الملحق الثقافي

سريديفي كابور.. عيون الهند الغامضة

سريديفي كابور في أحد أدوارها التي تظهر قوة المرأة

سريديفي كابور في أحد أدوارها التي تظهر قوة المرأة

لم يشكّل غياب أيقونة السينما الهندية «سريديفي كومار» قبل أيام صدمة لمريدي أفلامها فقط، ولم يثر زوابع حزن والتباس وذهول لراصدي أعمالها في القارة الهندية وحدها، بل امتدت الصدمة بدوائرها الواسعة إلى أجيال من عشاق السينما في الشرق والغرب وفي المنطقة العربية والخليجية أيضاً، صدمة مردّها هذا الارتباط والوصل بذاكرة استعادية أثيرة، ولها ما يبرّرها من اشتباك جمعي مع صورة سريديفي ذاتها والتي قدمت ما يزيد على 300 فيلم خلال مسيرتها الفنية الحافلة، صورة ترافقت كذلك مع هيامات والهامات وطرائق فنية وتعبيرية دشّنتها السينما الهندية منذ بداياتها كحالة بديلة وتعويضية عن بؤس الواقع وشيوع الفقر وتردّي الوضع الاقتصادي في شبه قارة انطوت على أطياف هائلة من الأعراق واللغات والمعتقدات، أطياف قد تتعارض وتفترق في كل شيء، إلّا أنها اجتمعت وفي لحظة تاريخية فارقة على حب السينما وتقدير نجومها وتحويلهم في أحيان كثيرة إلى أساطير وأيقونات ونماذج خارقة.

صنعت السينما الهندية تحديداً مساراً افتراضياً يقود إلى انفصال مقصود، وارتحال لا واعٍ تجاه شاشة تمنح وعودها الحالمة ولا تشترط بأي حال تنفيذها، فهي تهب المتفرج مساحة من الغيبوبة اللذيذة، وبجرعات مضاعفة، كي يتعلّى لساعات قليلة فوق حطامه الذاتي، ويفكك ولو مؤقتا علاقته بمحيط ينطوي على مرارات وأوجاع انكسارات.
ولا يمكن لنا هنا أن نعمّم هذا التوصيف، حيث فرض عدد من المخرجين الهنود رؤيتهم المتفردة التي نقلت أوجاع المجتمع الهندي من خلال قصص إنسانية جامحة، وبأساليب فنية متجاوزة ومستقلة، وتفتح مزيدا من المنافذ أمام الصوت المختلف والنقد المخترق للنمط الإبهاري والتجاري.
ظهرت سريديفي صاحبة أجمل عينين وأكثرهما غموضا في تاريخ السينما الهندية وسط الموجة العالية للأفلام الترفيهية، وخاضت في تحولاتها، وتشكلت صورتها وشهرتها في ظلها وداخل حركتها المحمومة والضاجة بالتراجيديا كما بالكوميديا، بالقصص والتفاصيل المؤلمة كما بالبهجة والألوان المشرقة، بالحركة والعنف والمطاردات، كما بالحكاية المتروية والفواصل الغنائية المؤثرة والموزعة على زمن الفيلم فيما يشبه الاستراحات العاطفية وسط لهاث الصورة واندفاعها وتزاحمها.

نجومية مبكرة
ذاع صيت سريديفي مواليد 1963 قبل أن تكمل العاشرة من عمرها بعد اشتراكها كطفلة في عدة أفلام منفذة باللونين الأبيض والأسود في استوديوهات متواضعة بجنوب الهند، وكانت بدايتها مع الفيلم التاميلي «كاندان كاروناي» في العام 1967 ثم في فيلم «ثونيفان» وهي مازالت في الرابعة من عمرها، تلتها أفلام أخرى تستند على حوارات باللغة التاميلية والتيلوجو والمالايالامية والكنادية، وكان فيلم «جولي» هو أول أفلامها في بوليوود عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها، ولعبت أول دور للكبار في سن 13 مع الفيلم التاميلي «موندرو موديتشو» في العام 1976.
عرفت سريديفي واسمها الأصلي (شري أمايانغر أيابان) بإطلالتها المميزة واشتغالها الأدائي الأنيق والمتألق، الموصول بظاهرتين قد تبدوان متناقضتين وهما الأنوثة الطاغية والبراءة الصرفة، أنوثة نابعة من رومانسيات تمرّر عواطفها المحمومة من دون الاستعانة بالمشاهد الحسية الجريئة، وبراءة ارتبطت بطفولة لم تتخل عنها وبمشاغبات أليفة ظلت ساكنة فيها منذ أدوارها السينمائية المبكرة والراكزة في ملامح مراهقة يحيط بها الذئاب، ملامح ظلت نابضة فيها حتى بعد تجاوزها الخمسين من عمرها.

توازن
استطاعت سريديفي في الفترة بين أواسط السبعينيات وأوسط التسعينيات أن تستحوذ على اهتمام أباطرة بوليوود ومنتجي أفلامها ذات التكاليف الباهظة، والمردود الربحي الضخم أيضا، اعتمادا على ما تقدمه عاصمة الصناعة الهندية من اتجاهات وتيارات سينمائية متنوعة، وإن كان يغلب عليها الجانب التشويقي الموجه لقطاع واسع من مرتادي صالات العرض، ولن يخل هذا الجانب المهيمن من بعض الخيارات السينمائية المستقلة التي تصدت لها سريديفي وكانت تنتقي أدوارها فيها بدقة ومن دون ضغوط كبيرة وإملاءات صارمة كان يفرضها أصحاب رؤوس الأموال للحفاظ على عناصر الإثارة الظاهرية، والبهارات العاطفية، وإبراز الصراع المحتدم بين الخير والشر، لتحريك شباك التذاكر، واستقطاب أكبر عدد ممكن من الجمهور داخل الهند وخارجها.
ورغم هذه الضغوطات والإملاءات التي مارسها عليها المنتجون، بقيت سريديفي صامدة طويلا فوق تلك النقطة الحرجة بين التنازل والمقاومة، وظلت محافظة على منطقة وسطى تخصها، وانحازت أكثر بعد ذلك لصورة الأنثى القوية في السينما الهندية، خصوصا مع سيطرة الكليشيهات النمطية للمرأة، باعتبارها هامشا وظلا وشكلا مكملا للبطولة الذكورية في الأفلام، وكان من أبرز الأسماء الذكورية وأكثرها شهرة في تلك المرحلة: «آميتاب باتشان» و»راج كابور» و«دار مندرا» و«راجيش كنّا»، ولكن بعد عقد كامل من تنفيذها لأفلام تجارية بحتة منذ بداية الثمانينيات وحتى التسعينيات، ورغم وصولها لذروة الشهرة في تلك الفترة، قررت سريديفي القيام بحركة مضادة ودافعت عن موهبتها بشراسة قد تكون مستترة، ولكنها نجحت في إثباتها، خصوصا بعد تحقيقها لبطولة أنثوية خالصة في عدة أفلام محورية في تجربتها، وغيّرت بذلك نظرة الكثير من المخرجين والمنتجين لقيمة وحضور المرأة في الفيلم الهندي، كي لا تتحول إلى مجرد سلعة للإغواء الحسي، أو اعتبار جمالها شرطا وحيدا لضمان الفوز بدور رئيسي، خدمة للبطل الوسيم والمفتول العضلات.
هذا النضال الفني والنسوي بالأحرى الذي أبدته سريديفي لم يأت من فراغ، بل هو نتاج شخصيتها القوية، وحصيلة الكاريزما اللافتة التي امتلكتها مقارنة بممثلات الصف الأول في تلك الفترة، كما أنها اكتسبت خبرة مبكرة لم تظفر بها نظيراتها من الممثلات اللاتي ظللن خاضعات للمتنفذين في إمبراطورية بوليوود، خبرة ستمكنها لاحقا من الدخول بقوة في حقل الإنتاج ووضع شروط تلائم أبعاد ومضامين القصة والشخصية، ومن هنا أيضا تم وضع سريديفي في تصنيف مميز لنجوم السينما الهندية، يوازن ويقارب بينها وبين مكانة الممثل الأسطوري «أميتاب باتشان».

فيلموغرافيا
حسب التسلسل الزمني الذي يوثق لشهرتها، بدأت المسيرة الفعلية والأكثر صخبا لسريديفي في السينما الهندية عندما قدمت في العام 1983 فيلم «هيماتوالا» أمام الممثل الشهير جيتيندرا، وكان الفيلم واحدا من أهم النتاجات السينمائية الهندية في ذلك العام، وفي العام التالي عرض لها فيلم بعنوان: «تحفة» الذي صار تاليا أفضل أفلام عام 1984 وحقق لسريديفي مكانة بارزة بين ممثلات بوليوود، وقالت مجلة (فيلم فير) على غلافها: «أنها «بلا شك رقم 1».
شارك الثنائي جيتيندرا- سريديفي بعد ذلك في 16 فيلم معا أبرزها جاني دوست (1983) جاستس شودري (1983) موالي (1983) أكالماند (1984) باليدان (1985) سوهان (1986) غار سانسار (1986) دارم أدهيكاري (1986) وهيمات أور ميهانات (1987).
كما حققت نجاحا لافتا مع الممثل راجيش كانّا في أفلام مثل نايا كدام (1984) مقصد (1984) ماسترجي (1985) ونازرانا (1987). وفي العام 1986 أدت دور الثعبان التي تتحول إلى شكل امرأة في الفيلم الخيالي «ناغينا»، وحل الفيلم بالمرتبة الثانية لأفضل أفلام العام حيث ذكر موقع شباك تذاكر ??الهند أن سريديفي لا تزال «بلا منازع رقم 1» واعتبر فيلم «ناغينا» واحدا من أفضل الأفلام الخيالية عن الثعابين ووضعت صحيفة (تايمز أوف إينديا) فيلم ناغينا على رأس قائمة أفضل عشرة أفلام عن الأفاعي في السينما الهندية، كما أن رقصة «ذريدي دوشمان» كانت واحدة من أفضل رقصات الثعابين في بوليوود والتي ما زال وقعها المخيف حاضرا في ذاكرة مشاهدي الفيلم، وتم وصف سريديفي حينها بأنها إحدى أساطير السينما الهندية.
في العام 1987 قدمت سريديفي في فيلم «سيد الهند» مع المخرج شيكار كابور دور صحفية تحقق في الجرائم الغامضة وتتسلل متنكرة بين أفراد العصابات لكشف خدعهم وألاعيبهم، وتقمصت في الفيلم شخصية تشارلي تشابلن ممهدة بذلك لأسلوب الكوميديا السوداء كي تنفذ إلى السينما الهندية بشكل سلس ومن دون ادعاء أو إقحام، ونجحت من خلال هذا الدور في تحقيق حلمها المؤجل بإزاحة الطابع الذكوري التقليدي عن الصورة الشائعة لمتصدري البطولة في الفيلم الهندي، واستطاعت بأدائها العفوي مع الممثل «أنيل كابور» أن تفسح مجالا خصبا لحرية الممثل في الخروج الإيجابي عن النص، وصياغة مشاهد ارتجالية تمنح الفيلم نوعا من الحيوية والتوافق الطبيعي، والتواصل العاطفي مع المشاهد، بعيدا عن الحاجز الوهمي الكثيف الذي يفصل هذا المشاهد عن الأحداث المتحركة على الشاشة.
في العام 1989 لعبت سريديفي دورا مزدوجا في فيلم تشالباز (المحتالة) الذي يسرد قصة شقيقتين توأمين تنفصلان عن بعضهما البعض عند الولادة. وضعت مجلة فيلم فير أدائها في المرتبة الرابعة ضمن قائمة أفضل أداء مبدع في عقد الثمانينات في السينما الهندية مشيرة إلى «أن ميل سريديفي للضحك وقدرتها على النظر بعيون دامعة عند الحاجة أوصل أداءها إلى حدّ الكمال».
التقت سريديفي في العام 1991 مع المخرج ياش تشوبرا وقدما فيلم «لامهي» (ذكريات) والذي أدرجته صحيفة (تايمز أوف إنديا) في قائمة (أفضل 10 أفلام لياش تشوبرا) ووصفته بأنه عبارة عن حكاية حب تتجاوز حدود الزمان والمكان، لعبت سريديفي في الفيلم دور كل من الأم وابنتها في ما وصف بأنه «دور مزدوج آخر لكنه كان على خلاف ما لعبته من قبل». وقيل عن الفيلم أنه أحد أكثر الأفلام شهرة في مسيرتها الفنية، واعتبر الفيلم سابقا لعصره.
في عام 1992 تألقت سريديفي في الفيلم الملحمي: «الله هو الشاهد» أمام أميتاب باتشان، ولعبت في الفيلم دورا مزدوجا أيضا تمثل في المحاربة الأفغانية «بي نظير» وابنتها «مندي»، حظي الفيلم بشعبية كبيرة في أفغانستان وانطلقت أصوات النخب المثقفة هناك لزيادة دور السينما في بلد عانى طويلا من ويلات الحروب، وجاء الوقت المناسب مع هذا الفيلم كي يتعافى اجتماعيا ويتناسى مأساته من خلال نشر السينما والفنون والتحرر من قبضة التفاسير المشوهة والمتشددة للدين.

رحيق السينما الهندية
في الألفية الجديدة عادت سريديفي للسينما من بوابة الدراما الكوميدية بعد غياب دام ثماني سنوات، حيث لعبت دور البطولة في فيلم «إنغليش فينغليش» (2012) مع المخرجة الشابة غوري شيندي، وشاركها بطولة الفيلم النجم: أميتاب باتشان، عودة جاءت بعد خوضها لتجربة نفسية صعبة مع أزمة منتصف العمر، وقيامها بإجراء عدة عمليات تجميل لتحقيق عودة أخرى متألقة مع جمهورها العريض.
وكان آخر ظهور لها في فيلم «مام» (أمي) في العام (2017) الذي حقق لها الرقم 300 في مسيرتها الفنية ولعبت فيه دور الأم التي تنتقم من مغتصبي ابنتها.
سريديفي في النهاية هي رحيق وخلاصة هذا التاريخ كله، وهي الذاكرة الناعمة لمجد وميراث السينما الهندية، وتستحق امتنانا كبيرا وإجلالا فائضا نظير ما أثارته من قضايا حول معاناة المرأة في المجتمعات المغلقة، ومن تسليط الضوء على آلام المعذبين والمنسيين، وما منحته كذلك من بهجة مضاعفة لمحبي وصناع السينما في كل مكان وزمان.

ضوء وشغف
أضاءت سريديفي في مسيرتها الفنية منافذ تاريخية مهمة ترصد لتطور السينما الهندية، وكانت شاهداً على صعودها وانتشارها وعالميتها، وعاينت عن قرب تلك التفاصيل والتحضيرات المرهقة خلف الكاميرا وفي كواليس الأفلام، تفاصيل ساهمت دون شك في تجويد التقنيات السينمائية ومنحها بعداً حداثياً على مستوى الشكل، وبعداً جمالياً آخر لا ينفصل عن التراث الهندي العريق، بكل ما يعتمل في هذا التراث من شواخص مقدسة، ونوستالجيا شعرية، ومواضيع إنسانية رفيعة، وميثولوجيا عميقة، وتقاليد أصيلة، وشغف لا ينتهي تجاه الموسيقى والرقص وفنون الفرجة، وتوقير الجمال والتأمل والسفر الروحاني نحو الذات والآخر.

القوة الناعمة
بعد عقد كامل من تنفيذها أفلاماً تجارية بحتة منذ بداية الثمانينيات وحتى التسعينيات، ورغم وصولها لذروة الشهرة في تلك الفترة، قررت سريديفي القيام بحركة مضادة ودافعت عن موهبتها بشراسة قد تكون مستترة، ولكنها نجحت في إثباتها، خصوصاً بعد تحقيقها بطولة أنثوية خالصة في أفلام محورية عدة في تجربتها، وانحازت سريديفي خلال التسعينيات لصورة الأنثى القوية في السينما الهندية، خصوصاً مع سيطرة الكليشيهات النمطية للمرأة، باعتبارها هامشاً وظلاً وشكلاً مكملاً للبطولة الذكورية في الأفلام، وغيّرت بذلك نظرة الكثير من المخرجين والمنتجين لقيمة وحضور المرأة في الفيلم الهندي، كي لا تتحول إلى مجرد سلعة للإغواء الحسي، أو اعتبار جمالها شرطاً وحيداً لضمان الفوز بدور رئيس، خدمة للبطل الوسيم والمفتول العضلات.