صحيفة الاتحاد

دنيا

«سكة».. توليفة إنسانية في فضاء فني

أحمد النجار (دبي)

صناعة الخوف الممتع باستدعاء الخرافات والجنيات، والدعوة إلى المحافظة على المرأة واللغة، والاستمتاع بغنائم رحلة المخاطرة لالتقاط صور مذهلة لعادات وتقاليد توشك على الانقراض، ولفتة سوريالية لاستنطاق التمرد والقلق وحرائق المشاعر التي تضطرم في قلب الأنثى، وثائق فنية شتى ولوحات مرسومة بإنسانية لإسعاد مرضى نفسيين وتشجيعهم لاستشراف الحياة بروح الأمل.. خلطة مختارة من أبرز الموضوعات التي حملها معرض سكة الفني، الذي أقيم مؤخراً في حي الفهيدي التاريخي بدبي، بمشاركة فنانين مواطنين إلى جانب عرب وأجانب، جمعتهم بيئة فنية احتفت بأعمالهم وكرستها.

7 وجوه
قصص فانتازية بصبغة تراثية تعيد إلى زمن رواة الأساطير القديمة و«الخراريف» التي تتناقلها الأجيال السابقة، كانت بمثابة أدوات للترهيب والعقاب يستخدمها الآباء لتخويف الأبناء وتلقينهم دروس التربية والحذر. «خراريف» التقطتها الفنانة الإماراتية آلاء إدريس لتصوغ عملاً فنياً أبهر الزوار بفكرته المتميزة، حيث رسمت 7 وجوه كل وجه منها يعبر عن أسطورة لمكان أو إنسان في إمارة معينة ذات فكرة تتعلق باستدعاء أسطورة من تراث الأجداد في مختلف الإمارات السبع.
وعن مخاضات هذه الفكرة، قالت إدريس إنها لمعت في خاطرها لدى مشاركتها ضمن برنامج إقامة الفنانين في إيطاليا، حيث أجرت بحثاً عن استخدام الشخصيات النسائية في القصص والأساطير، وقررت تقمصها وتجسيدها في بورتريهات ووجوه خرافات قديمة هي وجوه «سلامة وبناتها»، و«أم شراع»، و«أم السعف»، و«أم الهيلان» و«أم الحمارة القايلة» و«أم دويس» و«أم النغاقة».
وعن رسالتها من تلك الوجوه الفنية، أوضحت «أردت توثيقا تشكيليا للشخصيات الأسطورية وخلق رابط فني إبداعي يجسد ملامحها وتعابيرها وفق رؤيتي الفنية من زاوية شخصية، وقد حرصت على الابتعاد عن تلقين المتلقي برسالة واحدة، وتركت له مساحة واسعة للتأمل في هذه الوجوه بحسب نظرته وذائقته ومدى ثقافته البصرية، فكل وجه يبث إيحاءات مختلفة منها الإحساس بالخوف والسخرية والفكاهة وغيرها».

المرأة واللغة
حمدة السبوسي فنانة مواطنة جسدت في لوحاتها لغة الحياة، وقالت «استلهمت الفكرة من مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ونصها «اللغة العربية هي لغة الحياة»، كما رسمت في لوحة أخرى قصائد من أشعار المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، بالذهب دلالة على انطلاقة العصر الذهبي للإمارات في عهده».
أما عن حضور المرأة في لوحاتها مصاحبة للغة، فقالت إنها «ترمز لأننا بلد من ثقافته وعاداته الحفاظ على المرأة ولهذا هي دعوة موجهة إلى شرائح المجتمع كافة بضرورة المحافظة على اللغة تماماً كما يحافظ على المرأة». كما هيمنت في لوحاتها ثيمات التراث والحناء بصفتها جزء حيوي من الثقافة الإماراتية الأصيلة. وذكرت «صورة المرأة في لوحاتي تشبهني فهي روحي ووجهي وأنفاسي». ونفت أن يكون ذلك بدافع نرجسية فنية بل إنها محاولة للتعبير عن بنات جيلها واستحضار وجوه النساء «الأوليات» حسب تعبيرها.
ومن الأعمال اللافتة، لوحات الفنانة الإسبانية إلياسيا إرلاندا المقيمة في دبي، والتي رسمتها برؤية سوريالية خالصة، إلى ذلك، قالت «شاركت بـ 7 لوحات حملت تعبيرات مختلفة للمرأة في مواقف شتى بكل حالاتها وأمزجتها وانفعالاتها، وحملت موضوعات تناولت فيها القلق والتواصل الاجتماعي والوهم الذي يسكنها والذعر بسبب الاضطهاد فيما عبرت بطلاقة عن وهم الشهرة التي تسعى إليها كثيرات، وكانت لها فلسفة رائعة في تجسيد الحرائق التي تضطرم في داخلها ولا تظهر بوضوح في ملامحها.

عادة غريبة
يوسف بن شكر الزعابي وخليل المنصوري مصوران مبدعان، سخرا عدستيهما لتوثيق عادات الناس من ثقافات وأعراق مختلفة، وخاطرا بحياتهما في سبيل التقاط صور ذات قيمة وهدف إنساني، وهذه المرة ركزا في معرضهما على المرأة الأبتانية. وأوضح خليل أنه تم رصد 13 صورة في المعرض تم التقاطها خلال رحلة إلى ولاية ارنتشال برديش شمال شرق الهند بين حدود الصين ونيبال، وقد استغرقت الرحلة نحو أسبوعين، استهدفا خلالها قرية زايرو لتصوير نساء القبيلة الأبتانية وذلك بعد أن استوقفتهما صورة امرأة شاهداها في موقع إلكتروني فقررا السفر ووضعا جدولاً للرحلة وهدفا، مضيفا «كنا محظوظين بهذه الصور لنساء يبدون مخرومات من أنوفهن وهي عادة قديمة لها قصة».
من جانبه، قال يوسف «المرأة الأبتانية كانت من أجمل النساء في تلك المنطقة من العالم، وكانت مطمعاً للرجال الذي كانوا يغزون هذه القرية ويسلبون النساء من أهاليهن بالقوة بسب جمالهن وفتنتهن، فلجأ سكان القرية إلى حيلة تخريم أنوفهن لتجنب الاختطاف، وهي عادة عريقة تحتل جزءا من ثقافة هذه القرية»، مضيفا «مشروعنا هدف إلى توثيق تلك العادات الغريبة لاعتقادنا بأنها ربما تنقرض من ثقافة هذا الشعب البسيط وتكون بمثابة وثائق ثقافية من ذاكرة مكان وشاهدة على تقاليده».

العلاج بالفن
جمعتهن مبادرة فنية بروح إنسانية، وقررن نشر ثقافة الأمل بين أوساط المرضى النفسيين والعقليين في المستشفى، فضلاً عن تسليط الضوء على معاناة هذه الشريحة ودعوة المجتمع للتفاعل معها من خلال عمل الخير والتطوع لخدمتهم. فزرن مستشفى الأمل، إنهن فاطمة موسى وريم حنتوش وسارة السويدي. وحول الفكرة وتحويلها إلى أعمال فنية هادفة، أكدن أن الفكرة مستوحاة من كتاب «كيف نغير العالم»، الذي تضمن قصة أم تسعى إلى تغيير حياة طفلها الذي يعاني مرضا عقليا.
وأضفن «قدمنا ورش عمل للعلاج بالفن لإسعاد المرضى النفسيين والعقليين، وشجعناهم على رسم أعمال فنية تجسد نظرتهم للحياة وتطلعاتهم وطموحاتهم التي يأملون تحقيقها فكانت إجاباتهم عبر الريشة خليط من فرح وتفاؤل، تحمل نفحات من المشاعر الملونة والأحلام المحلقة في فضاء الأماني».

«ساحة السعادة»
المميز في المعرض إطلاق مبادرة «ساحة السعادة» بدعم وزارة السعادة في دبي من منطلق نشر أجواء الفرح من خلال فرقة عازفين وراقصين يصدرون ألحانهم للزوار لتغمرهم الأجواء بحرارة التفاعل النابض بالمتعة على مدار 10 أيام، إلى جانب توفير أكشاك للوجبات الخفيفة والمشروبات وجلسات للاسترخاء والتأمل والاستماع لأعذب المقطوعات الموسيقية. الأمر الذي يعزز الشعور بالسعادة، ويحفز الزوار على التفاعل بروح الإيجابية وإنتاج الأفكار وتذوق الفنون ضمن بيئة خلاقة محفزة على الإبداع والابتكار.

«الجنّية المشنوقة»
يتضاعف معدل الخوف أكثر في لوحة الفنان الإماراتي حمدان بطي الشامسي، الذي برع في صناعة الرعب بصبغة فنية عبر خرافة قديمة لا يزال طيف من الناس يصدقونها ويتداولونها في حكاياتهم، حيث جسد صورة «أم النار»، وهي لوحة لـ «جنية» معلقة على مشنقة أو كأنها تتدلى من السقف، ويروي الشامسي أنها إحدى «الخراريف» التي تؤمن بها النساء، حيث تحسبها القرينة أو روحا شريرة تتلبس النساء الحوامل، أو تستلب عافية الأطفال.
ويقول «رسمت لوحة تنسجم مع روح (الخراريف) القديمة التي لاتزال تعشعش في عقول نساء في المجتمع الإماراتي وتؤثر على حياتهن، وتطغى على أحاديثهن في المناسبات الاجتماعية»، مضيفاً «نفذتها عبر تقنية الوسائط المتعددة مثل (الكولاج) و(الاسكانر) والخدع الرقمية، لتعطي انطباعاً للمتلقي وتسحبه إلى عوالم غامضة ليعايش متعة الرهبة ويحاكي بخياله الرعب المحبب».