الاقتصادي

تزايد الطلب على الفحم في القارة الأوروبية

تتزامن الآن مع طفرة الغاز الصخري الأميركي ظاهرة مفاجئة مرتبطة بها في أوروبا تتمثل في زيادة ضخمة في استهلاك الفحم من قبل مؤسسات المرافق العامة الأوروبية رغم سياسات البيئة الأوروبية الهادفة إلى تقليص نسبة أنواع الوقود الأحفوري الملوث في مصادر الطاقة المختلفة.
توضح هذه الظاهرة مدى ما يسببه الغاز الصخري من ارتباك للصناعات التقليدية الأمر الذي يقود إلى نتائج غير متوقعة وسلبية غالباً في منظومة الطاقة العالمية.
ترتب على طفرة التفتيت الهيدروليكي في أميركا الشمالية انخفاض أسعار الغاز الطبيعي الأميركي إلى أدنى مستوياته لعشر سنوات في الربيع الماضي ما دفع محطات توليد الكهرباء إلى التحول إلى الغاز بدلاً من الفحم.
ونظراً لعدم الحاجة إلى الفحم الأميركي محلياً فقد تزايد دفعه إلى أسواق أوروبية ليحل محل الغاز الأعلى سعراً في محطات الكهرباء غير أن العديد من الخبراء يعتقدون أن عودة الفحم في أوروبا لن تدوم طويلاً وأن ما يحدث الآن يعتبر في المقام الأول آخر جرعة كبرى لوقود بلا مستقبل طويل الأجل. وقالت وكالة الطاقة الدولية إن ظاهرة الطلب الأوروبي المتزايد على الفحم توشك على بلوغ ذروتها وإنه بحلول عام 2017 سينخفض إلى مستويات أعلى قليلاً من مستويات عام 2011. حتى مؤيدو الفحم يتفقون على أن الظاهرة قصيرة الأجل.
متغيرات اقتصادية
وقال ميلتون كاثلين رئيس الاتحاد العالمي للفحم: «لا نعتبر ذلك بمثابة استنهاض للفحم مجدداً ولكنه مجرد متغيرات اقتصادية».
وقال منتقدو الفحم إن أقذر أنواع الوقود الأحفوري سيتم في نهاية المطاف تجنبه في أوروبا مع تزايد سعة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ومع إغلاق المحطات الكهربية المتقادمة التي تعمل بالفحم.
وتعكف معارضة تلويث البيئة خصوصاً في ألمانيا على كبت مساعي تجديد هذه المحطات المتقادمة بمحطات جديدة تعمل أيضاً بالفحم، ولكن أكثر كفاءة.
وقال ماثياس هارتونج رئيس تنفيذي آر دبليو إي جنريشن المسؤولة عن محطات كهرباء أر دبليو إي في كل من ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة: «لا تعتبر محطات الكهرباء الضخمة الجديدة وبعض المنشآت القائمة مجدية اقتصادياً في البيئة الراهنة».
وحسب أرقام واردة من المؤسسة الأوروبية للمناخ التي تعد إحدى مراكز صنع القرار، كان لدى مؤسسات الخدمات العمومية الأوروبية عام 2008 خطط لعدد 112 محطة كهرباء. من ضمن هذه الخطط لم يتم البدء سوى في محطتين فقط وتم التخلي عن 73 خطة.
وقال محللو السياسات طويلة الأجل إن عودة الفحم ستتضارب حتماً مع سياسات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالبيئة والتي تقضي بخفض انبعاثات الكربون بنسبة 20% مقارنة بمستويات 1990 بحلول عام 2020 وتدعو إلى تعظيم دور الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة الكتلة الحيوية في توليد الكهرباء.
غير أنه في الوقت ذاته تعمل العوامل الاقتصادية لمصلحة الفحم. حيث زادت صادرات الفحم الأميركية إلى أوروبا بنسبة 29% خلال العام الماضي. وكان من شأن ما نتج من عرض مفرط للفحم مضافاً إليه تباطؤ الطلب الصيني عليه أن تدهورت أسعار الفحم الأوروبي من 130 دولارا للطن في مارس 2011 إلى حوالي 86 دولاراً للطن الآن.
وتزامن ذلك مع هبوط سعر بدلات الكربون هبوطاً حاداً بموجب النظام الأوروبي لمقايضة الانبعاثات الكربونية ومع صعود الأسعار الأوروبية للغاز الطبيعي. ونتيجة لذلك قال الاتحاد الألماني لمولدي الكهرباء إن إنتاج الكهرباء في المحطات التي تعمل بالغاز في ألمانيا انخفض العام الماضي بمقدار 13 مليار كيلووات ساعة أو 16% في الوقت الذي زادت فيه المحطات التي تعمل بالفحم إنتاجها بالقدر ذاته مسجلة زيادة نسبتها 5% إلى 275?8 مليار كيلو وات ساعة. وقال أندرو هورستيد محلل المخاطر في يوتيلكس لاستشارات الطاقة: «تملي علينا العوامل الاقتصادية أن نستخدم الفحم بدلاً من الغاز».
وأظهرت أرقام من بلومبرج لماليات الطاقة الجديدة أن مولدي الطاقة في ألمانيا يربحون الآن 25?25 يورو لكل ميجاوات ساعة إذا استخدموا الفحم ويخسرون 1?1 يورو لكل ميجاوات ساعة إذا استخدموا الغاز.
عوامل محلية
هناك أيضاً عوامل محلية في كل دولة من دول الاتحاد الأوروبي على حدة أسهمت في زيادة استخدام الفحم. ففي المملكة المتحدة من المقرر إغلاق عدد من محطات الفحم قبل نهاية عام 2015 بموجب توجيهات الاتحاد الأوروبي الخاصة بمحطات الاحتراق الضخمة، الهادفة إلى الحد من انبعاثات الملوثات الواردة من المحطات المتقادمة.
تحد التوجيهات من عدد ساعات تشغيل المحطات المتقادمة قبل إغلاقها، ويفضل العديد من محطات الفحم أن تعمل طوال ساعاتها المسموح بها المتبقية بحلول شهر أبريل حين تحدد الحكومة البريطانية سعراً أدنى للكربون.
سعر الكربون
من شأن ذلك تحديد سعر للكربون أعلى من سعر نظام المقايضة الأوروبي وبالتالي سيترتب عليه تكاليف أعلى كثيراً لمحطات الفحم.
وهناك سياسة جديدة أخرى تسمى معايير أداء الانبعاثات الخاضعة حالياً لمناقشة البرلمان البريطاني والتي ستمنع بناء أي محطات تعمل بالفحم في المملكة المتحدة ما لم تكن مجهزة بتقنية حصر وتخزين انبعاثات الكربون.
تنتهج دول أخرى مناهج مماثلة. حيث تفرض هولندا ضريبة كربون وصرحت الدنمارك وفنلندا بالتخلص التدريجي من محطات الفحم فيما أعلنت إسبانيا عن إيقاف حزم دعم الكربون.
وخفضت آر دبليو إي أكبر مولد كهرباء في ألمانيا نسبة المحطات التي تعمل بالفحم من 56% من السعة الإجمالية عام 2006 إلى حوالي 50% في نهاية 2011. وبحلول عام 2020 سوف تشهد انخفاض تلك النسبة إلى نحو 35% مع زيادة نسبة المصادر المتجددة في مزيج الطاقة.
ومع ذلك، تعتزم ألمانيا وهولندا بناء 12?5 جيجاوات من سعة الفحم الجديدة بين عام 2012 وعام 2015 تعويضاً للطاقة البالغة 11 جيجاوات التي ستنحسر في المملكة المتحدة خلال السنوات الأربع المقبلة. وقال بريان بوتسكوسكي من الاتحاد الألماني لمولدي الكهرباء: «ولكن العديد من المحطات الجديدة تحل محل المحطات الأقدم، ولذلك من غير المرجح أن يكون هناك زيادة صافية لسعة الفحم في أوروبا الغربية».

نقلاً عن: «فاينانشيال تايمز»
ترجمة: عماد الدين زكي