تقارير

قطاع البناء.. دعم للاقتصاد الأميركي

لطالما كانت الإجابة على التساؤل المتعلق بما إذا كان من الأجدى منح الأفضلية لتوفير وظائف العمل أم لقوة الاقتصاد، إجابة صعبة المنال. وتبدو المفاضلة المتعلقة بهذه المعضلة أكثر بروزاً في صناعة البناء تحديداً.
وفي هذا العالم الذي يسوده الاضطراب والاختلاف السريع في القدرة على استيعاب التكنولوجيا، يبدو أن قطاع البناء بات يمثل القاعدة الصلبة التي يمكن للعمال الكادحين «ذوي الياقات الزرقاء» أن يتشبّثوا بها. فهو لا يزال يشغّل ما يقدر بنحو 7 ملايين عامل في الولايات المتحدة. كما أن طبيعة العمل ذاتها في هذا القطاع لا تتغير من عقد لآخر. ولا يزال يتميز بكثافة الأيدي العاملة المطلوبة، إلى جانب العديد من أنواع الوظائف الأخرى؛ مثل التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبقية مناصب العمل المستحدثة بسبب ثورة المعلومات الجديدة. وهو أيضاً القطاع الذي يسمح للطبقة العاملة باختصار الوقت اللازم لاكتساب المؤهلات المطلوبة للفوز بفرص التوظيف. وفيه أيضاً، يكتسب العمال الخبرة من خلال أداء العمل ذاته من دون الحاجة للانتساب للجامعات والمعاهد وقضاء سنوات فيها.
وهناك ما يقال في هذا الموضوع. وهو أن الغالبية العظمى من عمال البناء هم من الرجال. وقد يبدو في ذلك انتصار مرفوض لنوع الجنس لولا الحقيقة التي تفيد بأنه يعني أيضاً بأن صناعة البناء تمكنت من استقطاب وتشغيل عدد كبير من الرجال الذين لم يحسنوا العمل في قطاعات العمل الأخرى.
ومن دون تأمين وظائف العمل التي تضمن للعاملين حقهم في العيش بكرامة، سوف ينحرف رجال الطبقة العاملة نحو الجريمة وإدمان المخدرات أو الفشل في تكوين الأسر والعائلات. ومع التراجع السريع لفرص العمل في المصانع، يبقى قطاع البناء بمثابة عصب الحياة لما بقي من العمال الكادحين «ذوي الياقات الزرقاء».
لكن هناك مشكلة كبرى يعاني منها قطاع البناء في الولايات المتحدة تتعلق بارتفاع تكاليف البناء، ولقد أشارت بحوث إلى أن الإنتاجية في مجال البناء شهدت تراجعاً كبيراً في معظم دول العالم، وكانت في الولايات المتحدة أكثر ضعفاً. ووفقاً لمقياس القيمة المضافة من طرف العامل الواحد، يمكن القول إن الإنتاجية في قطاع البناء تراجعت بنحو ثلث ما كانت عليه عام 1970.
وإذا كانت هذه النتائج والأرقام دقيقة، فسوف يمثل ذلك كارثة حقيقية. ولو انخفضت الإنتاجية إلى هذا الحد في الاقتصاد بشكل عام، فسوف تنخفض معايير مستوى المعيشة في الولايات المتحدة إلى مستوى تلك التي نراها في إسبانيا. ولحسن الحظ فإن الأمور ليست بهذا السوء لأن قياس نمو الإنتاجية في أي قطاع صناعي هو أمر صعب. وذلك لأن التكاليف يجب أن يتم حسابها بشكل صحيح ودقيق. ومن أمثلة ذلك أن بعض الحسابات الإحصائية تغفل دور المقاولين الفرعيين من المعادلة. وهناك أيضاً مشكلة الاختلاف في طبيعة العمل بين بناء منزل عائلي أو تشييد البنى التحتية. كما أن دورة العمل ذاتها يمكن أن تسهم في تشويه الصورة. وفي عام 2014، وجد فريق بحثي من الاقتصاديين تابع لمكتب إحصائيات العمل، تراجعاً في إنتاجية المصانع، ولكن الفريق ذاته قام بتحديث تحليلاته بعد ذلك بأربع سنوات ليستنتج وجود زيادة في الإنتاجية.
وبالرغم من ذلك، فإن كل المحللين والخبراء متفقون على أن الإنتاجية في قطاع البناء لم تتمكن من مسايرة التحسن الذي تشهده القطاعات الصناعية الأخرى. ولهذا الواقع تأثيره الكبير على مستويات المعيشة في الولايات المتحدة. وعندما تصبح عمليات إصلاح الطرق المعبدة باهظة التكلفة، فإن ذلك يهدد بإضعاف قدرة المدن والقرى على التواصل بعضها مع بعض. وعلى نحو مشابه، يؤدي ارتفاع أجور النقل بالقطارات وعدم كفايتها العددية إلى عرقلة أداء الأعمال في المدن الأميركية، ويجبر السكان الفقراء على السكن في ضواحي المدن. ويؤدي نقص البيوت الجاهزة للسكن إلى ارتفاع الإيجارات وخاصة في المدن الكبرى، بما يؤدي إلى الضغط على الفقراء والطبقة الوسطى ويمنع المدن من بلوغ المستوى المستهدف من الإنتاجية.
ولهذه الأسباب كلها، يمكن القول بأن رفع مستوى الإنتاجية في قطاع البناء سوف يجعل الحياة أفضل بالنسبة لـ323 مليون أميركي وأحفادهم من بعدهم. والتحدي القائم الآن في هذا الشأن يتعلق باكتشاف السبب الذي يدفع هذه الصناعة إلى الوراء. ولا يبدو أن المشكلة تتعلق بارتفاع رواتب وأجور عمال البناء، لأن هذه الأجور لا تزال ضعيفة. وهناك العديد من الطرق لتخفيض تكاليف البناء من دون إحداث خلل في العلاقة بين تأمين مناصب العمل والفعالية الإنتاجية. وحتى تتمكن الولايات المتحدة من تخفيض التكاليف المرتفعة للبناء، فإنها تحتاج إلى إصلاح وإعادة تنظيم قطاع مقاولات البناء برمته.

*أستاذ التمويل في جامعة «ستوني بروك»- نيويورك
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»