الاقتصادي

جمال السويدي: الإمارات قدمت تجربة ثرية في التعامل مع تقلبات سوق النفط

جمال سند السويدي وتركي الفيصل خلال المؤتمر (من المصدر)

جمال سند السويدي وتركي الفيصل خلال المؤتمر (من المصدر)

بسام عبد السميع (أبوظبي)

أكد الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، خلال افتتاحه أمس أعمال المؤتمر السنوي الثاني والعشرين للمركز حول «المنطقة إلى أين: تحديات أسعار النفط»، أن دولةَ الإماراتِ العربية المتحدة تقدم تجربة ثرية في كيفية التعامل مع تحدي أسعار النفط وتقلبات السوق النفطية، لأنها استطاعت أن تتبنَّى منذ وقت مبكر سياسة ناجحة لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن تقلُّبات أسعاِر النفط، لتأمين الديمومة لتقدُّمها الحضاري في كلِّ مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
واستشهد السويدي في هذا السياق بالكلمة العميقة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في الدورة الثالثة للقمَّة الحكومية في دبي، التي قال فيها «إننا سنحتفلُ في العام 2050 بتصدير آخر برميل نفط».
ورأى الدكتور جمال سند السويدي أن هذه الكلمة تنطوي على فكر تنمويٍّ عميق، ورؤية استشرافية طموحة لمستقبل الإمارات بعدَ عقود، بعيداً عن تقلُّباتِ أسعار النفط، من أجل بناء اقتصاد وطنيٍّ قويٍّ مستدامٍ، تقوده كوادر مواطنة متسلحة بالعلمِ والمعرفة.
وقد استهلَّ المؤتمر أعماله بكلمة ترحيبيَّة من الدكتور جمال السويدي نقل خلالها تحياتِ صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيَّة، وتمنيات سموه لجميع المشاركين من باحثين وخبراء وحضورٍ أن تُكَلَّل جهودهم بالنجاح، وتحظى توصياتهم بالتطبيق على أرض الواقع.
وأشار السويدي في كلمته إلى أن «مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيَّة، دأب منذُ إنشائِه، على أن يتناول في مؤتمره السنوي القضايا الاستراتيجية التي تتعلَّق بتطوُّرات المنطقة والعالم، واستقراء تداعياتها على دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، ودولة الإمارات العربية المتحدة على وجه الخصوص.

تساؤلات جوهرية
وأكد أن موضوع المؤتمر السنوي لهذا العام ينطوي على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية، ليس لما تشهده المنطقة من تطوُّراتٍ على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، لها تداعياتها وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة في الأوضاع الداخلية لدول المنطقة فقط، وإنما كذلك لأن هذه التطورات تأتي في ظلِّ مشهدٍ دوليٍّ يطغى عليه الارتباك، خاصةً في ظل الإدارة الأميركية الجديدة للرئيس دونالد ترامب، التي تتبنَّى سياسات مختلفة عن سياسات إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، تجاهَ العديد من قضايا المنطقة، ما يثيرُ تساؤلاتٍ جوهرية حول مستقبل المنطقة، وخريطة التحالفات الجديدة التي قد تشهدُها خلال الفترة المقبلة.
وأوضح السويدي أن اختيارَ «مركزِ الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية» هذا الموضوعَ لمؤتمره السنوي هذا العام ، يعكس متابعته التطورات التي تشهدها المنطقة، ودراسة أبعادها المختلفةِ، وتعرُّف تأثيرها في دول المنطقة، وكيفية التعامل الفاعل معها، والاستعداد لمساراتِها المستقبلية، خاصةً أن هذه التطورات تتسم بالتسارع والشمول والتعقيد في الوقت نفسه، لهذا كان الحرص على أن تتضمن محاورُ المؤتمر جميع الجوانب السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، في أبعادها الإقليميَّة والدوليَّة.
مجموعة من التحديات
وأكد السويدي أن التغيرات التي تشهدُها المنطقة تثير مجموعة من التحديات التي لا يمكنُ لدول المنطقة تجاهل تأثيراتها في أمنها واستقرارها، خاصة في ظل استمرار حالة التعثر التي تشهدها أزماتُ المنطقة المختلفة، وتنامي خطر التطرف والإرهاب بصورةٍ ملحوظة، الأمرُ الذي يفرض على دول المنطقة مزيداً من التنسيق والتعاون البنَّاءِ فيما بينها لمواجهة هذه التحديات.
وأشار إلى الدور الحيوي الذي تقوم به الإماراتُ، من خلال التعاونِ مع دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، ومن خلال مبادراتها البنَّاءة وجهودها المتواصلة لإيجاد حلولٍ لأزمات المنطقة، وتعزيز أسس الأمن والاستقرار فيها.
ويعقد المؤتمر على مدار يومين في «قاعة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان» بمقر المركز في أبوظبي، وقد حضر افتتاح المؤتمر عددٌ من المسؤولين في الدول العربية، وعدد من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمَدين لدى دولة الإمارات العربية المتحدة، ونخبة من الباحثين والأكاديميين والخبراء، وذلك بحضور لفيف من الكتَّاب والصحفيين ورجال الإعلام.

المحددات والتحديات
وعقدت الجلسة الأولى للمؤتمر، تحت عنوان «تطورات الأوضاع في المنطقة: المحددات والتحديات»، وترأسها الشيخ الدكتور خالد بن خليفة بن دعيج آل خليفة، نائب رئيس مجلس الأمناء-المدير التنفيذي لمركز عيسى الثقافي في مملكة البحرين.
وتحدث في هذه الجلسة العديد من الباحثين والخبراء، حيث تناول الدكتور جون ديوك أنتوني، الرئيس المؤسس والمدير التنفيذي للمجلس الوطني للعلاقات الأميركية-العربية، في الولايات المتحدة الأميركية في ورقته البحثية سياسات ومصالح القوى الدولية في المنطقة العربية.
وأكد في مستهل كلمته أن الأهمية الاستراتيجية التي توليها الولايات المتحدة الأميركية لدول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية» لن تتراجع، مشيراً في هذا السياق إلى أنه لا يتعين على أي أحد أن يتوقع تسجيل تراجع في وعي وتقدير إدارة ترامب للمكانة والدور الحيويَّين لمنطقة الخليج كلها، وهذا يدحض كل التقييمات التحليلية التي تحدثت عن نيّة الولايات المتحدة الأميركية تقزيم دور منطقة الخليج مقابل التركيز بشكل أكبر على منطقة آسيا الباسيفيكية. ولفت إلى أن موارد الطاقة لدول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، ونفوذها الجيوسياسي، وقدراتها المالية والاستثمارية المتزايدة، أصبحت مرتبطة أكثر من أي وقت مضى بالنمو الاقتصادي العالمي.

الاستقرار الداخلي
وضمن فعاليات الجلسة الأولى أيضاً، استشرف الفريق الركن متقاعد جمال سالم الشوابكة، المستشار الخاص لرئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية، مستقبل الاستقرار الداخلي في الدول العربية، مشيراً إلى أن الدول العربية تعيش صراعات عدة تتفاوت من حيث حدتها، وهي تتوزع إلى: صراعات سياسية، وصراعات دينية، وصراعات طبقية واجتماعية.

انعدام التوازن
وتطرَّق أسامة هيكل، وزير الإعلام السابق، رئيس لجنة الثقافة والإعلام والآثار في مجلس النواب المصري، في جمهورية مصر العربية، إلى «طبيعة العلاقات العربية-الإقليمية والتحولات في خريطة التحالفات»، مشيراً إلى أن منطقتنا العربية تشهد اليوم الكثير من الصراعات والتغيرات، فهي تعاني انعدام التوازن الاستراتيجي بين الأقطاب الإقليمية، إذ يحاول القطب القوي الحفاظ على مكانته والتوسع على حساب الآخرين، بينما يسعى القطب الضعيف إلى زحزحة مكانة القطب القوي إقليمياً.

استمرار التحالفات
وتحت عنوان «إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستقبل السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط»، دارت فعاليات الجلسة الثانية للمؤتمر ورأسها عمر البيطار، نائب رئيس أكاديمية الإمارات الدبلوماسية.
وتحدث في هذه الجلسة جهاد الخازن، الصحفي والكاتب في جريدة «الحياة»، عن مستقبل التحالفات الأميركية-الإقليمية في الشرق الأوسط في ظل إدارة ترامب، متوقعاً أن تستمر هذه التحالفات، لأن ترامب من الأساس رجل أعمال، وحريص على استمرار علاقة طيبة مع الدول العربية المنتجة للنفط، كما أنه حريص على علاقة مباشرة طيبة مع مصر والأردن للمحافظة على معاهدة السلام بين كل منهما وإسرائيل.

العلاقات الأميركية الخليجية
وتطرَّق السفير سام زاخم، السفير الأميركي السابق لدى مملكة البحرين، إلى رؤية إدارة ترامب للتحالف مع دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، حيث توقع أن تنمو العلاقات الأميركية-الخليجية، فقيام ترامب بالتواصل مع دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد تولّيه منصبه، يدلّ على احترامه القيادة في دولة الإمارات العربية المتحدة.

مصدر للقلق
بدوره، تناول الدكتور مارك تسلر، أستاذ كرسي صموئيل ألدرسفلد للعلوم السياسية في جامعة ميتشيجان في الولايات المتحدة السياسة الأميركية، وموقفها من الإسلام السياسي والتطرف الديني، قائلاً «إن من المبكر جداً الحديث بشكل تفصيلي عن سياسة إدارة ترامب في الشرق الأوسط، فضلاً عن تقييم هذه السياسة، ولكن تصريحات ترامب خلال حملته الانتخابية، والأسماء التي اختارها لشغل أبرز المناصب السياسية، تسمح بتحديد بعض الجوانب التي يرجَّح أن تكون مصدراً للقلق، ومن أبرزها، زيادة الدعم لإسرائيل، وتراجع الدعم لحل الدولتين للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

تركي الفيصل: منطقتنا عبر تاريخها الحديث ضحية للترتيبات الدولية
أبوظبي (الاتحاد)

قال صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل بن عبدالعزيز آل سعود، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في المملكة العربية السعودية، إن «منطقتنا -عبر تاريخها الحديث- كانت ضحيةً للترتيبات الدولية، وقد يحمل المخاض الدولي الحالي في طيَّاته ترتيباتٍ قد لا تكون في مصلحتنا، خصوصاً أن مآلات المخاض العربي منذ ما يُسمَّى بالربيع العربي غير مؤكّدة، كما أن ظهور النزعات الدينية والطائفية والمذهبية والإقليمية والقبلية هو أكبر تحدٍّ يواجه دولنا العربية، ويهدّد أمنها الوطني».
وبخصوص دول الخليج العربية، قال إنها سَلِمَتْ بشكلٍ أو بآخرَ من الآثار المباشرة للأزمات والحروب التي عانتها المنطقة، لكن ينبغي العمل بشكل حثيث على تفادي كلّ عوامل القصور في عمل منظومتنا الخليجية، لمواجهة كلّ الاحتمالات، خصوصاً أن الخطر الإيراني ماثلٌ للعيان.
وأضاف أنه فيما يتعلق بالوضع الداخلي في العراق فهو محل قلق دائم، ومصلحتنا العربية والوطنية تكمن في عودة العراق إلى أمته، وأن يكون عاملاً للأمن والاستقرار في منطقة الخليج، لذلك علينا أن نكون رافداً وداعماً لجميع القوى الوطنية العراقية التي تحقّق هذا الهدف. واليمن -الجار والشقيق- هو خاصرتنا، وأمنه واستقراره من أمن واستقرار دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كافة، لذا ينبغي أن نُطمئن اليمنيين، ليس بتقديم العون إليهم وإلى دولتهم بقيادتها الشرعية للتمكّن من تجاوز تداعيات المرحلة الحالية فقط، بل بإعلان قبوله عضواً كامل العضوية في منظومة دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، لكيلا يبقى مطمعاً لمن لا يريد بنا الخير. وتابع «أما الإرهاب، فهو الداء الذي يشحذ هممنا إلى إيجاد الدواء، فالتمسّك بديننا السَّمْح، وسُنَّة نبيِّنا، عليه الصلاة والسلام، القائمَين على مبادئ الشورى بيننا، والمُخاطبة بالتي هي أحسن، وألا نكون أفظاظاً غليظي القلوب، هي التي ستكفل لنا الشفاء من هذا الداء». وأكد أن إيران تمثل خطراً حقيقياً على دول المنطقة، لأن كل محاولات ترشيد سلوكها وسياساتها باءت بالفشل، وإذا أرادت إيران علاقات ودية مع دول الخليج، فإن عليها أن تتعامل كدولة مسؤولة، وأن تتخلى عن تدخلاتها في شؤون دول المنطقة، وتلتزم مبادئ حسن الجوار.

كمال حسن علي: أسعار النفط تتطلب إصلاحات هيكلية في الاقتصاد
أبوظبي (الاتحاد)

أكد السفير الدكتور كمال حسن علي، الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية في جامعة الدول العربية، أن تحدي أسعار النفط يتطلَّب من الدول العربية المنتجة للنفط الشروع في إجراء إصلاحات هيكلية على اقتصاداتها، حتى لا تتأثر بأي تقلبات محتملة في السوق النفطية، وذلك من خلال التركيز على تنويع مصادر الدخل لتحقيق التنمية المتوازنة والمستدامة، وإصلاح بيئة الأعمال، والتركيز على تطوير القطاعات غير النفطية، وخاصة تلك التي تدعم اقتصاد المعرفة. وأشار في كلمة أمام الجلسة الافتتاحية للمؤتمر إلى الأسباب التي أسهمت في انخفاض أسعار النفط، سواء المرتبطة بالاختلال في ميزان العرض والطلب، أو التنافس بين الدول المنتجة للحفاظ على حصتها في السوق النفطية، أو تلك المتعلقة بزيادة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة الأميركية، لتصل بذلك أسعار النفط إلى أقل مستوى لها منذ العام 2005. وأكد أن انخفاض أسعار النفط خلال العام 2015 قد انعكس بشكل سلبي على قيمة الصادرات النفطية التي تعد المحرك الرئيس للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول العربية المنتجة للنفط، والداعم الرئيس لاحتياطياتها الرئيسة، والمعزز الأساسي للفوائض في ميزانياتها.

محمد العارضي: الإمارات نموذج يحتذى في جهوزية التعامل مع المتغيرات الاقتصادية
أبوظبي (الاتحاد)

ألقى محمد بن محفوظ العارضي، رئيس مجلس الإدارة التنفيذي لمجموعة إنفستكورب، في سلطنة عُمان، كلمة أمام الجلسة الافتتاحية للمؤتمر أشار فيها إلى أن المنطقة العربية تمر اليوم بسلسلة من التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى، وهذه التحولات سترسم ملامح البيئة الاستراتيجية التي ستعمل في ظلها الدول والشركات والأفراد خلال المرحلة المقبلة.
وأكد العارضي أن التحدي الأمني الأكبر الذي يواجهنا اليوم يتمثل في كيفية التكيف الإيجابي مع هبوط أسعار النفط، الذي أثر بشكل كبير في قدرة دولنا على جدولة موازنات إيجابية، وأداء دورها كمحفز للاستثمار من خلال المشروعات السيادية التي تشكل قاطرة النمو في دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية».
وأشاد العارضي بتجربة الإمارات في سرعة الاستجابة لتحدِّي أسعار النفط، في وقت حققت العديد من المنجزات التي شملتها رؤيتها لعام 2021، وليس أدل على ذلك من أن مساهمة النفط الخام والغاز الطبيعي في الناتج الإجمالي المحلي في دولة الإمارات العربية المتحدة العام 2015 بلغت 32%، أي أن 68% من هذا الناتج جاء من عوائد غير نفطية، وهذا إنما يجعل من التجربة الإماراتية نموذجاً للاقتصادات الأخرى في المرونة والجهوزية للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية.