دنيا

بروز سريع لـ «ماتيريا» المتخصص في العلوم و «بوزيتيف» الناشر للأخبار «الجيدة»

باتريشيا ديليز رئيسة تحرير «ماتيريا»

باتريشيا ديليز رئيسة تحرير «ماتيريا»

يحمل عالم الصحافة والإعلام باستمرار الكثير من المشاريع المثيرة بنجاحها وجرأتها؛ ومنها تجربة موقع «ماتيريا» الإسباني للأخبار العلمية. ومشروع «بوزيتيف» البريطاني، الذي يسعى لتأسيس نهج جديد في التعامل مع الأخبار عبر ما يسمى أخبارا جيدة تتمثل بتقديم الحلول. واللافت، في التجربتين أيضاً أن المرأة تقود فريق العمل في كليهما.


أبوظبي (الاتحاد) - تأتي قصة موقع «ماتيريا» الأسباني المتخصص في الأخبار العلمية كواحدة من أبرز التجارب الناجحة على إمكانية حدوث مفاجآت تكسر القواعد والانطباعات السائدة في عالم الإعلام في هذه الفترة في وقت يمر فيه المشهد الإعلامي بالعديد من التحولات، وتتجه معظم وسائل الإعلام الإخبارية نحو التخفيف من التقارير الموجهة لجمهور متخصص أو حتى إزالتها، بما في ذلك تغطية المستجدات العلمية.
فقد برز فجأة هذا الموقع الذي يقول إنه لا يريد فقط ملء الفراغ في تغطية المستجدات العلمية، بل يطمح أن يصبح مرجعاً للأخبار العلمية في عالم الناطقين باللغة الأسبانية.
محتوى خاص
رغم حداثته، نجح موقع «ماتيريا» في تكريس نفسه للعلم والبيئة والصحة والتكنولوجيا، كما باشر التخطيط لإنشاء محتوى خاص باللوحات الرقمية والهواتف الذكية، وبتنظيم مؤتمرات وتظاهرات تتعلق بالعلوم، أما عن وضعه وإيراداته المالية فإنه يعكف على درس إمكانية طلب تبرعات من القراء. ولقد تم تدشين الموقع قبل أقل من عام فقط، لكنه أصبح يعد اليوم 185 ألف زائر خاص شهرياً.
وذكر تحقيق نشره موقع «آي جي نت.أورج»، التابع للمركز الدولي للصحفيين، أن بداية فكرة «ماتيريا» جاءت بعد إقفال إحدى الصحف، مثلها «مثل بداية العديد من المنصات الإعلامية الجديدة في أسبانيا حيث أدت الأزمة المالية وعمليات الصرف الكثيفة للموظفين إلى توليد روح المبادرة في الأعمال». وعلى وجه التحديد، بدأ التفكير في الموقع «العلمي» هذا بعد وقف الطبعة الورقية من الصحيفة اليومية «بوبليكو» في فبراير 2012، ما تسبب في جعل نحو 126 شخصاً بدون عمل.
وكانت «بوبليكو» تتميز بتغطية قوية للأخبار العلمية ما جعل عددا من القراء يعبّرون عن حزنهم لقرار إغلاق الصحيفة، كما تباكى البعض على الفراغ في أخبار التكنولوجيا والعلوم الذي سيتركه هذا القرار. لكن ردود الفعل كانت دافعاً قوياً لاستمرار صحفيي ومراسلي الصحيفة في تغطياتهم إنما من خلال تأسيس موقع «ماتيريا».
وتسترجع باتريسيا ديليز جو العزيمة، الذي وقف وراء هذا التوجه؛ فتقول «سنستمر بالقيام بما نقوم به، وهو نشر الأخبار العلمية يوميا». وباتريسيا ليست أي شخص فهي كانت رئيسة تحرير سابقة في «بوليتيكو» وأصبحت مديرة «ماتيريا».
ويجري الموقع حاليا عدة صيغ بشأن التمويل الذي سيكون جزء منه عبر الإعلانات التي يتم انتقاؤها بشكل دقيق ضمن توجه يرفض معلني توقعات الحظ والأبراج والمأكولات الخفيفة والشركات التي تسبّب التلوث أو «أي شركة لها نشاط يعتبر عدوانياً». كما تخطط إدارة الموقع لإنشاء محتوى خاص للوحات الكفية والهواتف الذكية وتنظيم مؤتمرات وتظاهرات على صلة بالعلوم.
دقة ومهنية
يلتزم محتوى «ماتيريا» ببضعة معايير أهمها النوعية والمصادر الدقيقة والمعلومات المتخصصة من جهة، وقابلية هذا المحتوى بالقبول والوصول إلى الجمهور العام وليس فقط المتخصصين.
وإضافة إلى ذلك فإن محتوى الموقع منشور بصيغة ترخيص الإبداع المشترك، الذي يتيح إعادة إنتاجه كلياً في وسائل إخبارية أخرى ولكن مع إسناد صريح للمصدر الأصلي. من خلال هذه الآلية التي ترفض قيود سياسة «حقوق النشر محفوظة» (وما تستدعيه من مطالبة بتعويضات)، تم إعادة نشر قصص ومقالات «ماتيريا» في أكثر من 200 موقع إخباري في العالم بينها «أل كومرسيو»( البيرو) و»«إل أوبزرفادور» (الأوروغواي) و«20مينوتس» (إسبانيا).
ومن بين الـ185 ألف زائر خصوصي للموقع هناك 70% من أسبانيا والـ30% الباقية من أميركا اللاتينية. وبلغ عدد المشاهدات المتراكمة للصفحات 1,5 مليون زيارة وللموقع أكثر من 43 ألف متابع على موقع تويتر، ولهذا يرى البعض أن «ماتيريا» تخطى التخصصية. وخلافاً لكثير من المدونات العلمية الشعبية، تتميز محتويات هذا الموقع بأنها «منتجة في غرفة أخبار مقرها في مدريد ويعمل فيها فريق مُكوّن من سبعة أشخاص».
وتقول ديليز «إننا نؤمن في قيمة غرفة الأخبار الفعلية عندما نختار ونحرّر وننشر المحتوى. فنحن نتحدث باستمرار عن المحتوى الذي ننشره».
ومن مفاعيل ذلك أن الموقع يرفض اعتباره «حاوية» لقصص مرسلة من صحفيين مستقلين لا تخضع لهيكلية تحريرية، كما أنها لا تتضمن ما يُصنّف في باب العلاقات العامة للإعلانات التجارية التي تتحدث عن جديد الشركات وخدماتها ومنتجاتها. من الأمثلة على محتوياتها مقال تناول دراسة عن كيفية استخدام علماء الأعصاب في النظام النازي أدمغة ضحاياهم لإجراء الأبحاث، وكيف أن اتصالات الإنترنت «الآمنة» يمكن أن لا تكون أكثر أمناً من غيرها أبدا. بمعنى ما، يرفض «ماتيريا» أن تسلك تغطياته خطى التيار السائد في وسائل إخبارية أخرى.
إلى ذلك، تقول ديليز إن «هناك الكثير من أخبار التكنولوجيا والعلوم التي هي في الواقع معلومات تجارية تم إلباسها قناع الابتكار على طريقة تم إطلاق النسخة الجديدة من ماركة هاتف ما. نحن لا نؤمن بذلك كمعلومات ذات صلة حقا بالعلوم».
نوع غير مسبوق
الأخبار العلمية ليست وحدها سببا لمثل هذا التفاؤل بالنجاح؛ فثمة فئات أخرى عديدة من المحتويات لم يتم حسن توظيفها بعد. الأمر يتعلق هنا بما يسمى «الأخبار الجيدة» التي اختارتها الناشرة نانسي ستيدل، التي تستعد لإصدار صحيفة ورقية في العاصمة لندن إنما من نوع غير مسبوق.
وقد خصصت الصحفية جيسي ماير مقالة لها على موقع «إي جي سي» للحديث عن هذه التجربة تحت عنوان «هل هناك طلب على الأخبار الجيدة؟» واستهلته باستشهاد ساخر عن نقاش دار داخل إحدى الصحف بأن عدد الوفيات لم يكن كافيا آنذاك لتغطية المساحة المخصصة للنشر، ثم تشير إلى أن القراء أيضا بدأوا يضجرون من الأخبار «السيئة».
ويسلط المقال الضوء على الناشرة ستيدل ومساعيها التي تتوجه لإصدار قريب لصحيفة ورقية في المملكة المتحدة تكون متخصصة في تحقيق ونشر الأخبار بطريقة جديدة تسمى «مخرجات إيجابية تركز على الحل».
و«بوزيتيف» عنوان الصحيفة المنتظرة وهو نفسه عنوان الموقع، الذي أطلقته في نوفمبر الماضي ستيدل ومعها فريق تحرير صغير. وهي الآن تنشغل في زيادة التمويل لمشروعها حتى تتمكن من إصدارها المطبوع.
فهي لا تكف عن محاولاتها للوصل إلى هذا الهدف. فقد سبق لها أن لجأت إلى مواقع حشد التمويل المتعدد المصادر التي تساعد المشاريع الإخبارية الجديدة عبر حملات لطلب مساهمة القراء بتمويل يعادل رسوم اشتراك لمحتوى لم يصدر بعد. لكن حملتها الأولى تلك التي جرت عبر موقع «كيكستارتر» المشهور في هذا المجال لم تبلغ الرقم المستهدف، وذلك لم يثنها على الاستمرار في السعي الحثيث نحو هدفها.
وفي مقابلتها مع كاتب المقال قالت ستيدل «تحتاج كمنصة جديدة لأن تكون مصمماً على التفكير بطريقة غير تقليدية من أجل مقاربة عدة طرق فيما يتعلق بمستويات مختلفة من التمويل».
وتركز ستيدل حالياً على البحث عن مستثمرين فرادى في الوقت الذي تستكشف فيه منصة أخرى لطلب تمويل متعدد المصادر، عبر موقع «إندياجوجو». ومن خلال التمويل الذاتي أتمت ستيدل تكاليف عملية تأسيس وإطلاق الموقع. وفريق عملها يعمل حاليا من شقتها الخاصة.
وعن الأسلوب الجديد في معالجة المحتوى؛ تقول إنه «يتعلق بالعثور على جانب إيجابي لخبر قتل مثلا، فهذه الأفعال هي مناسبة لنشر الوعي بالمشاكل». وتؤمن ستيدل بأن «بوزيتيف» هي أكثر من صحيفة «بل هي نموذج يمكن أن يحرك عقول الناس باتجاه إيجابي أكثر». وبعد إعداد فريق تحريرها، اتفقت ستيدل مع شركة لتصميم المواقع والعلامات التجارية من أجل تصميم الموقع وتطوير العلامة. وهي صبورة بشأن مشروعها. وترى أن عالم اليوم بحاجة لشيء مشابه لـ «بوزيتيف».
وتقول إن «الناس متعبون من قراءة الأخبار السلبية ويتعطشون حقاً لصحيفة مثل «بوزيتيف»، تقدم حلولاً للمشاكل التي تطرحها يوميا الأخبار الرئيسة السائدة».


«ماتيريا» يلتزم بالتشاركية
يتبنى موقع «ماتيريا» ترخيص الابتكار التشاركي لعدة أسباب بينها التأكد من أن تنال أخبار العلوم أكبر قدر ممكن من النشر. وتقول ديليز إن «الفرق الوحيد بين المجتمع القابل للازدهار والمجتمعات التي تتحول إلى مزدهرة هو استثمارها في العلوم.
والاستثمار في العلوم يستوجب أيضاً بذل الجهد في نشر العلوم. نحن نؤمن بأن هذه المعلومات يجب أن تصل إلى أكبر قدر من الناس أينما كانوا». كما أن تسهيل إعادة النشر في وسائل الإعلام الأخرى هي أيضا استجابة لنظام اقتصادي جديد»، حيث إن إعادة إنتاج الأخبار في وسائل الأخبار الأخرى لا تأتي بفوائد اقتصادية مباشرة. إلا أنها تؤدي إلى فائدة فيما يسمى في عصر الإنترنت بـ«اقتصاد الانتباه الاهتمام».
وبالفعل فقد حصل ماتيريا على نسبة مشاهدة أكثر من خلال ذكر واقتباس بعض محتوياته في منشورات أخرى كما أصبح له ترتيبه في محركات البحث.