صحيفة الاتحاد

تقارير

موظفو البيت الأبيض.. ومسلسل الاضطرابات

عندما كان مرشحاً لمنصب الرئيس في عام 2016 وعد دونالد ترامب بأنه سيحقق أشياء كثيرة: أنه سيجفف المستنقع، وسيعين أفضل الناس فقط، وسيكون صانع صفقات بامتياز. والآن وبعد 14 شهراً على توليه منصبه، نجد أنه لم يف بعد بهذه الوعود.. وقال الرئيس أيضاً إن مهاراته في مجال الأعمال، وكونه قادماً من خارج المؤسسة، ستتيح له إجراء التغييرات، التي قال إن عاصمة بلاده تحتاج إليها، والتي رآها الكثيرون من مؤيديه ضرورية.
ولكن الفترة التي قضاها في منصبه حتى الآن، أثبتت أن إدارة المشروعات التجارية، وخاصة العائلية منها، تختلف كثيراً عن إدارة الحكومة. لم تكن كلمته كصانع صفقات موثوقة دائماً؛ كما كانت علاقاته مع أعضاء حكومته مشدودة للغاية، وهو ما ظهر مرة، قبل بضعة أيام، عندما شن هجوماً لاذعاً على وزير العدل «جيف سيسشنز». وفي الحقيقة أن تغريداته قد تكون هي أقل المشكلات التي تؤثر على تدبيره لأمور الحكومة.
بالنسبة لـ «الجمهوريين»، كان هذا الاضطراب، مصدراً مستمراً للإلهاء والقلق، على الرغم من أن الرئيس أثبت أنه أكثر مطاوعة فيما يتعلق بهدف تكريس السياسات المحافظة، مما اعتقد البعض منهم في البداية. وهذه الحقيقة، وهي أنه كان محافظاً تقليدياً بأكثر مما أوحت به حملته الانتخابية، أبعدت هؤلاء الأعضاء عن التمرد- بالإضافة بالطبع إلى حقيقة أنه جعل الحزب ينحني لإرادته، وأنه يتمتع بدعم قوي من القاعدة الانتخابية للحزب «الجمهوري». كان منحنى تعلم ترامب حاداً، ومازال كذلك. فقد بدأت الأخطاء في الأسابيع التي تلت انتخابه مباشرة، حيث اتخذ مجموعة من القرارات الشخصية، خلال الفترة الانتقالية، لازمت رئاسته منذ ذلك الوقت. فقد كدس البيت الأبيض بالموظفين بطريقة كانت لا بد وأن تؤدي لتوتر دائم. كما عين آخرين في إدارته ممن ثبت أنهم يعانون من تحديات أخلاقية، كما أصبح الصراع الداخلي، والتقلب، هما السمتان المحددتان لرئاسته منذ ذلك الحين. والاستقالة المعلنة لـ «هوب هيكس» مديرة الاتصالات بالبيت الأبيض، يوم الأربعاء قبل الماضي، وعلى رغم أنها أصابت كثيرين بالذهول، فإنها بالكاد توصف بأنها أمر غير معتاد، لكن مما لا شك فيه، أن رحيلها أكثر أهمية من رحيل البعض الآخر، لأنها كانت واحدة من أقرب المقربين للرئيس، ومن بين مستشارية الأكثر موثوقية، ومستجدة سياسية نجحت في كسب ثقته.
وجاءت استقالة «هيكس» بعد يوم واحد من الإدلاء بشهادتها، التي استمرت ساعات، في كابيتول هيل، حول التدخل الروسي في انتخابات عام 2016، على الرغم من أنه لم يكن هناك ما يشير إلى أن هناك صلة بين الاثنين.
ويأتي رحيل «هيكس»، في وقت يتعرض فيه البيت الأبيض لاضطراب جديد. فهي كانت واحدة من أنصار ترامب الأكثر إخلاصاً، وكان من المتوقع أن تستمر في منصبها طيلة فترة ولايته وربما ما وراء ذلك. ومع رحيلها، لن يكون الرئيس محاطاً إلا بعدد قليل من الموالين الحقيقيين- خارج نطاق عائلته. كما أن الجدل المثار حول صهره جاريد كوشنر، الذي فقد لتوه تصريحه الأمني الذي كان يتيح له الاطلاع على المعلومات فائقة السرية، ما أضعف وضعه، وأثر على قدرته على القيام بالوظائف التي عُيّن من أجل القيام بها.
والاضطراب الحادث في إدارة ترامب ليس له سابقة في البيت الأبيض في العصور الحديثة، ولا يوجد أي ضمان بأنه قد انتهى. فخلال عام واحد فقط، رأينا فريق المستوى الأعلى من المسؤولين، الذين جاؤوا مع الرئيس، وقد تمزق.
فمن بين كبار المسؤولين المعينين، غيّر ترامب حتى الآن رئيس أركان، وكبير استراتيجيين، ونائبين لرئيسي أركان، ومستشاراً لشؤون الأمن القومى، ونائبين لمستشاري الأمن القومى، وسكرتيراً لشؤون الموظفين، ومساعداً شخصياً يعمل في البيت الأبيض منذ مدة طويلة، ونائب مساعد الرئيس الذي كان يعمل كمستشار في مجال السياسة الخارجية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، حيث أقال ترامب أيضاً مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي ( إف. بي. آي) ونائباً عاماً بالوكالة، كما استقال مسؤول من حكومته على إثر فضيحة.
وكان الحطام ملحوظاً بشكل خاص في عملية الاتصالات. فهناك خمسة أشخاص عُينوا في هذا المنصب، أو حملوا لقب مدير الاتصالات، جاؤوا ثم ذهبوا. وهناك اثنان آخران يضطلعان بمسؤوليات الاتصالات في مكاتب أخرى في البيت الأبيض، غادرا، أو هما على وشك المغادرة. فعندما يصبح الرئيس الأميركي نفسه هو أكثر المتواصلين عدم قابلية للتنبؤ في البيت الأبيض، فإن وظيفة مدير الاتصالات، تصبح في هذه الحالة هي أكثر الوظائف عدم جدوى في البيت الأبيض.
هذا لا يعني أن الرئيس لم يحقق نجاحات، أو لم يحرز تقدماً في تغيير مسار السياسة، في أعقاب إدارة الرئيس السابق باراك أوباما. فقد وقع على تخفيض ضريبي ضخم؛ كما أن الاقتصاد في حالة جيدة، والبطالة في مستوى منخفض، وسوق الأوراق المالية، على الرغم من بعض حالات الهبوط والصعود الأخيرة، أعلى بكثير مما كان عليه في بداية توليه لمنصبه.
أيضاً، أدخل ترامب تغييرات على قوانين الهجرة، كما وعد خلال الحملة. كما خفف، أو خفض من عدد اللوائح التنظيمية المتعلقة بالأعمال التجارية. كما يسر من عملية التحول المحافظ في تشكيلة القضاء الفيدرالي. وعلى المستوى الخارجي، سحب ترامب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، وسعى إلى تغيير السياسة التجارية الأميركية، بعيداً عن مبدأ الإجماع على التجارة الحرة، الذي تبنته الإدارات السابقة.
هذه التغييرات لا يمكن التقليل من شأنها. أما تعثر سياساته، أو عدم نجاحها في أماكن أخرى، فإن الشاهد الآن هو أن الكثيرين من أنصاره يلومون «الديمقراطيين» أو «جمهوريي» الكونجرس، أو البيروقراطية الفردية- الدولة العميقة. أما جوهر دعمه فلا يزال سليماً، ولا يزال حتى الآن هو الشخص الأكثر شعبية في حزبه، ويفوق من ينافسونه بمسافة كبيرة.
أما جولة قطار الملاهي الذي قاده بنفسه، فما زالت تواصل إنتاج آثارها الضارة. ففيما وراء موضوع التغييرات في الموظفين، كان ترامب كصانع صفقات، محبطِاً( بكسر الباء) أو ربما محبطاً هو ذاته. فهو لم يتمكن من العثور على صيغة توافق مع «جمهوريي» الكونجرس من أجل إلغاء، أو استبدال قانون الرعاية الصحية بأسعار معقولة، وما زال يشعر بالمرارة تجاه السيناتور جون ماكين ( جمهوري- أريزونا) لتسببه في إخفاق مشروع قانون لمجلس الشيوخ كان على وشك التمرير.
وتحرك نحو «الديمقراطيين» من أجل عقد صفقة، لحماية «الحالمين» مقترحاً مساراً للحصول على المواطنة، لما يقرب من 1.8 مليون شاب لا يحملون أوراقاً ثبوتية كانوا قد جاؤوا إلى الولايات المتحدة وهم لا يزالون أطفالاً.
بدا ترامب مهتماً بخطة للحزبين، جرى إعدادها في مجلس «الشيوخ» إلى أن قام مستشاروه بسحبه من حافة صفقة، كانوا يرون أنها غير عاقلة. في نهاية المطاف، نجد أن جميع الصفقات المقترحة، قد سقطت تاركةً «ديمقراطيي» مجلس الشيوخ والإدارة، يوجهون أصابع الاتهام إلى بعضهم بعضاً في المسؤولية عن المشكلات.
والآن نجد ترامب منخرطاً في مسألة الأسلحة والمدارس في أعقاب إطلاق النار في إحدى مدارس فلوريدا، الذي أسفر عن مصرع 17 شخصاً. ويوم الأربعاء الماضي، صدم ترامب «الديمقراطيين»، و«الجمهوريين» على حد سواء، عندما أكد أنه يحبذ رفع حد السن المقرر الذي يسمح لصاحبه بشراء بندقية هجومية من 18 إلى 21 عاماً، من بين تغييرات أخرى يؤيدها.
وهذه المسألة، ستكون، على الأرجح، حاسمة بالنسبة للرئيس، الذي أدلى بتصريح مؤخراً قال فيه إنه من الضروري، في بعض الأحيان، أن يقوم بالتصدي للاتحاد الوطني للأسلحة. ولكن متحدثة باسم الاتحاد قالت في نهاية الأسبوع إنه لا يوجد خلاف بين الاتحاد والرئيس. مع ذلك، ليس هناك يقين لدى أي أحد بشأن مدى فاعلية ترامب وقدرته على التوصل لاتفاق. على العموم ابقوا منتبهين، لما قد تنتهي إليه هذه النقطة.
فوق كل ذلك يخيم، التحقيق المتعلق بروسيا الذي يرأسه روبرت مولر المستشار الخاص للرئيس. من الواضح أن الرئيس لا يزال غير سعيد حيال ما وصل إليه التحقيق حتى الآن، وهو الشيء الذي أكده انفجاره اللفظي في الجلسات التي عقدت يوم الأربعاء الماضي. الأمر المتعلق بالوجهة التي يمكن أن يأخذها هذا التحقيق، وما إذا كان هناك آخرون معرضين لمخاطر قانونية، لا يزال غير واضح للجميع، باستثناء مولر وفريقه، ربما. غير أن التحقيق يضيف شيئاً مقلقاً، على نحو خاص، إلى أجواء البيت الأبيض المضطربة منذ البداية.

*كبير مراسلي «واشنطن بوست» لدى
البيت الأبيض
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»