دنيا

طريق الموت

(القاهرة) - خرج الشقيقان محسن وحسونة من السجن بعد قضاء عقوبة عشر سنوات معا في زنزانة واحدة، فقد ألقي القبض عليهما لاتجارهما في المخدرات، إنها أيام وليال طويلة، لا يشعر بها إلا من كابدها، ولا يمكن التوصل إلى حقيقة المعاناة بها مهما كان الوصف والبلاغة، الوقت بطيء لا يمر، بل ربما تكون عقارب الساعة متوقفة لا تتحرك كما لو كانت معطلة، ما بين الغروب والشروق دهر طويل، والنهار ممل والمكان مظلم ليلاً ونهاراً مع التفكير في الأسرة والزوجتين والصغار.
لم تكن عندهما مخاوف من صورتهما أمام أبنائهما والناس، فهذا لا يهم ولا قيمة له، فهما كانا يتباهيان بتجارتهما القاتلة، وقد انتفخت جيوبهما بالمال الحرام، ورثا المهنة عن أبيهما الذي مات منذ سنوات، لم يجدا عملاً غير ذلك، وقد نشآ في هذا المستنقع وترعرعا فيه، ولم تكن النهاية سعيدة، ولم تستمر الأحوال معسولة، كما كانا يعيشان ويظنان، جاء اليوم الذي ألقي القبض فيه عليهما معاً، وتمت مصادرة كل الأموال والممتلكات التي بحوزتهما وما اكتسباه من تجارة السموم، بل إن هناك حكماً قضائياً آخر بإلزامهما بدفع ضريبة على تلك الأرباح، فالقانون يفرض ضرائب على هذا النشاط حتى لو كان ممنوعاً، فوجدا نفسيهما صفر اليدين ومطالبين بمبالغ ضخمة ليست في مقدورهما.
وصدر الحكم عليهما، وإن كان مخففاً لظروف إجرائية لا رأفة بهما ولا تهاون معهما، لكن السنوات طويلة خاصة في السجن، كانا يعلمان أنهما يرتكبان جرائم كل يوم، ومع هذا لم يعتقدا أنهما سيكونان يوماً من بين المقبوض عليهم والذين يخضعون للتحقيق، ثم الحكم والسجن، وهذا شأن كل مجرم أياً كانت جرائمه، لا يعتقد للحظة أنه سيكون وراء القضبان وإلا لفكّر ألف مرة وتراجع.
مر شريط الذكريات في رأسي الشقيقين كأنهما يفكران بعقل واحد، فكل شيء بينهما مشترك، ولو فتحت الرأسين لوجدت نفس الأفكار والاتجاهات، استدارا إلى الخلف وألقيا نظرة مشتركة على أبواب السجن الحديدية، للمرة الأولى تفتح لهما منذ أن دخلا قبل عشر سنين، إنه زمن طويل بكل المقاييس وأكثر طولاً بمقاييس السجن، يريدان أن يهرولا ويبتعدا عن المكان بسرعة، فهو بغيض بالنسبة لهما، والخوف والرعب يسيطران عليهما يخافان من المشهد كله، هو بالفعل كابوس ثقيل، يلقيان بجسديهما في السيارة التي جاء بها أبناؤهما لنقلهما إلى مسكنهما، بعد تبادل القبلات والتهاني، وإن كانت هناك فرحة فعلية، لكن هناك أيضاً هناك انكسار من آثار السنين الكبيسة.
أخيراً هما في بيتهما العائلي القديم الذي ورثاه عن أبيهما ولم يتبق إلا هو من التجارة كلها، يبدو خالياً من الأثاث، حظيرته التي كانت مليئة بالحيوانات المختلفة والخيول، أصبحت خاوية على عروشها، حتى الكلاب التي كانوا يستعينون بها للحراسة ومهاجمة الغرباء نفقت وما تبقى لم يجد شيئاً يأكله وشاخ وترك المكان ولا يعرف أحد أين ذهب، لقد ضاع كل ما جمعاه مع الأب من قبل ومن بعد، المشهد لا يقل إيلاماً عن مشهد السجن مع الفارق بينهما، جاء قليلون للتهنئة بالعودة، بينما الكثيرون كانوا لا يتمنون ذلك وكانوا يأملون لو أنهما ماتا في محبسهما أو لم يخرجا أبداً، لأن عودتهما تعني إعادة تجارة الموت التي تدمر الشباب، فأهل المنطقة يعرفون أن أمثال هؤلاء مهما طال بهم الزمن، فإنهم يعودون لما كانوا عليه، لا يرتدعون ولا يكون السجن بالنسبة لهم إصلاحاً وتقويماً ولا تهذيباً وتأديباً.
وذلك كله لم يحدث لأن الشقيقين استوعبا الدرس ودفعا الثمن غالياً من العمر، وخاصة في مرحلة الشباب وهما يقتربان من الأربعين الأكبر منهما يزيد في العمر على الآخر بعامين، لكنهما يبدوان الآن كما لو كانا قد تخطيا الستين، فقد غطى الشيب رأسيهما وزحفت التجاعيد على الوجهين، وكانت كل النقاشات السرية والعلنية بين جميع الأفراد هي عدم العودة مرة أخرى إلى تجارة المخدرات ليس لأنها حرام ولا لأنهم يريدون الندم والتوبة عما كان، لكن كفى ما كان من سجن وتشرد وفقر في نهاية المطاف، ولم يعد في العمر مثل ما فات، ولم يعد الكل يحتمل تكرار التجربة بأي شكل، ومع كل ما تعرضوا له لم يفكروا جميعاً في الاتجاه إلى عمل شريف أو تجارة مشروعة أو أي نوع من الاجتهاد، فهم لا يريدون الطرق المستقيمة ولا تملأ عيونهم الأموال الحلال القليلة لأنهم لا يعرفون أن فيها بركة وتعمي أبصارهم أوراق البنكنوت الخضراء، والغريب أنهم لم يستمتعوا بها على الإطلاق وما جاء سهلاً وسريعاً ضاع بسرعة أكبر، إنهم في مأزق وبحاجة إلى الأموال للإنفاق على هذا العدد الكبير من الأفراد.
فتش المفلسون في الدفاتر القديمة، بحثوا عن أنصارهم وعملائهم السابقين من الذين على شاكلتهم وشركائهم في تجارة المخدرات قبل فترة السجن، ولكنهم لا يريدون العودة إلى تلك التجارة وبحثا عن بديل آمن ولا يهم إن كان حلالاً أو حراماً المهم أن يجلب المال، وضاقت بهم السبل ولم يهتدوا إلى ضالتهم، حتى جاء «فوزي»، رجل من أصدقاء السوء القدامى، لم يأت بموعد، ولكن ساقته قدماه إلى هنا فقرر أن يقدم التهاني على الخروج من السجن، وإن كان تأخر بعض الوقت فلا يهم، وأن تجيء متأخراً خير من ألا تجيء، ثم إنه لا يحمل لهما أي معروف في رقبته وكل ما بينه وبينهم هو التعامل المادي والتجارة الممنوعة، وكل منهم يعتبر نفسه سيداً في منطقته، وهؤلاء القوم يتباهون بقوتهم وبرجالهم وأسلحتهم.
كان اللقاء حاراً وتطرق الحديث إلى كل شيء من الماضي إلى الحاضر والمستقبل، والضيف يعلن كيف ترك تجارة المخدرات منذ سنوات، ليس فقط لأنها خطرة وعيون المباحث ترصد كل المشبوهين في هذا المجال، ولكن أيضاً لأنه وجد ما هو أقل خطورة وأكثر ربحاً، إنها تجارة الآثار، ما عليه إلا أن يشتري القطع المعروفة والمطلوبة في السوق ويبحث لها عن مشتر، بل هو في الغالب، يبيعها قبل أن تصل إلى يديه فيكون وسيطاً وما عليه إلا التسليم والتسلم ويفوز بالربح الكبير بخلاف الوسطاء والسماسرة الذين يكونون بين البائعين والمشترين، لم يفوت الشقيقان الفرصة واستغلاها وهما مؤهلان لها وقد جاءتهما على طبق من ذهب، وهما يثقان بقدرات الرجل ومهاراته في التخفي والمراوغة، فطوال حياته لم يسقط ولا مرَّة في يد الشرطة، مع أنه لا يكل ولا يمل ويطلقون عليه لقب «الثعلب»، فأرادا أن يستفيدا من خبرته الواسعة، وتطرق الحديث إلى إمكانية العمل معاً والتعاون في المرحلة القادمة.
ولم تمض إلا أيام معدودة، وتكرر اللقاء وأبدى فوزي تعاطفه معهما لما لقياه من شظف في الفترة الماضية ومدة السجن، وشكرا له صنيعه معهما وهو ينقل إليهما كيفية التعامل في النشاط الجديد والمتعاملين فيه، وهو بالنسبة لهما مجال مجهول، لكن خلال عدة أشهر استطاعا أن يعرفا كل ما فيه من خبايا وأصبح لهما باع ومكان، والمفاجأة بالنسبة لهما هي هذا الربح الخيالي، حتى أنهما ندما على ما ضاع منهما في تجارة المخدرات من عمر ووقت وجهد ومال علاوة على فترة السجن، وعادت إليهما الأموال الضائعة واستطاعا أن يعلنا الاستقلال والعمل لحسابهما الخاص، ولكن بلا استغناء عن «الثعلب» الذي يتحكم في أصول وأسس اللعبة البغيضة، ومن يخرج من تحت عباءته لا يمكن أن يستمر في هذا الوسط ويكون مثل السمك إذا خرج من الماء.
لم يستمر الثعلب على إخلاصه الذي أبداه للشقيقين ووقع الخلاف بينهم لأنه دمر كل ما قاما ببنيانه خلال العامين الماضيين منذ أن خرجا من السجن، لقد باع لهما تمثالاً بمليوني دولار، دفعا فيه كل ما يملكان، بل واقترضا لإكمال المبلغ، لكن اكتشفا أن التمثال مقلد وليس أثرياً بالمرة ولا يساوي إلا بضعة سنتات، وعندما طالباه برد المال وإعادة التمثال رفض، وأصر على موقفه معلنا التحدي بأنه غير مسؤول وأنه اشتراه بهذا الثمن ولا يمكن أن يعيده ولا أن يتحمل الخسارة.
كانت ضربة قاصمة لهما وفشلت كل محاولات الحل الودي ولم يجدا إلا الانتقام منه، فتربصا له وأمطراه بالرصاص جهاراً نهاراً، وأعلنا اصطياده والإجهاز عليه، وألقي القبض عليهما واعترفا بكافة التفاصيل، وأحيلا إلى محكمة الجنايات التي قضت بمعاقبتهما بالإعدام شنقاً، وأعيد الشقيقان إلى السجن في انتظار تنفيذ الحكم، هذه المرة لم تكن فترة حبس وبعدها العودة إلى الحرية، ولكنها هي النهاية بالموت ولا أمل في تصحيح الموقف مرة أخرى، نظرا إلى بعضهما وهما يضعان أقدامهما داخل السجن، تذكرا كل ما حدث هنا من قبل، لكن الفارق أنه لم يعد هناك أمل في الخروج.