صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

«كبير الاقتصاديين» يغادر البيت الأبيض

جاري كون يصافح الرئيس الأميركي خلال لقائه مع مشرعين  جمهوريين وأعضاء حكومته في كامب ديفيد بولاية ميريلاند (رويترز)

جاري كون يصافح الرئيس الأميركي خلال لقائه مع مشرعين جمهوريين وأعضاء حكومته في كامب ديفيد بولاية ميريلاند (رويترز)

شريف عادل (واشنطن)

أعلن البيت الأبيض -الثلاثاء- استقالة جاري كون، كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومدير المجلس الاقتصادي الوطني، دون ذكر أي أسباب للاستقالة، التي لم تكن مفاجئة لأغلب المتابعين لتطور الأحداث داخل البيت الأبيض خلال الأسبوع الماضي. وقال معلقون إنه كان «الشخص الطيب الوحيد» المتبقي داخل البيت الأبيض.
وكانت صحيفة الواشنطن بوست أشارت يوم الجمعة الماضي، إلى أن كون هدد بالاستقالة إذا صمم الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تطبيق التعريفات الجمركية الجديدة، وأشارت صحف أخرى بعدها إلى أن كون ظل في منصبه بعد إعلان ترامب نيته فرض تلك التعريفات، فقط ليحاول إثناءه عن تطبيقها.
وترك كون منصب رئيس ومدير العمليات، أو الرجل الثاني، ببنك الاستثمار العملاق جولدمان ساكس العام الماضي، براتب سنوي يتجاوز العشرين مليون دولار، ليلتحق بإدارة ترامب، براتب لا يتجاوز 30 ألف دولار سنوياً، وهو أقل راتب يحصل عليه أي من موظفي البيت الأبيض الذين يعملون مع ترامب، إلا أنه حصل على مكافأة نهاية خدمة من البنك قُدرت وقتها بنحو 285 مليون دولار، أغلبها في صورة أسهم.
وعقب الاستقالة، قال كون في بيان صادر عن البيت الأبيض مساء الثلاثاء: «حظيت بشرف خدمة بلدي ووضع السياسات التي تدفع النمو لمصلحة الشعب الأميركي، وتحديداً لقانون الإصلاح الضريبي التاريخي». وشكر ترامب لإعطائه هذه الفرصة، ثم تمنى له وللإدارة النجاح في المستقبل. وبدوره، امتدح ترامب كون، وقال عنه: «هو موهبة نادرة، وأشكره على خدمته المتفانية من أجل الشعب الأميركي».
ويمثل تصميم ترامب على تطبيق التعريفات الجمركية المرتفعة على واردات الصلب والألومنيوم تهميشاً لدور كبير مستشاريه الاقتصاديين، الذي كافح على مدى شهور لعدم خروجها للنور، ولكن على ما يبدو، نجح ويلبر روس وزير التجارة، وبيتر نافارو مستشار ترامب التجاري، في إقناع الأخير بتجاهل نصائح كون. وقال مسؤولان بارزان في البيت الأبيض قبل يومين، إن كون عبر عن استيائه من القرار لزملائه، وقال إنه قد يغادر البيت الأبيض لو طُبق.
ويوم الاثنين، أبدى بول رايان، المتحدث باسم مجلس النواب، وعضو الحزب الجمهوري، قلقه من التعريفات الجمركية الجديدة التي ينوي ترامب تطبيقها على واردات الصلب والألومنيوم، وأصدر للمرة الأولى، رغم عدم رضاه عن قرارات سابقة لترامب، ما يشبه التحذير الضمني للبيت الأبيض من إقرار هذه التعريفات، قبل أن يعود يوم الثلاثاء ويخفف حدة انتقاده، ويطلب من ترامب أن يجعل نهج قرارات التعريفات الجمركية أكثر دقة في استهداف الدول التي تسيء استغلال العلاقات التجارية الحالية مع الولايات المتحدة. وقال رايان: «النهج الصحيح لن يؤدي إلى عواقب غير مقصودة».
وحاول كون الضغط لمنع فرض التعريفات الجمركية، باعتبارها إجراءات حمائية ترفضها الولايات المتحدة الأميركية، وعملت لعقود على إقناع دول العالم بعدم استخدامها. ومثلت غريزة ترامب الحمائية نقطة تعارض واضحة بينه وبين كبير مستشاريه الاقتصاديين، حتى كان التصادم الكبير بين كون والمستشارين المؤيدين للإجراءات الحمائية يوم الخميس الماضي، خلال مقابلة لترامب مع مسؤولين تنفيذيين بشركات الصلب والألومنيوم الأميركية، أعلن فيها ترامب قراره بفرض التعريفات. وألغى ترامب، بعد هذه المقابلة، مقابلة أخرى، رتب لها كون، مع مسؤولي الشركات التي تستخدم الصلب والألومنيوم في تصنيع منتجاتها.
وعقب استقالة كون، ورداً على سؤال حول حالة الفوضى في البيت الأبيض مؤخراً، بعد تزايد الاستقالات والاستبعادات، رد ترامب قائلاً: «فوضى؟ أي فوضى؟.. يوجد عشرة يتمنون هذا المكان يمكنني تعيين أي منهم فوراً»، وأضاف: «لا توجد فوضى (في البيت الأبيض)، وإنما طاقة رائعة، كما لم يحدث من قبل».
وتعرض كون إلى ضغوط كبيرة في أغسطس الماضي للاستقالة، بعد رد فعل ترامب المتخاذل على أحداث العنف التي وقعت خلال رالي بمدينة تشارلوتسفيل بولاية فيرجينيا، بعد أن اشتبك المنادون بتفوق العرق الأبيض White Supremacists الذين حملوا الشعلات النارية مع المتظاهرين السلميين ضدهم، وانتهى اليوم بمصرع أحد المتظاهرين السلميين الذي صدمته سيارة من المعسكر الآخر.
وقتها ساوى ترامب بين الطرفين، وقال: «أعتقد أن اللوم يقع على الجانبين». وكتب كون بعد تلك الأحداث استقالته وقتها، لكنه لم يقدمها، وقال: «لا يمكن مساواة المواطنين الذين يدافعون عن المساواة والحرية مع من ينادون بتفوق البيض والنازيين الجدد وأعضاء جماعة «كيه كيه كيه K.K.K». وأضاف: «أعتقد أن هذه الإدارة تستطيع، ويجب عليها، أن تفعل شيئاً أفضل لإدانة هذه الجماعات بصورة مستمرة وبشكل لا لبس فيه، وأن تفعل كل ما يمكنها لمعالجة الانقسامات العميقة الموجودة في مجتمعاتنا». وبالطبع لم تلق هذه الكلمات إعجاب ترامب.
وضغطت استقالة كون، على سوق الأسهم، رغم الإعلان عنها بعد إقفال الأسواق، حيث أكدت الاستقالة أن ترامب عازمٌ على فرض التعريفات، ما أدى إلى تزايد المخاوف من نشوب حرب تجارية، فتعثرت العقود المستقبلية لمؤشر داو جونز الصناعي، والتي تعد مؤشراً مهماً على ما ستفتح عليه الأسواق الآنية في اليوم التالي. وانخفضت العقود المستقبلية للمؤشر الأشهر في الولايات المتحدة الأميركية أكثر من 350 نقطة بعد الإعلان عن الاستقالة، كما انخفضت مثيلتها لمؤشر «إس آند بي 500» الأوسع نطاقاً بأكثر من 1%.
وكون، الذي هزت استقالته البيت الأبيض وأسواق المال، كان يعاني من عسر القراءة Dyslexia في سن مبكرة، وتنقل بين 4 مدارس قبل أن يصل إلى الصف السادس الابتدائي.