دنيا

مكتبة شيستر بإيرلندا.. كنز من المخطوطات الإسلامية

إحدى نسخ المصحف النادرة الموجودة في المكتبة

إحدى نسخ المصحف النادرة الموجودة في المكتبة

في دبلن عاصمة إيرلندا الجنوبية تقع مكتبة شيستر بيتي، أكبر مكتبة عالمية تضم بين مقتنياتها عدة آلاف من المخطوطات العربية والإسلامية. وقد سميت تلك المكتبة المهمة باسم راعيها ومنشئها السير شيستر بيتي إمبراطور المناجم الشهير، الذي أنفق أموالاً طائلة من أجل اقتناء المخطوطات القديمة من كل أرجاء العالم وبكافة اللغات المعروفة، وعلى رأسها المخطوطات الإسلامية. واشترط شيستر ألا تضم المكتبة التي أنشئت عام 1950م، إلا المخطوطات المرموقة كأن يكون المخطوط بخط يد مؤلفه أو أن يكون نسخة فريدة ونادرة، أو يتناول موضوعاً معرفياً عاماً، أو أن يتحلى بفن رفيع سواء في الخط أو الزخرفة أو التلوين أو التجليد، أو حتى يشتمل على حواش أو تعليقات أو أختام للشخصيات المهمة التي امتلكت المخطوط.

(القاهرة) - جاءت معظم المخطوطات، التي تضمها مكتبة شيستر بيتي في أغلبها عن طريق الشراء من البلاد العربية والإسلامية، وهي مكتوبة تقريباً بكل اللغات الحية، ومنها العربية والفارسية والتركية ولغات الهند والقبطية والعبرية والسريانية إلى جانب اليونانية والأرمنية واللاتينية. ونقلت مكتبة شيستر بيتي لمقرها الحالي في قلعة دبلن في عام 2000، وحصلت بفضل خدماتها للقراء والباحثين على جائزة أفضل متحف أوروبي لعام 2002.
مكانة متحف
المكتبة جديرة بأن ينظر إليها كمتحف لما تملكه من مخطوطات عربية وإسلامية حافلة بروائع فنون الكتابة من خطوط وزخارف وتصاوير وجلود الكتب. وتصنف المخطوطات التي تجسد فنون الكتابة في حضارة الإسلام ضمن خمس مجموعات أهمها مجموعة المصاحف النادرة التي يبلغ عددها 265 مصحفاً من مختلف أرجاء العالم الإسلامي بدءاً من القرن الثاني الهجري، وأهمها من الناحيتين التاريخية والفنية مصحف نسخ بقلم الخطاط البغدادي الشهير ابن البواب.
والمجموعة الثانية للمخطوطات العربية التي يصل عددها إلى 2650 مخطوطاً أغلبها لا يوجد له مثيل خارج هذه المكتبة، وهي شديدة التنوع في موضوعاتها التي تشمل الفقه والتاريخ وعلوم اللغة والطب والفلك والجغرافيا والرياضيات وبعض ترجمات عربية قديمة لكتب يونانية فلسفية وعلمية.
أما المجموعة الثالثة، فهي المخطوطات الفارسية التي يبلغ عددها 330 مخطوطة جلها من دواوين الشعر الفارسي، التي ألفها شعراء الفرس من أمثال الفردوسي ونظامي وحافظ الشيرازي وجامي وسعدي، وهي جميعاً موضحة بتصاوير رائعة توضح التقاليد الفنية لمدارس التصوير الإسلامي في إيران وأفغانستان، ففضلاً عن نسخ من شاهناما الفردوسي التي تحكي بالشعر قصص ملوك الفرس الأقدمين هناك نسخة مهمة من ديوان جولستان للشاعر سعدي أنتجت في مطلع القرن 15م للأمير بايسنقر الحاكم التيموري لمدينة هراة بأفغانستان وتعد من أكبر نسخ المخطوطات المصورة وأفضلها حفظاً.
والمجموعة الرابعة هي المخطوطات المغولية الهندية التي أنتجت في عهد أباطرة المغول بالهند، وتضم مخطوطات ولوحات تصويرية مستقلة جمعت في ألبومات خاصة بأوامر من الأباطرة خاصة في عهدي جهانجير وشاهجيهان وهي توضح صوراً شخصية للملوك والأمراء من مغول الهند ورجال البلاط، وتبقى مذكرات أكبر المعروفة باسم أكبر نامه أو تاريخ أكبر الأهم تاريخيا بين مخطوطات الهند.
المجموعة الخامسة والأخيرة، التي تعد أصغر المجموعات حجما، تشمل المخطوطات التركية العثمانية حيث لا يتجاوز عددها 160 مخطوطا وربما يعود ذلك لعناية سلاطين آل عثمان باقتناء الكتب الثمينة في مكتباتهم الخاصة كما تشهد بذلك مكتبة السلاطين في قصر طوبقابي سراي.
المخطوطات العربية
بوسع المعنيين بهذا الفن الجليل أن يتعرفوا إلى المخطوطات من خلال الفهارس، التي أصدرتها المكتبة لمقتنياتها، ومنه فهرس المخطوطات العربية الذي عني بتأليفه المستشرق البريطاني آرثر يوحنا آربري، وجاء في 8 مجلدات تولى كوركيس عواد التعريف بمواده في كتاب بالعربية سماه «ذخائر التراث العربي في مكتبة شيستر بيتي».
ومن المخطوطات العربية المهمة، نسخة من كتاب «دلائل الخيرات» للغزولي، وقد نسخت في القاهرة عام 1048هـ، وتمتاز هذه النسخة بفاتحة الكتاب، التي زخرفت وذهبت بذات العناية الفنية التي كانت تنسخ بها المصاحف نظرا للأهمية الدينية للكتاب.
وتوضح إحدى صور المخطوط الكعبة المشرفة، وفقاً للاتجاهات الأصلية للبوصلة «الشرق والغرب والشمال والجنوب» مع تعيين الأركان الأربعة لبناء الكعبة وما أصبح مسدوداً آنذاك من أبواب الكعبة، وموضع مقام إبراهيم ولعلها الصورة الأهم من الناحية التاريخية في تحديد الأماكن، التي كان يصلي فيها أئمة المذاهب السنية الأربعة بأتباعهم من الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة.
وقد رسم الفنان مخزنا للكعبة في الركن الجنوبي الشرقي بينما جعل في منتصف الضلع الشرقي وداخل أسوار الحرم المكي مبنى قبة زمزم وإلى جواره مبنى سقاية الحاج، أما باب بني شيبة الذي كان يعرف وقت نسخ المخطوط باسم باب السلام، فقد جعله المصور في الركن الشمالي الشرقي من الحرم. والقيمة الفنية لهذا المخطوط تكمن في فن الخط والتذهيب والزخرفة بالدرجة الأولى، بينما تصاويره تتمتع بقيمة تاريخية وتوثيقية لحرص المصور على تجنب رسم الصور الآدمية نظراً للمكانة الدينية للكتاب.
المخطوطات التركية
من المخطوطات التركية التي تناولت تاريخ مكة والحج ومعالم الأراضي المقدسة نسخة مخطوطة من كتاب «فتوح الحرمين»، تؤرخ بنهاية القرن العاشر الهجري «16م»، وهي تضم صوراً تكاد تكون رسوماً تخطيطية لبعض المواضع في الحرمين الشريفين. ومن هذه الصور واحدة توضح جبل عرفات، حيث يقف الحجيج، وقد رسم الجبل صغيرا في اتساعه وكبيراً في ارتفاعه وحوله أماكن وقوف كل من المحمل الشامي واليماني والمصري مع توضيح لأماكن الخيام في عرفات، وكذلك علامات الأميال التي كانت تستخدم لتعيين حدود عرفات التي يتوجب على الحجاج الوقوف بها ضمن شعائر الحج. وقد حدد على الرسم المكان المفضل للدعاء بعرفة وكذا موضع المطبخ في تلك البقعة المقدسة.
ومن تصاوير هذا المخطوط أيضاً صورة لمقبرة البقيع بالمدينة المنورة ووضح المصور عليها أماكن قباب قبور عمات وأولاد وزوجات النبي، صلى الله عليه وسلم، وقبر فاطمة بنت أسد، وقبة عقيل بن أبي طالب وقبة حليمة السعدية وقبة العباس بن عبدالمطلب، وقبة الإمام مالك وقد درست جميعها واختفى أثرها الآن.
ومن المخطوطات الفارسية المصورة مخطوط صفوي عن تاريخ الشاه إسماعيل مؤسس الدولة الصفوية، ومن تصاويره الرائعة واحدة تمثل حصار الشاه إسماعيل لقلعة عدوه رستم شاه ومحاولة جنود القلعة وما بها من نسوة أيضاً صد الهجوم الجريء الذي يشنه إسماعيل، وهو يصعد لقمة الجبل الوعر الذي توجد به القلعة الحصينة ونلمح في هذه التصويرة السمات الخاصة بالتصوير الإسلامي في العصر الصفوي لا سيما من جهة استخدام درجات متعددة من اللون الواحد، وهو ما يبدو واضحا في رسم صخور الجبل وأيضاً الحرص على مراعاة قواعد المنظور بشكل جزئي ورسم الملامح الشخصية المميزة للرجال والنساء في الصورة، مع التنويع في وضعياتهم وما يقومون بن من أفعال للحيلولة دون تقدم إسماعيل الصفوي.

أباطرة المغول
الصور الشخصية التي تحتويها ألبومات ومخطوطات أباطرة المغول بالهند تعد الأهم والأجمل بين تصاوير المخطوطات التي أنتجت في تلك الفترة، والتي تحتفظ بها مكتبة شيستر بيتي الواقعة في العاصمة الإيرلندية دبلن، ولا تدانيها من حيث الأهمية سوى تلك المجموعة التي يحتفظ بها متحف نيودلهي بالهند.