أو اختيرَ لها، حتى صُداعك الذي ألفته يجافيك الآن؛ فالحناء شَفَتك من أسقامك إلى حين.

حنّاء الوطن
أكرهُ الحناء وكل ما يذكرني بها! ذاتَ يومٍ التقيتُ شجرةَ حِناء، غُرستْ خَلفَ نافذتي مباشرة، وكنّا نتبادلُ تحايا الصباح بِجَذَل، ثم يمضي كلّ منا في طريقه، أبحثُ عن خطوات قدمَيّ فيما تبحثُ هي عَن عصافير تتسلى بثرثراتها الصباحية. سَبَقَ أن اجتُثَّت جذوري من أرضي، وما زال طعم الطين منغمساً في كل لقمةٍ أمضغها، لكن شجرة الحناء لم تفهمْ كيف وَجَدَتْ نفسها رأساً على عَقِبْ، جذورها تسبحُ في السماء، وأغصانها منكسرةٌ تجرَحُ جَسَدَ الأرض. «أوراقُ شجرة الحناء ليستْ نافعة!»؛ عِلّةَ أنْ تكون نافعاً تكفي لأن يَجتثَّكَ الآخرون من أرضٍ تأصّلَتْ جذوركَ فيها وتذوقتَ حلاوة مائِها، تماماً مثلما يَصِفُ أحدهم وجودَكَ بالعَدَمْ، باللا جدوى، ويُخبرُ الآخرين بأنكَ لستَ أكثرَ من طيفٍ، حِكايةٍ يرويها مجنونٌ لن يُصَدِّقَهُ أحد: «كان عبارة عن أرضٍ خرابٍ تماماً، ولم يكن هناك سوى أربع أو خمس قرى عربية صغيرة، ومقبرة على التلال المجاورة، وما عدا ذلك، لم يكن هناك شيء» 7. بَقيتْ شجرة الحناء على حالها، تخترقُ عَيناها نافذتي كلما مررتُ بها، إلى أن اتخذتُ قراريَ بالانزواءِ في العَتمة، وإسدالِ الستار على الذاكرة. جَفّتْ الشجرة، وقُطِّعَتْ أغصانها حَطباً، وفاحتْ رائحة حناء حزين خَضّبَ تراب الحديقة.
لمْ أعُد أعرِفُني في ذلك الحريق منذ اجتثت الحناء من أرضنا، وتلك الجذور الذي ذَبُلَتْ وهي تنتظرُ رشفةَ ماء نَبَتَتْ في رأسي، وأزكَمَتْ رائحتها أنفي، ونسيتُ كيف كان شكل رأسي، ورائحة شعري! تماماً مثل ذلك الصّبي الذي حكى لي عن طَعمِ الرّمل في دُرَّاقتِه: «عندما كنتُ صغيراً عَضَضْت دراقة، ثم تركتها تسقطُ مع العَضّة على الأرض. بعد ذلك رفعتُها عن الأرض وأكلتُ منها المكان المتّسِخ بالرمل فقط، وتركتُ الباقي يسقطُ ثانيةً. ورفعتها ثانيةً عن الأرض أقضمُ منها المُتَّسخَ فيها وأرميها، ثالثةً ورابعةً حتى لو لمْ يبقَ منها في النهاية إلا اللّب. في النتيجة أخذني أبي إلى الطبيب؛ لأنني لستُ طبيعياً، لأنني أتلذذُ بأكلِ الرمل. والآن أكلتُ من الرمل ما يكفي، ولمْ أعدْ أعرفُ كيف هو شَكل الدراقة»8.
إذ ذاك قصصتُ شعري، جززته جزّا، ككل الرجال الذين يتقنون الكذب على نسائهم بادعاء الحب كل ليلة، ثم يستيقظون صباحاً ليحلقوا رؤوسهم وذقونهم فيعود جِلدهم إلى سيرته الأولى: ناعم الملمس، مدهوناً بالنوايا. كانت القبيلة تمنعنا عن هذه الفاحشة؛ أي فاسقة تلك التي تقصَّ شعرها قبلَ أنْ تقدِّمَه فراشاً لزوجها! أي ملعونة تلك التي تتصرف في خصلات نبتت بإذن ربها لتكونَ ملكاً لذلك الذي يأتي لا مُمتطياً جواداً ولا محرراً بلاداً، بل يأتي وكفى، ليعيث في الأرض فساداً! أي امرأة تلك التي تنزعُ عنها ثوبَ حيائها لتصبحَ رجلاً بلا ظِلّ، وطناً بلا حضن، شتاء بلا مطر. من تراهُ ذلك الذي سألني رأيي في المقصِّ قبلَ أن يُعَلمني استخدامه؟ 9 .
توقف شعري عن النمو عدة سنوات مغاضباً 10، وأهملتُ بالمقابل الاعتناء به، إلى أن أطلّت «ديمي مور» 11 بصلعتها فأنارت لي سماءً بعيدةً لا تطالها أجنحتي المتكسرة، كان من العبث أن أستمر في الإنكار، لقد أغضبت شعري حقاً، وآن لي أن أصالحه. بلا وساطات، وبلا حجج هشّة، حنيته! وعندما شرعت خصلات شعري في التساقط، كنت أتلقفها باسمة، مدركة أن كل الحريق الذي اشتعل في داخلي آن له أن يطفئ غضبته في موجات متلاحقة من الأسف المرير. متعبة من النهار، من وهج الشمس، ومكتفية بالليل، شعري يطول كقصيدة، بعيداً في أرض الحُلُم، حيثُ نتحَرَّرُ من خطوات ننتعِلها رغماً عنا. كنتُ أحلم، وما زِلت أحلم 12. وكَمَنْ طالَ ظِلّه فجأة، انسَلَّ البياض إلى روحي، وصوتُ جدتي إلى يَدَيّ وهي تُمرِّجني بزيت الزيتون الدافئ، فنبَتَتْ لي أجنِحَة، و»كانت هُون هُون هالعصفورة. قامَتْ بَحْشَتْ بَحْشَت حَنّت إيدِيها. بَحْشَتْ بَحْشَتْ، حَنّتْ إِجْرِيها. اطّلّعَتْ لَرَبّها، كَحَّلّها عِينيها» 13.
.....................................................
1- حملة أطلقتها جمعية خيرية كندية لنقش الحناء على رؤوس النساء المصابات بالسرطان المعالجات كيماوياً لمساعدتهن على التشافي.
2- جان جاك روسو – هواجس المتنزه المنفرد بنفسه.
3- نوال السعداوي (1931)، طبيبة أمراض صدرية وأمراض نفسية، وكاتبة وروائية مصرية مدافعة عن حقوق الإنسان عامة وحقوق المرأة خاصة.
4- آني كريمر (1955- ) صحفية متخصصة في الاقتصاد والأعمال، مؤلفة كتاب «نحو الرمادي، كيف تعانقين ذاتك الأصيلة بسمو وأناقة».
5- «أرجوحة النفس»، لهيرتا مولر، ترجمة وحيد نادر، ط1، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، كلمة، 2009م.
6- ليلة الحناء، تعتبر ليلة احتفائية مهمة للعروس الفلسطينية التي ترتدي الزي الأحمر أو الأخضر، وتحنيها المحنية باستخدام الشمع الذائب لرسم خطوط النقش ثم ملء الفراغات بالحناء على كلتا اليدين في ظل احتمال العروس لألم الحرق الناتج عن سخونة الشمع، بينما كان يكتفى بتحنية اليد اليمنى للعريس بجعله يقبض على كرة من الحناء لفترة تكفي لصبغها.
7- هربرت صموئيل واصفاً قرية بيسان الفلسطينية، أرييه. ل. أفنيري، دعوى نزع الملكية – الاستيطان اليهودي والعرب في الفترة 1878-1948. ط1، دار الجليل للنشر، عمان، 1986، ص.45-46.
8 - «أرجوحة النفس»، لهيرتا مولر، ترجمة وحيد نادر، ط1، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، كلمة، 2009م.
9 - «مسألوناش.. مسألوناش.. والقرار قرارنا.. مسألوناش»، هتاف الشباب المغاربة في مظاهراتهم للتنديد بالاحتلال الأميركي للعراق في حرب الخليج الثانية. كتاب «دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة»، لنصر حامد أبو زيد، المركز الثقافي العربي ومؤمنون بلا حدود، ط1، 2014م.
10- تتداول النساء مقولات شعبية مفادها أن الشعر الذي تقصه المرأة في حالة الكآبة أو الغضب لا يطول بدعوى أن «الشَّعر يحزن»، لذا تمتنع النساء عن قص الشعر أثناء الدورة الشهرية، وتقلبات المزاج الحاد أو الكآبة، ويمتنعن كذلك عن السماح لامرأة بقص شعورهن إن كانت على تلك الحال بالمقابل.
11- ديمي مور، ممثلة أميركية، حلقت شعرها كاملا بنفسها مستخدمة ماكينة الحلاقة في مشهد لفيلم «جي آي جين» عام 1997م، لتصبح أيقونة ذلك العام وتجسد جمالاً ساحراً للمرأة الصلعاء.
12- «أنا أعتقد، أن الإنسان يحلم في الليل، حين يتعبه النهار»، هيرتا مولر، مرجع سابق.
13- مفتتح قصة «العصفورة الزغيرة» من التراث الشعبي الفلسطيني. قول يا طير، لإبراهيم مهوّي وشريف كناعنة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، 2013م.