دنيا

تجاوُز الأطفال لصدمات فقدان الأعزاء مشروط بالحلول العلاجية المبتكرة

الدعم العاطفي يُسرع التعافي من صدمة فقدان أحد الأقارب (إي بي أيه)

الدعم العاطفي يُسرع التعافي من صدمة فقدان أحد الأقارب (إي بي أيه)

لا يمر يوم دون أن تقع أحداث محزنة هنا أو هناك، ويكون الأطفال طرفاً فيها، سواءً كضحايا مباشرين أو مصدومين بفقد أب أو أم أو قريب لأسباب قد تكون نابعة من البشر أو من الكوارث الطبيعية. ويكون الأطفال الذين يعايشون المصائب أكثر الناس حاجة إلى المواساة والاحتواء بسبب صعوبة آثار الصدمة على صحتهم النفسية، الفراغ الذي ينشأ في حياتهم اليومية، وأيضاً بسبب عجز بعضهم عن استيعاب ما حدث نظراً لحداثة سنهم. ويقول أطباء أطفال ومستشارون وخبراء نفسانيون واجتماعيون أميركيون إن مساعدة الطفل الحزين على فقدان أحد أبويه أو كليهما أو ذويه أو أصدقائه ضرورية من أجل تمكينه من تجاوز حزنه واستئناف عيش طفولته. لكن هؤلاء الخبراء يعترفون أنه لا يوجد مرجع دراسي أو بياني يستندون إليه عند الرغبة في تطوير مناهج إسعاف الأطفال المصدومين، بحسب ما جاء في دراسة حديثة نُشرت في العدد الأخير من دورية «طب الأطفال». ما يبقي حلولهم العلاجية مفتوحة على الاجتهادات والإبداعات والابتكارات الشخصية.

تقول فاليري هوفمان من مؤسسة المثلث البحثي الدولي، وقائدة الفريق الذي أصدر دراسة حديثة عن سُبُل إسعاف الأطفال بعد الصدمة «يأتي إلي كثير من الناس ويسألونني ما هي أحسن طريقة يمكن اتباعها؟» فأجيبهم «لا نعرف حقاً أي الطرق أنسب وأنجح». وتضيف فاليري أن الدراسة التي أنجزناها لا تقول إنه لا يوجد علاج لصدمة الأطفال، ولكنها تفيد أنه لا يوجد لدينا إلى الآن أدلة علمية قوية تسمح لنا بالمقارنة والمفاضلة أو تتيح لنا إصدار توصيات يمكن اتباعها».
آثار لاحقة
بحسب التقرير الذي تمخضت عنه الدراسة، فإن «نحو ثُلُثي الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة يمرون بصدمة واحدة على الأقل خلال فترة طفولتهم ويفاعتهم، وتظهر لديهم حاجة ملحة لتلقي علاج يعينهم على تحمل الصدمة وتجاوزها». ويتحدث الباحثون في هذه الدراسة عن أعنف الأحداث والصدمات، كموت أحد الأبوين أو الإخوة والحروب والكوارث الطبيعية. لكنهم لا يُدخلون الأحداث الشخصية المنفردة كالعنف الأبوي أو التحرش الجنسي الذي يكون الأطفال ضحاياه.
ويقول فريق الباحثين «على الرغم من أن بعض الأطفال المصدومين لا يصابون باضطرابات نفسية واجتماعية على المدى الطويل، فإن كثيراً منهم تظهر لديهم أعراض القلق والتوتر الناجم عن الصدمة في فترات لاحقة، وذلك من قبيل اضطراب الكرب التالي للصدمة، والذي يمكنه بدوره أن يُسبب الكآبة وبعض الاضطرابات السلوكية».
وشارك في هذه الدراسة علماء نفسانيون سريريون وطبيب أطفال نفسي، وطبيب أسرة متخصص في علاج صدمات الأطفال، وطبيب نفسي متخصص في علم الوبائيات، وطبيب نفسي متخصص في النمو البدني والذهني. وقام هؤلاء الباحثون بمراجعة 25 مقالاً تتحدث عن 23 دراسة عُنيت باختبار جدوى 20 تدخلاً مختلفاً. ومن أولى النتائج التي توصلوا إليها بالإجماع هو أن استخدام الأدوية والعقاقير المضادة للكآبة والقلق والمهدئة للأعصاب لا تُساعد الأطفال على التعافي من الصدمة على المدى القريب. أما ما عدا ذلك من نتائج، فيفتقر إلى الوضوح التام. وفي هذا الصدد، تقول هوفمان «وجدنا بعض الأدلة التي تشير إلى وجود أنواع من العلاجات النفسية التي قد تكون مجدية ومساعدة. لكننا اكتشفنا أن علاج صدمات الأطفال يحتاج إلى كثير من البحوث والدراسات من أجل تطوير حلول علاجية مثبتة ومعتمدة».
تكييف العلاج
يرى الباحثون أن المشكلة الأساسية القائمة تكمن في صعوبة إجراء دراسة محايدة، ومتوازنة وغير متحيزة لمقاربة علاجية دون أخرى. وتقول كيتي سميث، استشارية في مراكز الأسرة ذات النفع العام، «البشر مختلفون جداً عن بعضهم بعضاً. فما ينجح مع بعض الأطفال لا ينجح مع غيرهم». وتضيف متسائلة «هل العلاج هو الذي يجعل الطفل يتحسن ويتعافى من الصدمة أم أن الفضل في ذلك يعود إلى الوقت؟ من يدري! فمن الصعوبة بمكان ترجيح هذا الاتجاه أو ذاك، وذلك بسبب كثرة المتغيرات وتباينها».
وتقول سميث إن علاج الطفل الذي يتعرض لصدمة ما أمر بالغ التعقيد والصعوبة، وغير مضمون النتائج. وبحسب تجاربها، فإن أي طفل مصدوم يحتاج إلى معالج متخصص علاوة على شخص من بين أفراد العائلة وولي الأمر والمدرسين، وغيرهم من الأشخاص المحيطين به ممن يمكنهم تقديم الدعم العاطفي والنفسي والاجتماعي.
وتقول سميث إنها تستخدم أسلوباً علاجياً تصطلح عليه «علاج الصدمة المركَز والقائم على تقوية الوظائف الإدراكية والسلوكية». وقد عملت مع العديد من الأطفال، أحدهم طفل تعرض لصدمات متتالية ومتنوعة، واحتاجت وقتاً طويلاً لمعالجته، إضافة إلى اضطرارها لطلب مساعدة خارجية. وتقول كيتي «الطفل ليس جزيرة معزولة في محيط. بل هو ابن بيئته ونتاج التنشئة التي تلقاها». وتضيف «نحرص على تعليم الطفل المصدوم كيف يحافظ على قدرته في الربط بين الأفكار والمشاعر والأفعال. وندربه على كيفية تغيير أفكاره، حتى يتمكن بالتالي من تغيير مشاعره، ثم فعاله وسلوكاته. كما نُلقنه بعض فنون الاسترخاء كالتنفس العميق والتأمل الإيجابي المولد للطاقة».
تجارب ناجحة
يشترك معظم الأطفال في حاجتهم إلى فهم المربين والآباء لمتطلباتهم الشخصية في مرحلة ما بعد الصدمة. وفي هذا السياق، تقول كيتي «ينبغي على الآباء استثمار جهدهم وطاقتهم في تقديم الدعم اللازم للطفل على نحو تراكمي بناء». ومن بين الحالات التي تستحضرها كيتي إحدى الزوجات التي توفي زوجها. فكانت تبذل مجهوداً جباراً لتتعلم في الجلسات التي تحضرها طرق مساعدة ابنها على التغلب على صدمة فقدان الأب، وأنها ما كانت تكتفي بما تتعلمه داخل العيادة، بل تأخذ كل الدروس إلى بيتها لتتدرب على تطبيقها. وتضيف كيتي «كنت أصل إلى العيادة فأجدها قد حضرت مبكرة وأُفاجأ بها تتدرب لوحدها على كيفية التعامل مع ابنها وتخاطب نفسها قائلة «تذكري، هذا ما يجب علينا فعله عندما ينتابنا هذا الشعور. سنأخذ معاً نَفَساً عميقاً».
وتقول كيتي «هذه الأم كانت ممتازة في تغيير أدوات الدعم النفسي والعاطفي تُجاه الابن، حرصت على التجديد حتى لا تصيبه بالملل أو النفور. فكانت تُعلم ابنها كيف يتعاطى مع الأفكار المتطفلة التي تعتريه على حين غرة وتعكر مزاجه، عبر دعوته إلى الاستماع إلى أنشودة أو أغنية ما في محطة إذاعية أو تلفزية، وذلك لمساعدته على صد الذكريات الحزينة والأفكار التي قد تحيطه بشحنات سلبية وتؤثر على صحته النفسية»، وذلك جعلها، تقول كيتي، تشاركها في تطوير الحلول العلاجية بتدرج مع الطفل، إلى أن تعافى تماماً.
وبالرغم من تجاربها الناجحة في علاج الأطفال عقب الصدمة، تقول كيتي إن عدم وجود دراسات علمية وافية وواسعة النطاق عن علاج الأطفال من الصدمات يجعل أساليبها مجرد اجتهادات تُصيب أحياناً وتخطئ أحياناً أخرى، تنفع مع هذا الطفل، وتفشل مع طفل آخر تعرض للصدمة نفسها. لكنها تقول بثقة «مع كل هذا، أعتقد جازمة أن أبرز شرط لنجاح معالج الصدمات هو الإبداع والابتكار والاجتهاد في تصميم أسلوب علاجي لكل طفل على حدة، والتركيز في حالته وعيشها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً».

هشام أحناش
عن موقع «today.com»