ألوان

«الصقور والسلوقي» يبهران زوار «زايد التراثي»

أحمد السعداوي (أبوظبي)

الصقور والسلوقي من أهم مفردات التراث الإماراتي، كونهما العنصرين الأبرز الذي اعتمد عليهما أهل الإمارات في الأزمنة القديمة في عمليات القنص ورحلات الصيد بحثاً عن الطعام أو لأغراض المتعة والترفيه، ومن هنا حظي كل من الصقور والسلوقي، باهتمام خاص ضمن فعاليات مهرجان الشيخ زايد التراثي، من خلال معرض الصقارة التابع لنادي صقاري الإمارات، وركن الصقارة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، إضافة إلى معرض السلوقي. هذه المعارض شهدت إقبالا جماهيريا لافتا منذ اليوم الأول للحدث التراثي الكبير الذي انطلق في منطقة الوثبة الأول من ديسمبر الماضي وتستمر فعالياته حتى السابع والعشرين من الشهر الجاري.

عيد سنوي
بالدخول من البوابة الأولى إلى مهرجان الشيخ زايد التراثي، يطالع الزائر على يمينه معرضي الصقارة والسلوقي، ونجد زوارا كثيرين وقد تسابقوا على مطالعة هذا اللون الفريد من التراث الإماراتي والتقاط صور متنوعة مع كل من الصقور والسلوقي، ويقول علي الشحي، (مواطن)، إن أغلب أبناء الإمارات يحبون هواية الصيد بالصقور ومعرفة أنواعها والأدوات المستخدمة في الصيد بها ورعايتها مثل السبوق (خيط قوي يربط به أرجل الصقر)، والمخلاة والبرقع الذي يغطي رأس الصقر، وغيرها من الأدوات التي يعرفها أهل البادية ونتعرف عليها نحن الشباب عبر مهرجان الشيخ زايد التراثي، وغيره من الفعاليات التراثية التي تنظمها الدولة على مدار العام، تكريسا لقيمة موروثنا النفيس الذي نعتز به ونشعر به دائما وكأنه تاج فوق رؤوسنا. موضحاً أنه يحرص على زيارة أي فعالية تراثية في الدولة، خاصة مهرجان الشيخ زايد التراثي، الذي يقصده مرات عديدة في كل دورة يقام فيها، لأنه من سكان منطقة الوثبة الذين يعتبرون مهرجان الشيخ زايد التراثي، عيدا سنويا يسعد به أبناء المنطقة مع ضيوفهم القادمين من أرجاء الدولة وخارجها.

عناية وخبرة
أما أسامة محفوظ، طالب بالمرحلة الثانوية، فقد أشاد بالمهرجان بصفة عامة وبالفعاليات الخاصة بالصقور خاصة، لأنه يصعب أن نرى الصقور ونتعامل معها بشكل مباشرة غير في مثل هذه الأحداث التراثية المهمة، لأن تربية الصقر تحتاج إلى عناية وخبرة خاصة لا تملكها إلا الأجيال القديمة من الخبراء التراثيين الذين يقومون بتعريف الأجيال الجديدة والزائرين بهذه المفردات التراثية، وكذلك نقل صور حية من أساليب الحياة القديمة التي كان أهلنا في الإمارات يعيشونها سابقاً وكيف استطاعوا عبرها أن يتعايشوا مع بيئتهم، وكان للصقور والسلوقي دور مهم في إعانة أهل البادية على التغلب على بعض من صعوبات الحياة القديمة من خلال مرافقتهم في رحلات القنص.
أحمد السالك، أوضح أن الصقور والسلوقي لهما مكانة كبيرة لدى أهل الإمارات والمنطقة العربية بصفة عامة، وكثيرا ما تغنى الشعراء بالصقور وذكرتها كتب الحكايات والتاريخ الخاص بالمنطقة، ولذلك من الطبيعي أن تحظى بهذا الاهتمام ضمن حدث تراثي ضخم بحجم مهرجان الشيخ زايد التراثي، وأكد السالك أنه متابع بشغف لكثير من منافسات الصيد بالصقور التي تجرى على هامش المهرجانات التراثية المختلفة، ويعتبر أن إقامة مثل هذه المنافسات من أكبر عوامل إحياء هذا التراث وتشجيع الأجيال الجديدة على التعلق به وممارسته في هذه الأجواء المثيرة التي تغلف هذه المسابقات، وفي الوقت ذاته التعرف عن قرب إلى كل ما يتعلق بتربية الصقور والسلوقي وسلوكياتها وكيفية العناية بها وتدريبها بما يجعل منها وسيلة ناجحة للقنص في حياة البادية.

التمسك بالتراث
خالد المزروعي (موظف حكومي)، الذي كان يتجول مع أفراد أسرته في معرضي السلوقي والصقور، أوضح أن زيارة المهرجان، صار تقليدا سنوياً يقوم به بصحبة أبنائه ليشرح لهم بشكل مباشر عن تراث الأهل والأجداد، ومن أشكاله المميزة الصقور والسلوقي وكذا الهجن والخيول التي خصص المهرجان معرض لكل منهما عند بوابته الرئيسة، تأكيداً على قيمة تراثنا وأصالته الواجب أن نتمسك به مهما آتانا الله من نعم وانتشرت في بلدنا مظاهر الحضارة والتطور، وأن يعرف الصغار والكبار أن التمسك بمظاهره المختلفة ومنها الصيد بالصقور والسلوقي، يعتبر أساس هويتنا ويرسخ في الأجيال الجديدة القيم والتقاليد الإماراتية العريقة التي اتسم بها الآباء والأجداد ونحرص على غرسها في نفوس النشء من خلال إتاحة الفرصة المباشرة للتلاقي بينهم وبين كبار السن الذين عاصروا فترات ما قبل قيام الاتحاد، ولا يزالوا يحتفظون بكثير من العادات والتقاليد والحرف اليدوية ويحرصون على نقلها للآخرين عبر المشاركة في الفعاليات التراثية بالدولة.

دورات متخصصة
إلى ذلك، يقول تويم محمد المنصوري، أحد المشرفين على معرضي الصقور والسلوقي التابعين لنادي صقاري الإمارات، إن الهدف من هذين المعرضين هو التعريف بقيمة كل من الصقور والسلوقي وتاريخها وأهميتها لدى أهل الإمارات، حيث يرجع استئناس السلوقي واستخدامه في الصيد إلى آلاف السنين، اعتماداً على حاسة البصر.
ويشير إلى أن أهمية السلوقي لدى أهل الإمارات دفعت نادي صقاري الإمارات إلى إطلاق مركز السلوقي العربي سنة 2001، بهدف الحفاظ على سلالاته ورعايتها، مبيناً أن هناك نوعين من كلاب السلوقي وهما كلاب صيد ملساء تُدعى «الحص» وأخرى مُشعرة تُدعى «اريش». ويبدأ تدريب كلاب السلوقي في عامها الأول ويبلغ متوسط وزن كلب كامل النمو نحو 26 كجم. تبدأ الكلاب في الصيد في سن الرابعة وتكون قادرة على الركض بسرعة تصل إلى 75 كم في الساعة، وبعد أن تصل إلى هذا المستوى المتقدم يمكن إلحاقها بالمنافسات المتعددة التي تشهدها الدولة الخاصة بالسلوقي، سواء كانت عن جمال السلوقي أو القدرة على المنافسة في الركض.
ومن خلال معرض الصقور يتم التعريف بـ«مدرسة محمد بن زايد للصقارة وفراسة الصحراء»، التابعة لنادي صقاري الإمارات، والتي تقدم دورات تنشيطية للصقارين والباحثين، إضافة إلى دورات تدريبية ترفيهية، وتهدف هذه الأنشطة إلى الحفاظ على إرث الأجداد وتهيئة الأجيال الجديدة ليصبحوا صقارين محترفين.

سمات رئيسة
الوالد إبراهيم الحمادي، أحد مشرفي ركن الصقارة التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والسياحة، ويعمل صقاراً منذ أكثر من 50 عاماً، يوضح أن اهتمام الجمهور باختلاف فئاته بعالم الصقور صار من السمات الرئيسة لكل الفعاليات التراثية بالدولة، ولذا تحرص الهيئة سنوياً أن تكون مشاركتها بركن الصقارة ضمن فعاليات زايد التراثي متميزة، من خلال مجموعة من الخبراء التراثيين ومدربي الصقور، حتى يقوموا بشرح كثير من المعارف والمعلومات الخاصة بالصيد بالصقور إلى الجمهور.
ويبين أن هناك أنواعا عدة من الصقور بحسب أحجامها وأشكالها، ومنها الصقر الحر بألوانه المتعددة خاصة الأبيض الذي يحبه الكثيرون من الصيادين وأهل الإمارات، وكذا الجير، والشاهين الذي تبلغ سرعته حوالي 350 كيلو مترا في الساعة، يليه الصقر الحر بسرعة 300 كيلو متر في الساعة، ويعتبر الشاهين هو أغلى أنواع الصقور على الإطلاق ثم تتبعه باقي الأنواع بحسب سرعتها ومهارتها في القنص.
ويلفت الحمادي إلى أن عملية تدريب الصقور على الصيد تحتاج مجهودا كبيرا يتطلب من المدرب أن يكون صبورا وعالماً بسلوكيات الطيور ومراحل نموها وكيفية تعويدها تدريجيا على عمليات القنص، وهذا يتطلب أن تنشأ صداقة بين المدرب والصقر فترة تصل إلى عدة أسابيع قبل البدء في تدريبه حتى يتقبل الصقر ما يصدر إليه من المدرب، الذي يستعين في عمليات التدريب بطائر الحبارى الذي يطلقه الصياد ثم يطلق الصقر ليطاردها ثم ينجح في الانقضاض عليها، ليعلن بذلك نجاح المدرب في عملية التعليم التي قد تستمر عدة أيام.

رسالة سامية
جاسم الحمادي، المشرف أيضاً بركن الصقارة التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والسياحة، يورد أن الاهتمام بالتراث الإماراتي بمختلف أشكاله والحرص على توصيله للآخرين رسالة سامية يؤمن بها كل أبناء الإمارات، وبالنسبة لعالم الصقور فانه يحمل سحرا خاصا لكل أهل البادية لأنه رافقهم في مسيرة حياتهم منذ مئات السنين، مؤكداً انه يشعر بالفخر كونه يشارك أشقاءه من أبناء الإمارات التعريف بهذا الموروث لجميع الجنسيات والأجيال الجديدة من الإماراتيين حتى يكملوا المسيرة ويستطيعون حفظ موروث الأجداد كما حافظ عليه الآباء، مع شرح أهمية توافر أدوات صيد الصقور حتى تنجح عمليات التدريب، فضلاً عن مساعدة بعضهم في التقاط صور تذكارية مع الصقور.
ومن أهم أدوات الصقور التي يذكرها الحمادي، «الوكر» الذي يجلس عليه الصقر للراحة أو النوم، وهو عبارة عن وتد حديدي نصفه الأسفل مغطى بالخشب والعلوي إسطواني الشكل ومحشو بالقش ومغطى بالجلد أو القماش الناعم، حتى يستطيع الصقر أن يقف عليه مدة طويلة، أما «البرقع» فهو غطاء جلدي لرأس وعيون الصقر في فترات الراحة، و«المنقلة» أو «الدس» تحمي ذراع الصقار من مخالب الصقر وهي مصنوعة من قماش قوي محشو بالخيش وقد يكون مغطى بالجلد، و«المخلاة» وعبارة عن كيس قطني يحوي كل معدات الصقر، والتلواح وهو جناح لطائر الحبارى.