الإمارات

الشباب حائط صد ضد العنف والأفكار الهدامة

ناصر الجابري (أبوظبي)
سعت الجماعات الإرهابية لاستغلال بعض الفجوات لتمرير أفكارها الخبيثة، وتقديم خطاب مسموم يخفي خلفه رغبة دفينة بنشر العنف والظلامية، فحاولت الوصول إلى الشباب مباشرة في وسائل التواصل الاجتماعي التي غدت اليوم المصدر الأول لتلقي المعلومة، للإيقاع بهم في شركها الملغوم.. فكيف نجعل الشباب حائط صد ضد التطرف الفكري والعنف وليس وقوداً له؟ «الاتحاد» استطلعت آراء عدد من المختصين والشباب حول هذه القضية للتعرف إلى سبل مواجهة هذه المشكلة، ودور مؤسسات المجتمع ومسؤوليتها في تحصين الشباب، وتوجيه طاقته لخدمة المجتمع والمساهمة في تمنيته.

قنوات التواصل
تؤكد الدكتورة نضال الطنيجي عضو المجلس الوطني الاتحادي، مدير عام دار زايد للثقافة الإسلامية، أن مرحلة الشباب تعد أهم مرحلة عمرية، لما يمتلكه الشباب من مستويات عالية من الطاقة، إضافة إلى الرغبة في تحقيق الذات، وبالتالي علينا في مختلف الجهات، وفي تعاملنا المباشر معهم، أن نعي هذه المميزات، وخصوصية هذه المرحلة، وهذا متوافر اليوم في دولة الإمارات، فتعيين معالي شما بنت سهيل المزروعي وزيرة دولة لشؤون الشباب، وإنشاء مجلس للشباب، يبينان الوعي الكامل بالطاقات المتوافرة في شباب الدولة.
وأضافت: «يبحث الشباب بشكل عام عن تحقيق الذات، وعلينا منح المساحة لهم لطرح التساؤلات، وخلق قنوات التواصل الإيجابي مع أفكارهم، وأطروحاتهم في الخطط، والاستراتيجيات المستقبلية، كما يبرز دور الحوار في تغذية الفكر السليم الذي يؤدي إلى تحقيق مجتمع يستفيد من وجهات نظر شريحته الأكبر».

الوعي الديني
وقال فضيلة الشيخ نايف العامري، إمام وخطيب جامع الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان بمنطقة الفلاح: «من المهم أن نعمل على تعزيز جوانب التنمية الفكرية للشباب، والتحصين من خطر الأفكار الهدامة والمتطرفة التي تبتغي النيل من منجزات دولة الإمارات، وتسعى إلى الخراب والتدمير، وإفشاء العنف».
وأضاف «الدور الأساسي يكمن في الأسرة، ومتابعتها ومراقبتها لسلوكيات الابن، فمن المهم أن تلحظ الأسرة ما يقوم به، وما يُتابعه من برامج، وما يروّج تجاهه من أفكار، كما على الأسرة واجب توعوي من خلال التربية السليمة التي تنتج فكراً ناضجاً، قادراً على تمييز صحيح الدين، فغياب الأسرة قد يؤدي إلى وقوع الشاب في منزلق التطرف والأفكار الظلامية».
وتابع: «على المناهج اليوم أن تحتوي على مواضيع تخص التحذير من الأفكار الخاطئة والمتطرفة التي لا تمت للدين بصلة»، مؤكداً أن الولاء للوطن، وترسيخ معانيه السامية، والعمل على تقوية الجانب الفكري بالمواضيع الهادفة، هي جميعها أسس صد في تعزيز تنمية الشباب الفكرية.

المسؤولية المجتمعية
وحول ما يتعلق بالجانب التعليمي، قالت الدكتورة وفاء أحمد أستاذة جامعية وروائية: «أقوم بتدريس الطلاب والطالبات مساق الدراسات الإماراتية، وهو مطبق في الجامعات الحكومية كافة، ويتناول عدداً من الجوانب، منها أنه يساعد الشاب على أن يمتلك نظرة تجاه المستقبل، ويقوم بتأهيل الشاب لأن يصبح قائداً في المستقبل، ونحن في مجتمع ثلثاه تقريباً من الفئة الشابة، فهم أساس التنمية الذي تعتمد عليه دولة الإمارات خلال نظرتها للمستقبل، وهذه المساقات لها مردود ينعكس إيجاباً على الطلاب، وفي استثمار طاقاتهم، وتوجيهها نحو الاتجاه الصحيح». وشددت على أنه من المهم غرس معاني «المسؤولية الاجتماعية»، أي أن يكون الشاب مُدركاً لأنه جزء متفاعل في محيط مجتمعه، ولديه من الوعي الكامل بدوره في المجتمع، واليوم يعاني البعض قلة الوعي بهذا المفهوم بسبب تدليله في الصغر، وهنا يبرز دور الآباء والأمهات، مطالبة بضرورة أن يضطلع الأب بدوره ومسؤوليته تجاه أبنائه، فلا يوجد معوّض لدوره في حال غيابه عن المنزل، فالدور تكاملي، ومتسلسل، وكل شيء يغرس في الصغر ينعكس لاحقاً في الكبر.

إثراء النقاش
وقال عبدالله عبدالرحمن الهاشمي، سفير في الاستراتيجية الوطنية لتمكين الشباب: «لعل من أبرز الطرق التي نفتقر إليها من وجهة نظري لتعزيز التنمية الفكرية في مجتمعاتنا العربية، هي جلسات الحوار والمناظرة، فنحن بحاجة لدفع الشباب للحوار والنقاش أكثر، والتفكر في وجهات النظر المختلفة، ما سيسهم في توسيع مداركهم، وزرع آداب الحوار والاختلاف فيهم، فعبر المناظرات وجلسات الحوار، سيدرك الشباب كيف تصنع المعلومة، وما مدى أهمية المصداقية، والتوثيق في صناعة المعلومة، وهي أمور لا يلقى لها بال في عصر التواصل الاجتماعي، حيث الخبر يكون في جملة، وحيث لا يوجد هناك مجال للحوار، وطرح النقاط العميقة».
وأشار إلى أن وسائل التواصل في عصرنا الحالي لها تأثير كبير لا يخفى على أحد، خاصة في مسألة التطرف، وللأسف هناك حضور كبير للمتطرفين على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، والفئة المستهدفة الأولى هي فئة الشباب.

الحداثة في التعليم
أما الكاتبة الشابة أمل البلوشي، فترى أن استغلال طاقات الشباب لا يمكن أن يبدأ في حالة وجود نظام تعليمي تسوده التقليدية، مؤكدة أهمية أن ينتشر في مجتمعاتنا كافة نظام عصري للتعليم، يمتاز باستشرافه للمستقبل، ويعتمد على طريقة الأسئلة، والتفكير الناقد، لا أن يكون مكتفياً بالتلقين والحفظ.
وتابعت: «التنمية الفكرية لا تتحقق في وجود جمود فكري، يكون فيه الطالب مجرّد حافظا للمعلومة، لا فاهماً لأبعادها كافة، ونحن في دولة الإمارات لدينا اليوم حكومة تعمل لأجل المستقبل، وهذا المستقبل يبدأ من تشكيل المناهج، ورسم خطة تعليمية تشجع الطالب على أن يبادر بالسؤال، وأن نعمّم مفهوم الطالب «الباحث» حتى في المراحل الدراسية الأولى، لكي لا يكون الطالب حبيس الكرسي، فالانطلاق الفكري الذي ستتضمنه هذه النوعية من المناهج، سيرفع مستوى الأفق الفكري لشبابنا».

الجانب المعنوي
وقالت الطالبة وفاء أحمد القحطاني، إن الكثير من الشباب يمتلك الأفكار التي من شأنها أن تسهم في تطوير محيطه ومُجتمعه، ولكن للأسف يواجه بإحباط من قبل بعض المسؤولين في العمل أو الجامعات، فيرتد ذلك عليه بشكل سلبي، ويُحجم عن التفكير أو إظهار الرأي، مضيفة أنه يجب التوسع في تقبّل أفكار الشباب واحتوائها وتقويمها. وتابعت: «الشباب بحاجة إلى التحفيز المعنوي، والتشجيع المُستمر، والكلمة الطيّبة، فمفعول الكلمة في بعض الأحيان يحوّل الشاب من شخص غير منتج إلى صاحب إنتاجية كبرى، والشاب بخصوصيته يتأثر كثيراً بالكلمة، فقد يُقتل الطموح بسبب اصطدام فكرة الشاب أو عدم تقبلها وإهمالها». وحول دور أقسام شؤون الطلبة في الجامعات، توضح وفاء أحمد أن هناك دوراً غائباً أو نسيان أهمية شؤون الطلبة باعتبارهم القسم الذي يربط ما بين الطالب المنتمي للمؤسسة التعليمية، وإدارة المؤسسة، وعلى هذه الأقسام مسؤولية كبرى في تبني الأفكار الجديدة، ودعم المشاريع الطلابية، وإظهار المواهب إعلامياً، وتقديم الدعم المادي والمعنوي، وإشعار الطالب أنه جزء له قيمته في هذه المؤسسة.

أساس التنمية
وقال الطالب حمد المعمري: «ما تقوم به القيادة الرشيدة في دولة الإمارات، هو مفتاح الحل لجميع القضايا التي تواجه الشباب على الصعيد العربي، فمناهجنا التعليمية زاخرة بالمواضيع التي تحث على الاعتدال، وفهم العالم بالشكل الصحيح، ودولتنا ضربت مثلاً في التسامح والتعايش الذي يجمع مئتي جنسية من جميع دول العالم». وأضاف: «ما يحتاج إليه الشاب العربي بشكل عام، هو أن يمنح الفرصة كما منحتها الإمارات عبر مجلس الشباب، وأن تتم زيادة الوعي بأثر وسائل الإعلام الحديث، ففي ظل النمو المتزايد للمواقع والحسابات الإلكترونية، من الصعب حصرها أو مراقبتها، ولن يجدي ذلك بقدر وجود الرقيب الذاتي في ذهن كل شاب». وتابع: «لدى الجماعات الإرهابية لجان إلكترونية ناشطة عبر مواقع التواصل، تعمل على التواصل مع الشباب تحت غطاء التستر بعباءة التديّن، وجزء آخر منها يستعمل بعض المواضيع، وتحويرها عن حقيقتها لأجل أن يقوم بإرسال بعض الرسائل المغرضة، والبعيدة كل البعد عن الحقيقة والموضوعية». وأشار إلى أن للجامعات دوراً مهماً في التركيز على مواضيع التفكير الناقد، فلا يكفي أن يكون الطالب خريجاً من جامعة ما، بل أن يكون قادراً على التحليل، وقراءة الأمور باتزان، وهذا لن يحدث إلا بتفعيل النقاشات داخل المساقات الدراسية. وأكد المعمري أن الشباب والتنمية كلمتان متصلتان، فلا يُمكن أن تحدث تنمية من غير وجود الشباب، ولا يُستفاد من الشباب في حال غياب التنمية، والمجتمعات التي تحظى بنمو عالٍ، هي تلك المجتمعات التي منحت الفرصة للأجيال الجديدة، ونحن محظوظون بالقيادة التي تقدّم الفرص تلو الفرص للناشئة.

أسلوب التعامل مع الشباب
أكدت الكاتبة الشابة أمل البلوشي أن البعض من الشباب يتخذ ردة فعل سلبيّة بسبب طريقة النصح أو التوجيه، مشيرة إلى أن الشاب بحاجة إلى من يعرف الأسلوب المناسب للتعامل معه، مع ضرورة آليات معينة، تجعله مُقبلا على التعليم، ومُقبلا نحو المعرفة، وطامحاً في الوصول إلى أعلى المراتب، ويجب كذلك تعليم الشاب طريقة ترتيب الأولويات في حياته. وأوضحت من المهم أن يتضمن منهج التعليم بجانب التحصيل العلمي، والشهادة الدراسية العليا، الاهتمام بتعزيز السمات الشخصية القوية للطلبة، وقيم احترام الآخر، وهي جميعها صفات تُبنى من المؤسسات التعليمية، والأهالي.

جهود مركز «صواب» في التنوير الفكري
عمدت بعض الجهات إلى افتتاح مواقع رسمية تقوم بالتواصل المباشر مع الجمهور، خاصة الشباب، ومنها مركز «صواب» بدولة الإمارات الذي يقوم بجهود كبرى في التنوير الفكري، بالأخص لمراحل الشباب، مستخدماً الاتصالات الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي لتصويب الممارسات الخاطئة، وإعادتها إلى مسارها الصحيح ووضعها السليم، والعمل على نشر وزيادة حجم أصوات الاعتدال، ويتابع حساب المركز على موقع «تويتر» نحو خمسين ألف شخص من مختلف دول العالم، فضلاً عن حسابات أخرى تُشرف عليها المؤسسات الرسمية في دولة الإمارات تعمل على نشر الفتاوى الصحيحة، والتواصل المباشر مع المتابعين الذين يغلب عليهم الشباب.

حتى لا يتم الإيقاع بالشباب
قال فضيلة الشيخ نايف العامري، إمام وخطيب جامع الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان بمنطقة الفلاح، إن الخطر لا يتوقف عند حدود وسائل التواصل، بل يتعدى ذلك وصولًا للألعاب الإلكترونية التي وصل لها الإرهابيون، وهؤلاء يحاولون التواصل المباشر مع الأجيال الأصغر سناً تحت غطاء الألعاب، وهم في داخلهم يضمرون النوايا الخبيثة، وبالتالي الوازع الداخلي، والمتابعة اللصيقة، والمناهج المتكاملة التي توعي الشباب دينياً، جميعها حلول تقطع الطريق على من يريد استغلال طاقات الشباب بمسار سلبي.
ووجه العامري نصيحة للشباب قائلاً: «عليكم التنبه إلى مصداقية الحسابات والصفحات الإلكترونية على شبكة المعلومات الدولية، ومتابعة الصفحات الرسمية المعتمدة، وصفحات العلماء الذين يتمتعون بالثقة، وتحري الدقة في المعلومة، وعدم الانجرار خلف الشائعات المغرضة».