الملحق الثقافي

صمتٌ يضيءُ هَارْلِمْ

كيف نتحرّرُ من تمْييزٍ عُنصريٍّ يدومُ؟ سؤال حقيقيٌّ وقع في أذني وأنا أتوجّه نحو شارع مالكُوم إيكْس. (تمثال مالكوم إيكس في هارلم)

كيف نتحرّرُ من تمْييزٍ عُنصريٍّ يدومُ؟ سؤال حقيقيٌّ وقع في أذني وأنا أتوجّه نحو شارع مالكُوم إيكْس. (تمثال مالكوم إيكس في هارلم)

1
أناشيدُ
في الليْلِ تغادرُ الحُقولَ
شعْبُ الزّنوجِ
من أقْصَى الصَّمتِ جاءَ حاملاً نُدوبهُ
إلى مدينةٍ بلاَ مدينةٍ
هَارْلِمْ

علَى عتبةِ مانْهاتَنْ
هارْلِمْ
خلْفَ ناطحَاتِ السّحابِ في مانْهَاتنْ
هارْلِمْ

هُنا السماءُ تتّسعُ
تمْتدُّ
تسْتريحُ فوْقَ سطُوحٍ واطئةٍ
هواءٌ يرْفعُهَا
إلَى أعْلَى وأبعدَ

هنا السماءُ
كأنهَا أوّلَ مرّةٍ تنْشأُ
في غفْلةٍ عن المدينةِ الطوفانْ

هذه السماءُ بينَ النّاسِ تمْشي
حقولُ التبْغِ ثم القُطنِ
تتْبعُها
أنينٌ كلُّه صوْتي
هُنا إفْريقيا
بألوانِ الطبيعةِ مكتُوبةٌ
أصدّقُ
لي إخْوةٌ هُنا

أسمعُ السماءَ والأرضَ
في كلامٍ بأجْنحةٍ
خَفيفةٍ من قارّةٍ إلى أخْرى
يطيرُ
لا أحتاجُ إلَى دليلٍ
كيْ أعْثرَ على نهْرٍ منَ الأناشيدِ
في صدْري يصْطخبُ
يجتاحُ الأزمنة

انْظرْ إلى القادمِ
يرفعُ كتابهُ
«أنا أحبّكُمْ»
راقصاً يردّدُ
«أنا أحبّكُمْ»
في الصباحِ
والصباحِ الذي يليهِ
فقطْ
«أنا أحبّكُمْ»
زنْجيٌّ بجسْمه النّحيلِ راقصاً يُغنّي
«أنا أحبّكُمْ»

2
داخلي حقولُ التِّبغ والقُطْنِ تحْترقُ مراكبُ العُبوديةِ تغْرقُ الأجسادُ الموشُومةُ بالحديدِ المُحمَّى تصْرخُ نارٌ تتّقدُ في كاملِ جسَدي من أسفلِ الصُّراخِ صمتٌ بدمائهِ يتواصلُ منْ ولاَياتِ الجنُوب إلى هَارْلمْ

كلما اقْتربْتُ اخْتلطتِ الوُجوهُ عليَّ ضفّةُ الميلادِ في أدغالٍ إفريقيةٍ هي نفْسُها اليومَ معروضةٌ هنا الشوارعُ واسعةٌ بألواح الإشْهارِ برائحةِ البَخورِ بأغنياتٍ يعْسرُ أنْ تُزيحَها عنْ طريقكَ تفْصلَ بينَها وبيْنَ أقنعةٍ لم تعدْ مقدّسةً

أنينٌ منْ شُقوق الأزمنةِ يتسلّلُ أكادُ أبْصرُ أسلافَ العابرينَ عبيداً مُقيّدينَ يقْطعونَ المسافاتِ من الموانئِ نحْوَ حقُول التّبغِ والقُطنِ لا ينامونْ

كفّاً بكفٍّ صفَّقوا
لحريةِ
أن يُزيحُوا عنِ الصوْتِ الحَواجزَ
أنْ يكْسرُوا
قيودَ اللوْنِ الأسْودِ
أن يرْقصُوا
دائماً
لأجْلِ الذي يمكنُ أن يحْدثَ

الحريةُ
وجْهُها وجْهي
جيمسْ بالدْوينْ يقولُ

الحبُّ يدَا أمٍّ
تحْتضنُ الشّمسْ

3

كلُّ طُوبةٍ بُنيّةٍ في هَارْلمْ
كلُّ سُلّمٍ حديديٍّ
كلُّ مدْخلِ بيْتٍ هُنا
كائنٌ منْ مُوسيقَى البلُوزِ أو الجازِ ينزلُ
من أعْلَى الجُذورِ
إلى هُنا
حيثُ يولدُ مكْسُوّاً بأحْلامِ الفُقراءْ

في أعماقِ هؤلاءِ الأفارقةِ الأميركيّينَ
موسيقَى تتكلمُ
شجَرتُها تسْمقُ أغصانُها تتفرّعُ حتّى اللاّنهايةِ
فاتحةٌ منْ ينابيعَ تجْري

أبديةٌ هذهِ المُوسيقَى
تتقاسمُ سرَّها
أجسادٌ
ترقصُ ليْلاً وليْلاً
حتّى لا نهايةَ سوَى رقْصةٍ
منْ أقْصَى العطشْ

بعيدةٌ هذه الموسيقَى
مُضمّخةٌ بالطيُوبِ ونائيةٌ كأنمَا عيدٌ
من آخرةِ الليْلِ يستقبلُ آلهتَهُ
بأسْماءٍ
غيْرِ أسْمائهَا

لا أسْمعُ بلْ أتحلّلُ في ماءِ
هذه المُوسيقَى
أقفُ على عتبةِ جذْبةٍ
وأنا أضمُّ إلى صمْتي ضفّتيِ المُحيطِ الأطْلسيِّ
في
لحْنٍ واحدٍ
هو الحياةُ الموْتُ

لحْنٌ أراهُ يسيلُ بدمهِ الأسْودِ
لحْظةً بلحْظةٍ
نفَسٌ ينشقُّ على ذاتهِ
يُهديكَ الآنَ بعْد الآنَ ما لا تعْرفُ
منْ رياحٍ وأمطارْ

4
كيف نتحرّرُ من تمْييزٍ عُنصريٍّ يدومُ؟ سؤال حقيقيٌّ وقع في أذني على حين غرَّةٍ وأنا البارحةَ، 24 سبتمبر، أتوجّه نحو شارع مالكُوم إيكْس. اختلطتِ الرؤيةُ بالتخيُّلِ. عندما وقفتُ على الرصيفِ بانْتظار الضوءِ الأخضرِ رأيتُه يُجادلُ مارتن لوثر كينغ. عُنفٌ بدلاً من اللاَّعُنف. عندما اقتربتُ أكثر تذكرتُ اغْتيالهُ في 21 فبراير 1965

ألم يكنْ هذا السؤالُ آنذاكَ سيّد الحديث هناكَ هُنا؟ أليْسَ ضرورياً أنْ نسْتحضرَ ما لم نعدْ مُتعوّدينَ عليْه. المُقاومةُ. منْ أجل اسْم الأفارقة الأميركيّينَ؟ اسمٌ هو الحريةُ ذاتُها. من قبلُ «نيغْرُو، نيغْرُو». اسمٌ للعزْلِ. أعْني للدُّونيّةِ التي لا تتركُ مكاناً لتقاسُم الحياةِ والموْتِ باسْم مُشْتركٍ هو الأخوّة.

تخيَّلْتُهُ يصْعدُ المنْبرَ
بخفّةٍ يرفعُ يديْهِ
«المُساواةُ» شفاءٌ للْبيضِ والسُّودِ على السواءِ
كانَ يقولُ

بين كلمةٍ وكلمةٍ في الصدُورِ
«المُساواةُ» تتكوّنُ
دمعةٌ
دموعٌ تتحرّكُ بين حشْدِ الواقفينَ يُنصتونَ
إلَى
صَوْتهمْ في هَارْلمْ
مالكُومْ إيكسْ

كلمة «المُساواة» التي كانت تنقصُ الكلماتِ
أصبَحتْ مرْكزَ الكلماتْ

ماءُ نافورةٍ هُنا أوْ رغْبةٌ
كيفَ ينبثقُ أيٌّ منهُما
في حديقةٍ ممنُوعةٍ على الأفارقةِ الأميركيِّينْ؟

كانَ لا بدّ أنْ يحينَ موْعدُ الكلمةِ الناقصةِ
نجمةٌ
لا أحدَ يستطيعُ أنْ يسْرقهَا من حُلْمهمْ
نجْمةٌ
أوْضحُ من ليْلهمُ الطويلْ

في حقلٍ منْ أنينٍ
هذه النجمةُ كبُرتْ في اتّجاهاتٍ
لا تزالُ عواصفُها تهبُّ
على عَابرينَ
مثْلي

شُعلٌ لنْ يُغطّيَها الرمادْ

5

وجْهٌ يطلُّ على أرَاضي الصمْتِ ألمحهُ يزورُ الأقْدمينَ يطوفُ بالأكواخِ من منكمْ يُعلّمُني جلالَ الصّبْرِ يسألُ أهْلَهُ كانوا بصرْختهمْ هنالكَ في الجنُوبِ يُضمّدونَ جراحَ ذاكرةٍ وكانوا كلمَا خرجُوا من الظلماتِ يحْتفلونَ كانُوا ينشدُونَ ويرقُصونَ إذا الربيعُ أتَى إذَا الأصْداءُ هبّتْ منْ ندَى الأدغالِ في إفْريقيا وإذَا احْتفوْا بقُدومِ طفْلٍ ليْسَ ينْسَى أنّهُ منهُمْ

عذابٌ في عذابٍ هلْ تكذّبُ ليْسَ ما يبْقَى مُضيئاً للسُّلالةِ غيرُ هذا الرّقْصِ في ليلٍ من ليالي الصّمْتِ

حيُّوا نشيدَ الأقدمينْ
حيُّوا عُبورَ برُوقهِ الأُولَى
قريباً منْ غمامَاتِ الخريفِ إلى سَماءِ القلْبْ
هنا الأحفَادُ
يبْتدئُونَ عهْداً منْ منابعِ زُرقةٍ
لكأنّهُ أرضُ المُسْتحيلْ

6
سلامٌ على هارْلمْ
سلامٌ على أهْلهَا الأفارقةِ الأَميركيِّينْ
سلامٌ على أرضٍ يتجدّدُ فيها عهدُ «الفُهودِ السُّودْ»
سلامٌ على شجَرةِ نَسبٍ لا تتوقّفُ أغنياتُها منذُ أربعةِ قرونْ
سلامٌ على الذينَ ظلّوا يَسيرونَ أوفياءَ لمنْ كانُوا قبْلهم يَسيرونْ
سلامٌ على قمّة الذاكرةْ
سلامٌ على أغْصانٍ تنشرُ ظلالَ المُساواة
سلامٌ على الوعْد بالحَياةِ ليْلَ نهَارْ
سلامٌ على رائحةِ الحُلم في ابْتسامةِ الهارْلميينْ
سلامٌ على عتباتٍ لكلّ ضيْفْ
سلامٌ على ما يأتي باسْم طيُور تُضيءْ
سلامٌ على أطْفالٍ سيُولدونَ في أرضٍ تُحبّهمْ
سلامٌ على رياحٍ تتعدّدُ أسْرارُها
سلامٌ على نَظراتِ الذينَ كانُوا وحيدينْ
سلامٌ على حضورٍ يبعُد ويعْلُو
سلامٌ على أبديةٍ تظهَرُ يوماً ويوماً منْ جهاتِ السّلامْ

سلامٌ
في
توْزيعٍ مُوسيقيٍّ
سلامْ

7
مرّتيْن زرتُ من قبلُ هارْلمْ. مرةً أولَى في 1982 وثانيةً في 1996. كنتُ فيهمَا معاً ضمنَ وفْد. جمَاعةً أتيْنا ليْلاً إلى بيتٍ يُنظّمُ أمسياتٍ لموسيقَى الجازْ. لمْ تبقَ في ذاكرتي غيرُ سلسلةِ بيوتٍ بطُوبهَا البنّيِّ وفي مقدّمتها جالسونَ فوقَ الدُّرجِ أو الكراسي. بيوتٌ يُغطيهَا اللّيْل. ضوءٌ أصْفرُ شبيهٌ بضوءِ الفوانيس. داخلَ البيْتِ موسيقيّونَ. الجازْ. سهْرةُ الجازْ. على الحائط شجرة سُلالة الأفارقة الأميركيينَ تبيّنْتُ فيها من بين الأسلافِ كُلاًّ من أخناتونَ وإدريسَ الأولِ. ثم الجازُ. الجازْ. في ليلةٍ سأسمّيهَا ليْلةَ هارْلمْ.

إذنْ ها هوَ حظّكَ هذه المرة. سبتمبر 2017. إقامةٌ في فندقٍ وسطَ هارْلمْ. ألُوفتْ هارْلمْ. دفعةً واحدةْ. في بهْو الفندقِ نساءٌ نحيفاتٌ ورجالٌ، عارضاتُ وعارضُو أزياءٍ. موسيقَى الجازْ خفيفةٌ مثل ستائِرَ تُفتحُ وتُغْلقُ. رقصاتٌ في نهايةِ العرْضْ.

فرَحٌ مَا هجمَ عليَّ. فرَحٌ بأنْ أكونَ في نيويوركَ أخرَى. نيويورك التي خطّتِ اسْمَها في كتاب القرن العشرين باسْم المُطالبةِ بالمُساواة. نيويورك هارْلمْ. نيويورك الحركة الزنجيّة لإلغاءِ التمييزِ العُنصريِّ. منذ نهضةِ هارْلمْ في الثلاثينياتِ حتّى الثمانينيات. هارْلمْ. مالكومْ إيكسْ. مشردُ هارْلمْ. ملعونٌ. وعلى حين غَرةٍ هو ذا يحملُ شعْلةَ «لا» لتمْجيدِ ما سَيأْتي.

هارْلمْ المقاوِمةُ تتجاوبُ مع ولاياتٍ أميركية أخرَى. زنوجٌ ينْضمّونَ إلى زنوجٍ. يدٌ واحدةٌ بقبْضتهَا المرفوعةِ. ميدغارْ ويللّي إيفرسْ أوْ مارتنْ لوثر كينْغْ. حشودٌ تتوالَى. وفي هارْلمْ حركةُ فنانين. موسيقيين. مغنّين. تشْكيليين. كتّاباً. شعراء. روائيين. مسرحيين. مصوّرين. كلمةٌ واحدةٌ تتردّدُ. المساواةُ. التي تختصرُ معجمَ الصَّاعدينَ إلى أعالي المُطالبة بالحياةِ. زنجيٌّ وأبيضُ. معاً. كرامةٌ مكْتملةْ

أقرأُ
جيمسْ بالْدْوينْ
«طيّب، لا أظنُّ أن ثمةَ أملاً كثيراً في ذلكَ، أنت تعلم، أقولُ لك الحقيقةَ كلما طال أمدُ اسْتعمال الناس هذه اللغةَ الغريبة. إنها ليستْ مسألةُ ما الذي وقعَ للزّنجيِّ هنا أو للإنسانِ الأسْودِ هنا هي مسْألةٌ بالغةُ الحيويّةِ بالنسبة لي، أنتَ تعلمُ بل إنّ المسْألةَ الحقيقيةَ هي ما الذي سيحْدثُ لهذا البلد. عليَّ أن أكرِّرَ هذَا».

8

حقاً إنّني هنا في هارلمْ. أشمُّ رائحةَ المكان. الذي لم يتخلَّ فيه أحدٌ عن أصْلهِ. أمْشي تحتَ شمْسِ الخريفِ. أقفُ أمامَ كنسيةٍ أو مسْجدٍ أو مُتحفٍ. لكنْ ما الفرقُ بين أن أعرفَ هارْلمْ عن قُربٍ وبين أن أكون بعيداً؟ أوْ ربما أفْضلُ من ذلك. ما الفرقُ بين أنْ أكونَ اليوم هنا ثم بعد حين لنْ أكونَ هنا. كأنْ أكون ميّتاً بين الأمْواتِ؟ هنا الأفارقةُ الأميركيونَ. الذاكرةُ. الموسيقى. اللونُ البنّيّ. الجازُ. الرّقصَاتُ. ستبْقَى. وأعرف أنّني سأفْنَى. بينَ الحَياةِ والفَناءِ يدي تكتُبُ أثراً. هو وحدهُ الذي بهِ اليومَ أُسلّمُ على هارْلمْ

9
أنْجيلّا. زنجيّةٌ وأنثَى. أنجيلّا. في أرضٍ تُغلّقُ أبوابَ المُساواةِ. أنجيلّا. ما الذي تريدُ أكثرَ من هذا العذابِ المُضاعفِ؟ أنثَى وزنجيّةٌ. أنجيلّا. اسمٌ لأجنحةٍ تحْملُ الجسدَ مُصفّداً ولا يخْشَى أن يمْلأ الساحةَ أن يُهديَ كُليْماتٍ زُهيْراتٍ لكلِّ زنجيةٍ أنثَى.

في كلّ مرة. أنجيلّا. تشْرعُ الأبوابَ للحياةِ للحياةِ. كلما أقْبلَ النذيرُ اهْتدتْ بنجماتِ أول الليلِ في الجنُوبِ. هل منْ سبيلٍ إلى الحياةِ غيْرُ أغنيةٍ؟

لكِ الحقيقةُ. تدميرُ الخوْفِ. بلَى. ذكْرياتٌ لأربعةِ قرونٍ تنامُ تحتَ كلماتكِ. الآنَ أُشاهدُ وجْهكِ يشْرعُ الأبوابَ للحياةِ للحياةِ. سيدةٌ بقربي كانت تُخاطبُكِ وهي تنظرُ إلَى وجْهكِ في المُلصقِ: كيفَ لا أشْكرُكِ يا صَديقتي؟

أمامكِ زنْجياتٌ أخذْنَ مقاعدهنَّ في أقسام المدْرسةِ. غطسْنَ أقلامهنَّ في مدادِ الأزمنةِ. جميعُهنَّ ضفرْنَ شعُورهنَّ سنابلَ قمْحٍ. أيّتُها السنابلُ ارْتفعي أعْلَى وأبعدَ. إنّني ما زلتُ أجْلبُ من سطحِ الطفولةِ زهيْرات الغُنباز. أضعُها على أوْراقكِ. إنني هنا. في الذّهاب والإيابْ.

10
كنْ مبدعاً تكنْ حُرّاً
كنْ حُرّاً تكنْ مُبدعاً

على الجدرانِ كتاباتٌ كلها تذكّرُكَ بما كانت القوةُ السّوداءُ تنادي به بين كتّاب وفنانين. هنا يتجمّعونَ. هنا يكتبُون أو يرسُمونَ أو يُغنُّون أرضاً تحطّمتْ أبراجُ سجْنها القديم. أرضاً مفتوحةً في المُوسيقَى على سكْرتهَا. وفي الحُلمِ تُذكّرُكْ.

ستيّنياتُ ثمّ سبْعينياتُ القرنِ الماضي تخْترقُها البوارقُ. آنذاكَ هارْلمْ. كانتْ تتعلّمُ أن تكونَ حُرةً. أن يكونَ لوْنُ حياتها صافياً. أنْ تتردّد أصداءُ العالمِ في أغنياتهَا. تلك الأيامُ لا تغيبُ عن هارْلمْ.

لحظةُ الأنْفاسِ التي لا تنْهزمُ
فيها نداءُ الشمْسِ والأنهارْ

من الأقصَى
نداءٌ
في صُورةِ بُركانٍ
أوْ في صورةِ نشيدٍ أبصرهُ يجوبُ الشّوارعَ

واحدٌ هذا النداءُ
شمْسٌ توشْوشُ في الأحلامِ وأنْهارٌ تتدفقُ
ها أنا أنصتُ إليْهِ وهو يرْتفعُ دائماً

صمتْ

11
أمشي ولا أتْعبُ في نهارٍ مُشْمسٍ. أحياناً تعْترضُني بناياتٌ أو إعلاناتٌ. كأنّ عهدَ المالِ بدأ يقْضمُ هارْلمْ. هلْ أبالي أمْ لا أُبالي؟ شيءٌ ما عنيفاً يدقُّ الأبْوابَ. ولا أعرفُ هلْ من داخلي يأْتي أمْ خارجي. لنْ يرْحلُوا عن مكانهمْ. أصْداءُ هذا الصّوْتِ أحسّها تهزُّ أغصانَ الأشجارِ. من كلّ ناحيةٍ يرقصُونَ. موسيقَى الجازِ تعْلنُ عن نفْسهَا

بقوّةِ الصّمْتِ أرحلُ بينَ ضفّتيْنِ. بيْنَ زمنيْنِ. أرَى ماضياً ومُسْتقبلاً في آنٍ يسْتريحانِ على عشْبِ حديقةٍ. بلَى. هُنا أمْشي. وأسلّمُ على ذاكرة هارْلمْ.

طريقُ الصمْتِ في هارْلمْ
تتّسعُ لأربعةِ قرونٍ
ألوانهَا تتنوّعُ
أشجارُها تُسْرعُ الخُطَى خوْفاً من السقوطِ في الموْتِ
هنا ما يكْفي ليتكثّرَ الصّمْتْ

مزقٌ تبقّتْ منْ مُلصقاتِ إشْهارِ سهْرةٍ
في مسرح أبّولُو أوْ
منْ إعلانٍ عنْ حلقةِ الإنْشادِ في كنيسةٍ مهْجورةٍ
صورةُ وجْهِ سيّدةٍ لا شكّ أنّها
في لحظةٍ خاطفةٍ تذكّرتِ الأسْلافَ
أطفالٌ كأنهُمْ يسْبحونَ في نهْرٍ لا أراهُ
نوافذُ مفتوحةٌ وقْتَ المغيبِ على سماءٍ خلفَ السماءْ

لمْ أتخلَّ عنْ هذه الطريقِ
صمْتُها
صمْتُ هارْلمْ
ظلَّ في مكانهِ عالياً حتى لا قوةَ لي على الالْتحَاقِ بهِ

مُنخَطفاً أمْشي في الشّوارعِ أصْواتُها تُكلمني
كما لو كنتُ ابنَها الذي لم يسْتيْقظْ
قطّ
من آلامِ النشيدِ على لسانهِ
كما لو كنتُ لمْ أعدْ بعْدُ منَ حقول الجنُوبْ

12

صمتُ المكانِ يطوفُ حولَ الشمسِ والأنهارِ في وجهْي علاماتٌ بها أختارُ أنْ أعلُو قليلاً كيْ أحيّي الواصلينَ إلى هُنا جيلاً يُبشّرُ بعد جيلٍ بالكلامِ الحرّ ينهضُ واقفاً

سلّمْ
علَى هارْلمْ


أصداءُ من أقصى الجنُوبِ تعودُ في لحنٍ وأغنيةٍ هُنا زمنٌ تكوّنَ من فراشاتٍ لا شبيهَ لهَا تحلّقُ في شمالِ سمائنَا وجْهٌ يُضيءُ الليْلَ من جنَباتهِ لحْنٌ وأغْنيةٌ معاً يتعدّدان يُهاجرانِ إليْكَ من أرضٍ إلى أرضٍ هيَ الأصْداءُ فيكَ الآنَ أنْفاسٌ مُبعْثرةٌ سأُوصي القادمينَ بأنْ يظلوا واقفينَ هنا على قدميْن حافيّتيْنِ إيقاعٌ يُوحّدهمْ بأصْغر نيْزكٍ في الكوْنِ جُلْ بينَ السُّكارَى الرَّاقصينَ اخْفضْ يديْكَ لكيْ تضمَّ إليْكَ نَشْوتهُمْ تمتّعْ بالذي يعْلُو وفيّاً للْعلُوِّ الأرضُ حقلٌ من نُجومٍ لي هواءٌ مُنعشٌ

وجهٌ
فريدٌ قربَ تمثالٍ توقّف بُرهةً
لمْ ينْتظرْ أحداً
ولمْ يسألْ عن النسْيانْ
وحيداً ظلّ يرقصُ

رعْشةٌ سقطتْ

نشيدٌ
منْ دماءِ الصّمْت.