صحيفة الاتحاد

ألوان

دستور الإسلام.. أول من أقـر حرية الاعتقاد

أحمد مراد (القاهرة)

شدَّد علماء الدين على أن الإسلام الحنيف قرر مبدأ حرية الاعتقاد بشكل صريح لا يقبل التأويل، وأن حرية الاعتقاد مكفولة في الإسلام للجميع مسلمين وغير مسلمين، وأن إكراه الناس على الإيمان بدين من الأديان من شأنه أن يولد منافقين لا مؤمنين‏، موضحين أن إقرار الحرية الدينية يعني الاعتراف بالتعددية الدينية، وقد جاء ذلك تطبيقاً عملياً حين أقر النبي صلى الله عليه وسلم الحرية الدينية في أول دستور للمدينة المنورة عقب الهجرة إليها.

الإيمان بالفطرة
الدكتور محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف المصري الأسبق، أوضح أن حديث الشريعة الإسلامية عن ضرورة حفظ الدين وحماية العقيدة يرتكز على فطرة الإنسان‏، ‏حيث يشكل الإيمان بالنسبة للإنسان ضرورة حياتية لا تستقيم حياته من دونه‏، والحقيقة أن ما يعانيه الكثير من البشر في عالمنا المعاصر من تمزق نفسي يرجع إلى الفراغ الروحي، الأمر الذي يجعل الإنسان كالمعلق بين السماء والأرض، لأنه يفتقد الأساس الراسخ الذي يركن إليه، ويفتقد الإيمان الذي يملأ جوانب نفسه بالسكينة والطمأنينة‏.
وأشار إلى أن اختيار الإنسان لدينه ومعتقده يجب أن يكون اختياراً حراً، إذ لا يجوز إكراه أحد عليه‏، ومن هنا قرر الإسلام مبدأ حرية الاعتقاد بشكل صريح لا يقبل التأويل، ويؤكد ذلك القرآن الكريم في قول الله تعالى‏:‏ (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ...)، «سورة البقرة: الآية 256»، وفي قوله‏: (... فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ...)، «سورة الكهف: الآية 29»، فإكراه الناس على الإيمان بدين من الأديان، من شأنه أن يولد منافقين لا مؤمنين‏، وقد لفت القرآن الكريم نظر النبي صلي الله عليه وسلم إلى أن مهمته تنحصر في التبليغ فقط: «فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد».‏
وقال زقزوق: إذا كان صاحب كل دين من حقه أن يدعو إلى دينه، فإنه ليس من حقه أن يلجأ إلى وسائل غير مشروعة، لمحاولة تحويل الناس عن عقائدهم الدينية‏، ‏فالغاية لا تبرر الوسيلة بأي حال من الأحوال‏، ومن أجل ذلك يرسم القرآن الكريم المنهج، الذي يجب الالتزام به في الدعوة إلى الدين في قوله تعالى‏: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..)، «سورة النحل: الآية 125»، ولم يلجأ الإسلام إطلاقا إلى إجبار الآخرين من أصحاب الديانات الأخرى علي الدخول في الإسلام.

دين الرحمة
أما الدكتور شوقي علام، مفتي الديار المصرية، فأوضح أن الإسلام لم يقم يوماً على الحرب وإطلاق عنان السيف، بل على حقيقته النقية وطبيعة دعوته الحنيفية التي فيها الرحمة والأمن والعدل، وهذا ظاهر للعيان من كون صاحب رسالة الإسلام صلى الله عليه وسلم قد اتحدت الرحمة به وانحصر فيها، كما أخبرنا الله تعالى بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، «سورة الأنبياء: الآية 107».
والدين الإسلامي - كما نبه علام- يحث أتباعه على أن لا إكراه على معتقد أو رأي، وذلك إقراراً بحرية الإرادة، وقبولاً بسمات التمايز والفروق، واحتراماً للحياة الخاصة والتطلعات المشروعة، وفي ذلك يقول تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، «سورة الكافرون: الآية 6»، وقد ضمن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في بنود وثيقة المدينة، كما كتب كتابه إلى أهل اليمن يأمرهم بـ«أنه من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتن عنها»، ولا يخفى أن كل ذلك أوامر شرعية تقتضي احترام الخصوصيات الثقافية والحضارية والمحافظة على العهد ما دام الآخر محافظاً عليه، وقائماً به.

حرية الاعتقاد
الدكتور عبد الفتاح إدريس، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، أكد أنه لم يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، والصحابة من بعده، أحداً باعتناق الإسلام قسراً، والجميع يعلم أن إسلام المُكره لا قيمة له في أحكام الآخرة، وقد جعل الإسلام قضية الإيمان أو عدمه من الأمور المرتبطة بمشيئة الإنسان نفسه واقتناعه الداخلي، فقال سبحانه: (... فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ...)، «سورة الكهف: الآية 29»، ولفت القرآن الكريم نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة، وبين له أن عليه تبليغ الدعوة فقط، وأن لا سلطان له على تحويل الناس إلى الإسلام، فقال تعالى: (لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ)، «سورة الغاشية: الآية 22»، وقال سبحانه: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ...)، «سورة الشورى: الآية 48»، ومن ذلك يتضح أن دستور المسلمين يقرر حرية الاعتقاد، ويرفض رفضاً قاطعاً إكراه أحد على اعتناق الإسلام.
وأوضح أن إقرار الحرية الدينية يعني الاعتراف بالتعددية، وقد جاء ذلك تطبيقاً عملياً في فتح مكة، حين لم يجبر الرسول صلى الله عليه وسلم قريشاً على اعتناق الإسلام، على الرغم من تمكنه وانتصاره، ولكنه قال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وعلى دربه أعطى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب للنصارى من سكان القدس الأمان، على حياتهم وكنائسهم وصلبانهم، لا يضار أحد منهم ولا يرغم بسبب دينه.