الملحق الثقافي

الأنثوية.. علاج النسويَّة الجريحة

لا أحد ينكر اليوم السلطة الذكورية التي خضعت لها المرأة. تاريخياً وفي كل المجتمعات شرقاً وغرباً نظر إلى النساء ككائنات أقل مستوى من الرجال. إن تاريخ التحرر النسائي حديث جداً لم ينطلق إلا في القرن العشرين، حيث عملت النسوية على بناء أيديولوجيا متكاملة تعيد للنساء مكانتهن المعتبرة، وتغير في مجمل التصورات البائدة عن الجسد النسائي وعن كيانهن. ورغم هذا التاريخ القصير فإن الحركة النسائية استطاعت أن تفرض وجودها، خاصة مع الحركة النسوية الراديكالية.

حقق التحرر النسائي الكثير من المطالب التي كانت مبرمجة في كفاح المرأة النضالي، مثل الحق في التصويت والعمل والمساواة في الحقوق وغيرها. إلا أنه في الآن ذاته انتهى إلى جعل النساء النوع الأقوى على الساحة الاجتماعية. وبعد الهيمنة الذكورية La phallocratie التي كتب عنها بيير بورديو، يبدو أننا في حاجة اليوم إلى تفكيك هذه الهيمنة الجديدة للنساء La gynocratie.
إن المشكلة لا تتعلق باستبدال سلطة بسلطة أخرى مطابقة لها في الجوهر، ذلك أن الصراع حول امتياز السلطة هو صراع حول النفوذ والهيمنة، أكثر مما هو صراع حول البحث عن قيم اجتماعية جديدة. كما لا يتعلق الأمر بإثبات هل الرجل هو الأصل أم «المرأة هي الأصل» كما يقول عنوان كتاب لنوال السعداوي. ففي هذه الحالة لن تعيد النظرية النسوية سوى تكرار الميتافيزيقا الذكورية البائدة حول الأصل المهيمن، ولن تكون أبداً رؤية بديلة للعالم وقلباً لنظام القيم السائدة.
بطريقة أخرى، يكمن جوهر قضية المرأة في كيفية الانتقال من النسوية كأيديولوجيا نضالية إلى الأنثوية كقيم بديلة. إن السؤال الذي يفرض نفسه إذن هو: بماذا يتميز الوجود الأنثوي، وهل هذا الوجود قادر بالفعل على حل المعضلات التي خلقها تاريخياً نمط الوجود الذكوري؟

أنين النسويّة المعاصرة
بين سلطة النموذج وصعوبة تأسيس المختلف يقع هذا الأنين الخافت للنسوية المعاصرة، فقد تتمكن هذه الحركات من تحقيق إنجازات قوية في ميدان الفعل والعمل، وهو أمر لا شك فيه بالنظر إلى لائحة المطالب التي تحققت على أرض الواقع، غير أن مسألة تحقيق الذات تظل قضية أخرى. ففي كثير من الأحيان يبدو أن المرء يختفي وراء تحقيق نجاحات موضوعية، حتى يجنب نفسه طرح السؤال الحقيقي حول معنى حياته، وحول ما إذا كان العمل الذي يقوم به يسمح له بانفتاح الذات ونموها الداخلي.
إن الأمر يشبه ما أشار إليه هوبير بونوا في كتابه (التحليل النفسي والميتافيزيقا) حينما ميز بين مفهومين أساسيين لديه هما: الإنسان الزمني والإنسان الكلي، فهذا الأخير تكون حياته بشكل عام موجهة من أجل (تحقيق الكينونة)، بينما الثاني يميل أكثر إلى الاستجابة لما تمليه عليه تحديات الواقع الخارجي. بالنسبة للإنسان الكلي: «تكون الحالة الداخلية للتحقق هي الهدف الأساسي، ويكون الموضوع المتضمن في الفعل هو الهدف اللاحق {ليس من حيث الزمن، بل من حيث تكوين الفعل}، فالموضوع الخارجي عند الإنسان الزمني هو الهدف الأساسي، والحالة الداخلية للتحقيق هي الهدف اللاحق» (ص 276).
إنسان زمني وليس إنساناً كلياً، هذا هو الوضع الذي تحتله المرأة اليوم، والسبب يعود إلى أن الرأسمالية التي أصبحت كميتافيزيقا اقتصادية تريد محو الاختلافات بين البشر، ونشر النموذج الواحد، النمطي، الجاهز والمشترك بين الجميع، إنها تكره كل ما هو نوعي وخاص، متفرد، غير منضبط للنسق، ميال إلى خلق الفرادة والتميز.
لكن مع ذلك في هذه العملية تكمن مفارقة عجيبة يجب كشفها، فالرأسمالية التي تحاول أن تجعل كل شيء «زمانياً» وليس «كيانياً» بحسب التمييز السابق لبونوا، تحول في الآن ذاته الإنسان إلى ذات قلقة مغلقة على مصيرها، منسحبة إلى الوراء باحثة عن مكان لها خارج الدائرة النمطية، وبالتالي فهي تعيش وجودها منزعجة خائفة دوماً عما إذا كانت ستتمكن بالفعل من تحقيق هذا المشروع الاجتماعي الذي رسم لها سلفاً.
هكذا، فغياب الطمأنينة والسكينة وضعف العلاقات البشرية القائمة على التضامن والألفة، والسباق المحموم نحو التملك، والرغبة في التفوق عن طريق مراكمة البضائع، وتدمير الآخر بأي ثمن بغية الوصول إلى تحقيق النجاحات المادية مهما كانت صغيرة... كل ذلك هو ما يجعل المرأة اليوم عالقة في الأزمة الحضارية العامة التي تميز المجتمعات المعاصرة.
أن تتعرف المرأة على نفسها من خلال الآخر وليس من خلال طرح السؤال الخاص بكينونتها، هذا هو ما أسس التاريخ الحزين للحركات النسوية. ولكن علينا أن لا ننسى مسألة أساسية وهي أن التفكير في الوضع النسائي لا ينبغي النظر إليه مطلقاً، على أنه تفكير مناهض لمسألة العدالة التي ينبغي أن تحل بين الجنسين، فمن ينتقد التقنية مثلاً لا ينطوي فكره بالضرورة على نزعة مضادة للعلم، ومن يكشف عن انزلاقات الحداثة لا يدعو حتما إلى التقليدوية Le traditionalisme. علينا أن لا نفهم الدعوة إلى الاختلاف على أنها دعوة للحفاظ على ما يميز النموذج التقليدي القائم على تمجيد الخضوع والتبعية، فمثل هذا الاختلاف يصنع هوية ميتة غير متحركة، وهو ما يمكننا أن نسميه بالاختلاف الدوغمائي La différence dogmatique الذي يقوقع الذات حول وهم الهوية، بدل أن يجعل هذه الذات تعيش قلق الهوية.
وهكذا بالمثل، من ينتقد أوهام الحركات النسائية لا يتموقف حتما ضد تحرر المرأة، فمسألة الحقوق مثل حق التصويت، وحق العمل، والحقوق المدنية الأخرى كلها تبدو لنا أموراً لا ينبغي أن نشك في جدواها بالنسبة لكل مجتمع أراد بالفعل أن يتخلص من ثقل الماضي. إن ما ننتقده هو هذا التكرار الذي نعيشه اليوم للتجربة الرجالية بكل قيمها السلطوية والمركزية من طرف النوع الآخر أي المرأة. وبدل هيمنة الذكر نعيش هيمنة المرأة، في حين أن المطلوب من الحركات النسائية بلورة قيم جديدة مناهضة لقيم الذكورة. إنه لشيء بالغ الرمزية مثلاً أن تسمى مارغريت تاتشر بالمرأة الحديدية، فجوهر السلطة هو ذاته يترحل من نوع إلى آخر.

الأنثوية أم النِّسوية
تقدم الكاتبة دوريس ليسنغ فكرة طريفة في روايتها «الأنثى»، فهي تصور لنا مجتمعاً خيالياً يتكون فقط من الإناث إلى أن تبدأ النسوة في إنجاب الذكور، حيث تتم عملية الحمل فقط مع اكتمال الدورات القمرية، غير أنهن يرغبن في التخلص من هذه المواليد المسخية، فيضعن الأطفال الجدد فوق «صخرة الموت» كي تنهشهم العقبان، إلا أن النسور تحمل هؤلاء الذكور إلى الجبال، وهكذا يتكون مجتمع الرجال على الهامش. ما تطرحه دوريس ليسنغ إذن هو: هل بإمكان مجتمع أحادي الجنس أن يكون مجتمعاً سليماً وطبيعياً. إن الوجود برمته قائم على الثنائية، غير أنها ليست ثنائية ضدية يلغي أحدها الآخر، بل هي ثنائية تكاملية تضمن استمرارية الحياة.
نفس هذه الفكرة سبق أن طرحها الفيلم الشهير لفريدريكو فليني «مدينة النساء»، حيث نجد رجلاً يتعرض للازدراء والرفض من قبل العديد من النساء، هكذا فالفيلم عبارة عن سخرية وانتقاد لاذع للهيمنة النسوية على الرجال، فالسلطة في يد النساء لا تختلف في بشاعتها عن السلطة في يد الرجال.
فلسفياً تدخل النظرية التي تدافع عنها إريغاراي ضمن النسوية الباحثة عن الاختلاف، وهي النظرية التي تضم أسماء أخرى شهيرة مثل جوليا كريستيفا وأنطوانيت فكو وكارول جليغان. إن الأطروحة التي تقوم عليها هذه النظرية هي أن النسوية مطالبة اليوم بإعادة تعريف ذاتها عبر إبراز الهوية الاختلافية بينها وبين الرجل، بدل إلغاء هذه الهوية والانمحاء في ما هو ذكوري.
بطريقة أخرى نقول: إن التحقق الكامل للنسوية إذن هو الأنثوية، ولكن إذا كانت هذه الأخيرة عبارة عن قيم بديلة ومضادة لما أنتجه الفضاء العمومي الذكوري، فإن الأنثوية تقتضي بالضرورة تجاوز الصورة النمطية التي رسمها هذا النموذج الذكوري عن المرأة، بمعنى أن ما ينبغي أن تتحرر منه المرأة هو نموذج التحرر ذاته، بما هو تحرر إما أنه يدمج المرأة في النموذج الطبيعي الحسي، وهو الذي يلقى حالياً رواجاً كبيراً في الثقافة الرأسمالية الاستهلاكية، أو في النموذج الذكوري الجاهز والموروث تاريخاً.

حرب الأجناس القادمة
تتبلور النسوية كخطاب باحث عن السلطة أكثر مما هي خطاب يحمل رؤية للعالم تنطوي على قيم جديدة لحل معضلة الوجود. في هذه الحرب يكتشف النوعان معاً أنهما في نهاية المطاف أصبحا مهددين من قبل الأجناس الجديدة التي اكتسحت الفضاء الاجتماعي. يكفي أن نتأمل اليوم حالات المتحولين جنسياً، والأمازونيات والثنائيي الجنس، أو ما أصبح يطلق عليه الجنس الرابع، مثل كونشيتا ويرست الملقبة بالسيدة الملتحية، أو أزيس أو غيرهما.
في حرب الأجناس la guerre des sexes التي نعيشها حالياً ـ وهي غير مبررة إطلاقاً ـ يظهر أن النسوية هي التي تنتصر، غير أن الخاسر الأكبر هما النوعان معاً؛ أي المرأة والرجل. وكما أبانت لوسي إريغاراي Luce Irigaray فإن النوعين معاً يوجدان في ورطة نتيجة عدم فهم بعضهما البعض، ونتيجة التمثلات الوهمية التي صنعاها حول أنفسهما وحول الآخر، وإذن فهما في حاجة إلى اكتشاف اختلافهما؛ أي إلى إعادة تعريف معنى الرجولة ومعنى الأنوثة.
إن الحديث عن الأنثوية هو حديث عن قيم إنسانية عليا، وليس مجرد حديث عن جماليات حسية ينبغي للمرأة أن تتوفر عليها، كما يوهمنا بذلك خطاب الموضة المعاصرة. أو بطريقة مباشرة ليست الأنثوية عطراً وتنورة ورموشاً مهزوزة، وإنما الأنثوية تعين من تعيُّنات الوجود وشكل من أشكال الإقامة في العالم. وفي الآن ذاته لا يمكن أن ينحصر التحرر النسوي عند مجرد لائحة المطالب السياسية والحقوقية، لكن ما دامت الحركات النسائية فهمت التحرر على أنه خروج من الفضاء الأمومي إلى الفضاء العمومي، كما لو أن المرأة قادرة على تحقيق ذاتها فقط إذا ما أثبتت ذاتها في كل المجالات التي كانت حكراً على الرجل، فإنها اليوم تكتشف أن التحرر الحقيقي يفرض طرح مشكل الهوية والقيم البديلة للنظام الباترياركي. وإذا أردنا أن نتحدث بشكل مباشر فلنقل مثلاً بأن المسألة لا تتعلق بصراع حول السلطة، بل بضرورة إعادة تعريفها وبلورة شكل جديد لها. وقد آن الأوان للمرأة أن تمر من أيديولوجيا الكفاح إلى امتحان المصير وقلق الوجود، وهو امتحان نعيشه جميعاً، رجالاً ونساء، باعتباره أحد الأبعاد الأساسية للشرط البشري.

تكرار الهيمنة الذكورية
أن تتعرف المرأة على نفسها من خلال الآخر، وليس من خلال طرح السؤال الخاص بكينونتها، هو ما أسس التاريخ الحزين للحركات النسوية، ولكن علينا ألا ننسى مسألة أساسية، وهي أن التفكير في الوضع النسائي لا ينبغي النظر إليه مطلقاً، على أنه تفكير مناهض لمسألة العدالة التي ينبغي أن تحل بين الجنسين، فمن ينتقد التقنية مثلاً لا ينطوي فكره بالضرورة على نزعة مضادة للعلم، ومن يكشف عن انزلاقات الحداثة لا يدعو حتما إلى التقليدوية. وهكذا بالمثل من ينتقد أوهام الحركات النسائية لا يتموقف حتما ضد تحرر المرأة، فمسألة الحقوق تبدو لنا أمورا لا ينبغي أن نشك في جدواها بالنسبة لكل مجتمع.
إن ما ننتقده هو هذا التكرار الذي نعيشه اليوم للتجربة الرجالية بكل قيمها السلطوية والمركزية من طرف النوع الآخر أي المرأة، في حين أن المطلوب من الحركات النسائية بلورة قيم جديدة مناهضة لقيم الذكورة. إنه لشيء بالغ الرمزية مثلاً أن تسمى مارغريت تاتشر بالمرأة الحديدية فجوهر السلطة هو ذاته يترحل من نوع إلى آخر.

النوع الأقوى
استطاعت الحركة النسائية أن تفرض وجودها، خاصة مع الحركة النسوية الراديكالية. وحقق التحرر النسائي الكثير من المطالب التي كانت مبرمجة في كفاح المرأة النضالي، إلا أنه في الآن ذاته انتهى إلى جعل النساء النوع الأقوى على الساحة الاجتماعية. وبعد الهيمنة الذكورية التي كتب عنها بيير بورديو، يبدو أننا في حاجة اليوم إلى تفكيك هذه الهيمنة الجديدة للنساء. إن المشكلة لا تتعلق باستبدال سلطة بسلطة أخرى مطابقة لها في الجوهر، كما لا يتعلق الأمر بإثبات هل الرجل هو الأصل أم «المرأة هي الأصل»، كما يقول عنوان كتاب لنوال السعداوي.
في هذه الحالة، لن تعيد النظرية النسوية سوى تكرار الميتافيزيقا الذكورية البائدة حول الأصل المهيمن، ولن تكون أبداً رؤية بديلة للعالم وقلباً لنظام القيم السائدة.

سبب للشكّ
قديماً كان وجود المرأة برمته يتمثل في الخضوع والطاعة والامتثال المطلق للرجل، أما اليوم فكينونتها تتحدد في التماثل والتماهي مع التجربة الرجالية دون أن تتمكن بالفعل من الدخول في صيرورة تذويت نسائيsujétion féminine ينبع من كيانها الخاص، وهذا ما يجعلنا نشك في طبيعة المشروع التحرري النسائي اليوم، مادام أن النموذج العمومي قد حدد الرجل معالمه الأساسية، في حين تجد النسوية اليوم نفسها دون مضمون أنثوي حقيقي.