عربي ودولي

«آي»: قطر تحاول استغلال نواب بريطانيين لـ«تبييض سجلها الأسود»

دينا محمود (لندن)

مسمارٌ جديدٌ في نعش الجهود القطرية المحمومة لشراء الذمم على الساحة الدولية، دقته وسائل إعلام بريطانية كشفت النقاب وبالأرقام عن جانبٍ من الأموال التي ينفقها نظام تميم بن حمد على تنظيم رحلاتٍ لنواب بريطانيين إلى الدوحة، بهدف استخدامهم في غسل سمعته الملوثة بدعم التنظيمات الإرهابية، ورعايته دعاة العنف والتطرف وأبواق الدعوة إلى الكراهية.
فقد أماطت صحيفة «آي» اليومية اللثام عن تفاصيل دراسةٍ تحليلية أظهرت أن قطر تشكل واحدةً من مجموعة دول أنفقت مجتمعةً ما يزيد على 660 ألف جنيه إسترليني (قرابة 910 آلاف دولار)، في صورة نفقات ضيافة لـ 183 عضواً في البرلمان البريطاني على مدى خمس سنوات، اعتباراً من 2013 وحتى العام الجاري.
ويؤكد ذلك- بحسب مراقبين- انخراط نظام الدوحة في ممارسة سياسة ما يسمى «شراء الولاءات» في الدول الغربية، حتى قبل اندلاع الأزمة بينه وبين الدول الأربع (السعودية والإمارات البحرين ومصر)، وهي تلك المعروفة باسم «أزمة سحب السفراء»، والتي نشبت في مارس عام 2014 عندما سحبت كلٌ من السعودية والإمارات والبحرين سفراءها من الدوحة، بسبب عدم التزام نظامها الحاكم بمقرراتٍ تم التوافق عليها في إطار مجلس التعاون الخليجي.
وفي سياق استعراضها للدراسة، قالت الصحيفة - ذات توجهات يسار الوسط - إنها تكشف حجم التبرعات التي تلقاها عددٌ من أعضاء مجلس العموم في المملكة المتحدة والزيارات التي تمت دعوتهم للقيام بها على مدار السنوات القليلة الماضية. وأشارت «آي» - في تقريرٍ إخباريٍ إلى أن تفاصيل هذه الدراسة تؤكد أن النظام القطري نظم خلال هذه الفترة رحلاتٍ قادت 21 من أعضاء البرلمان البريطاني إلى زيارة الدولة المعزولة، بإجمالي نفقات تصل إلى نحو 107 آلاف من الجنيهات الاسترلينية (ما يناهز 148 ألف دولار).
وأكد التقرير أن تلك الأرقام أثارت اتهاماتٍ لساسة بريطانيين بأنهم يُستخدمون لتبييض سمعة بعض من دول العالم صاحبة السجل الأكثر سواداً على صعيد القمع وانتهاك حقوق الإنسان، وذلك في إيماءة لا تخفى إلى قطر التي تعاني منذ مطلع يونيو الماضي من عزلة دبلوماسية واقتصادية على الصعيدين العربي والإقليمي، بفعل تشبث النظام الحاكم في أراضيها بسياساته التخريبية والمُزعزعة للاستقرار.
ورسم تقرير الصحيفة صورةً لملامح الضيافة الباذخة التي حَرِصت الدوحة على توفيرها للنواب البريطانيين خلال زياراتهم، قائلاً إن ذلك تضمن حجز تذاكر طيران لهؤلاء النواب على الدرجتين الأولى والاقتصادية وتسكينهم في فنادق من فئة الخمسة نجوم. وأبرز في مؤشرٍ على أن هذه الرحلات لم تكن تستهدف سوى استجداء الدعم من الحكومة البريطانية عبر استمالة النواب المنتمين إلى حزب المحافظين الحاكم، حقيقة أن أكثر من 80% من أعضاء البرلمان الذين شاركوا في الزيارات التي شملتها الدراسة التحليلية، كانوا من المنتمين إلى هذا الحزب. وأفادت الأرقام أنه بين 183 نائباً شاركوا في تلك الرحلات، كان هناك 148 ينتمون لحزب المحافظين.
ويهيمن «المحافظون» على السلطة في لندن منذ عام 2010، سواء عبر مشاركتهم في حكومة ائتلافية مع حزب الديمقراطيين الأحرار عقب الانتخابات العامة التي جرت في تلك السنة، أو من خلال قيادتهم للحكومة منفردين بفضل نتائج انتخابات عامي 2015 و2017. لكن ذلك لا يعني أن الرحلات التي أقلت نواباً بريطانيين إلى قطر، اقتصرت على أعضاء البرلمان عن حزب «المحافظين»، فقد أشارت البيانات التي نشرتها «آي» إلى أن الزيارات الخارجية التي قام بها النواب، شملت ممثلين عن مختلف الأحزاب الكبرى في المملكة المتحدة، بما في ذلك حزب العمال المعارض وحزب الديمقراطيين الأحرار، والحزب الوطني الأسكتلندي.
وفي مقارنةٍ تفضح ما تقوم به الحكومة القطرية من تقديم «رشاوى سياسية» في صورة رحلاتٍ لنواب وسياسيين، قال التقرير إن الفترة التي شملتها الدراسة التحليلية والممتدة بين عامي 2013 و2018، لم تشهد إنفاق الدول الحليفة لبريطانيا في أميركا الشمالية والاتحاد الأوروبي أي أموال لتنظيم رحلاتٍ مماثلة لنواب بريطانيين إلى أراضيها، وهو ما يؤكد عدم حاجة تلك الدول إلى تبديد أموالها على حملات تضليلٍ وشراءٍ للولاءات.
وفي الوقت الذي حاول فيه النواب البريطانيون - الذين شاركوا في تلك الرحلات - الدفاع عن أنفسهم عبر التأكيد على أن الهدف من زياراتهم لدول ذات سجلٍ قمعي - مثل قطر - لم يكن يستهدف سوى تعزيز قدرتهم على إصدار «أحكامٍ مبنية على علمٍ ومعرفة، بشأن دولٍ تخضع تصرفاتها لتدقيق من جانب البرلمان البريطاني، والتواصل مع أنظمة هذه الدول بهدف تشجيع إجراء إصلاحات، أبرزت صحيفة «آي» ما يقوله نشطاء من أن الإنفاق الباهظ على مثل هذه الرحلات «يثير مخاوف جدية بشأن (إمكانية وجود) استراتيجية علاقات عامة منسقة تستهدف نواب البرلمان، وتسعى لتحسين صورة أنظمة قمعية» (في إشارة واضحة إلى أنظمة حكم ذات سجل ملوث على الصعيد الحقوقي مثل النظام الحاكم في الدوحة).
ونقل تقرير الصحيفة عن دنكان هيمس، المسؤول البارز في فرع المملكة المتحدة من منظمة الشفافية الدولية المرموقة في مجال محاربة الفساد، قوله إن بعض النواب البريطانيين يبدون حريصين على أن يحظوا بالضيافة في رحلاتٍ مدفوعة الأجر بالكامل، ليس هناك علاقة بين الكثير منها وبين واجباتهم البرلمانية، على ما يبدو. ومضى قائلاً إن قبول القيام بزياراتٍ مثل هذه يعكس «تبني أحكامٍ غير دقيقة في أفضل التقديرات، بينما (يعني) في أسوأها (إلقاء هؤلاء النواب) كلماتٍ تطري سمعة أنظمة قمعية وفاسدة»، في إشارة لحكام الدولة المعزولة، على ما يبدو.
أما أندرو سميث، وهو من منظمة تناوئ بعض مبيعات الأسلحة البريطانية للخارج وتولت جمع البيانات التي أُعدِتْ على أساسها الدراسة التحليلية، فقد وصف - في تصريحاته لصحيفة «آي»- عمليات استضافة النواب البريطانيين بشكل باذخ من جانب بعض الدول بأنها «عمليات غسيل سمعة تجري على أرض الواقع». وقال في إشارة بأصابع الاتهام إلى النظام القطري،«إن هذه الأنظمة التي تستضيف النواب البريطانيين لا تنفق أموالاً طائلة على توفير رحلات وفنادق باهظة التكاليف للنواب حتى تكون (أنظمة) طيبة. إنها تفعل ذلك حتى تكسب أصدقاء وتزيد نفوذها في ويستمنستر»، وأضاف إنه يتعين على هؤلاء النواب رفض تلك الرحلات والضيافة المُترفة المقدمة لهم «إذا كانوا يريدون مناصرة حقوق الإنسان والديمقراطية».
ومن بين النواب الذين تثور شبهات حول رحلاتهم الخارجية، مارك منزيس وهو عضو في البرلمان عن دائرة تشكل مقراً لمصنع شركة «بي إيه إي سيستمز» للصناعات الجوية والدفاعية. وقد شملت زيارات منزيس قطر التي اشترت من هذه الشركة قبل شهور 24 مقاتلة من طراز «تايفون» بقيمة تصل إلى خمسة مليارات جنيه إسترليني (6.7 مليار دولار).
وقد يكون من شأن التقرير الذي نشرته صحيفة «آي»، إيضاح ملابسات زيارة وفد برلماني بريطاني إلى قطر في الخريف الماضي، وهو الوفد الذي سعت السلطات في الدوحة لاستغلال وجوده لأغراضٍ دعائية، بلغت حد الادعاء بأن أعضاءه أصدروا تقريراً بشأن ما وُصِفَ بـ«التداعيات والآثار السلبية للمقاطعة» التي يعاني منها «نظام الحمدين». ولكن وسائل إعلام إقليمية أثبتت قبل أسابيع كذب هذه المزاعم، مؤكدة أن عدداً من النواب البريطانيين، الذين ذُكِرتْ أسماؤهم على أنهم وقعوا على ذلك التقرير المزعوم، ليسوا على علمٍ به من الأصل.
وتتواكب حملة شراء الذمم القطرية في بريطانيا مع جهودٍ مماثلة يبذلها حكام الدوحة على الساحة السياسية الأميركية. وتتركز هذه الجهود على منظمات اللوبي الصهيوني، التي يعتقد نظام تميم أن لها نفوذاً واسعاً في البيت الأبيض. وقبل أسابيع، كشفت صحف أميركية أن النظام القطري يغدق أمواله في الوقت الراهن على 21 من جماعات الضغط التي تعمل على الساحة السياسية في الولايات المتحدة، وذلك بموجب تعاقداتٍ أُبْرِمتْ بين الجانبين منذ العزلة التي فُرِضتْ على هذا النظام منذ أكثر من تسعة شهور.