الملحق الثقافي

سَفَرُ الثقافة..

 من أمسية الموسيقار الصيني الشهير لانغ لانغ (من المصدر)

من أمسية الموسيقار الصيني الشهير لانغ لانغ (من المصدر)

رضاب نهار (أبوظبي)

نظراً لأهمية الثقافة في بناء المجتمعات وتطورها، ولأن الفن هو رصيد الإنسانية في مواجهة العنف والتطرف عبر العصور، أطلقت مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، النسخة الثالثة عشرة من مهرجان أبوظبي السنوي (من 3 – 30 أبريل) تحت شعار «الالتزام بالثقافة»، مؤكدة أن الوعي هو الغاية والوسيلة في الوقت نفسه، ولا بد من تفعيله إبداعياً وفنياً للوصول إلى مجتمع معرفي مثقف ومتطور.

تقدّم هذه الدورة خلاصة الجهد الذي بذلته مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون في جعل المهرجان طيلة 12 سنة الماضية، علامة فارقة على خارطة الثقافة الإنسانية. وتعمّق الدور المحوري للعاصمة الإماراتية، من خلال برامج مستحضرة لأرقى الفنون الكلاسيكية والتشكيلية وأحدث فنون الأداء من جميع أنحاء العالم، ودعم المواهب الإماراتية والتعريف بالإرث الثقافي لدولة الإمارات العربية المتحدة، لذا انطلقت الفعاليات لتشمل جميع أنحاء الدولة، وامتدت لتطال مدناً عالمية عدة، من خلال المسرح والسينما والموسيقى والفن التشكيلي والأدب، وغيرها من العلوم والفنون الإنسانية.

دعم الكلمة والمعنى
إلى جانب تزامنه مع مرور 20 عاماً على تأسيس مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، الجهة المنظمة له، يتزامن المهرجان في دورته الحالية مع إعلان عام 2016 عاماً للقراءة في دولة الإمارات العربية المتحدة. الأمر الذي انعكس على محتواه الفكري والفني والثقافي بالعديد من الفعاليات الموزعة على برنامجين اثنين حول الإمارات: رئيسي، وتعليمي مجتمعي من شأنهما التواصل مع جميع الشرائح الاجتماعية والثقافية داخل المكان الإماراتي وخارجه.
وتعتبر مبادرة «رواق الفكر» الحامل الفكري لمحتوى المهرجان، مقدمةً مجموعة من الندوات في القطاعات الإبداعية داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها، وتناقش أهم المواضيع في المشهد الثقافي. ومنذ العام 2011 عقد رواق الفكر 18 ندوة ساهمت في تحفيز الخطاب والحوار الفكري البناء والمتعمق.
ويخصّص المهرجان أنشطة تهدف إلى تفعيل قراءة الكلمة والاحتفاء بها كفعل ثقافي بحد ذاته. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نذكر مبادرة «رواق الكتاب» التي تحتفي بمجموعة من الإصدارات الأدبية العربية المتميزة هي: «شاي أورغامي» للكاتبة بدرية الشامسي، «المنطاد العجيب» للكاتبة شيماء المرزوقي، «بنو بطريق – البطاريق البدوية» للكاتبة أسماء الكتبي، «دون» لخولة الطاير، «رباعيات الخيام» للكاتب محمد نور الدين، و«رؤى فلسفية في الحكم والفروسية» للكاتب علي أبو الريش.

سينما ومسرح
يلتفت البرنامج الرئيسي إلى المسرح باعتباره أحد أنماط التعبير الإبداعي الأولى عند البشرية، حيث تواكب العروض المسرحية المختارة البيئة الزمانية والمكانية، وتعزف بالخيال بعيداً نحو عوالم أجمل وأحياناً أغرب.
ومن بين الفعاليات المسرحية، يقدّم المهرجان بالتعاون مع مسرح عيال زايد للفنون، العرض المسرحي «الرصاصة» الذي اقتبسه محمد رفعت عن قصة من تأليف توفيق الحكيم. وضمن مشروع المسرح الوثائقي، يقدم العرض المسرحي «ذكريات الطفولة» في جامعة زايد، مونولوجات ذاتية مؤثرة بمشاركة 6 ممثلات من الإمارات.
كذلك يشرف المهرجان على جولة فرقة مسرح بابل لتقديم مسرحية «حمام بغدادي» من تأليف وإخراج جواد الأسدي في بيروت ولندن ومراكش وبروكسل.
سينمائياً، اهتمّت الدورة الحالية بالسينما المحلية، وحاولت تسليط الضوء على التراث الإماراتي في المنجز السينمائي الإماراتي، ما استدعى إعادة عرض فيلم المخرجة السينمائية الإماراتية نجوم الغانم «سماء قريبة» الذي يحكي قصة حياة فاطمة الهاملي أول مالكة إبل إماراتية تقرّر دخول مسابقات مزاينة الإبل.

صورة ترسم الفكر
تشكّل الصورة البصرية إحدى خطوط المهرجان العريضة التي يفصح من خلالها عن محتواه الفكري والفني، مؤكداً أن الحركة التشكيلية في المجتمع الإماراتي، قادرة على ترجمة جميع التحولات والتطورات التي يعيشها أبناؤه إلى صور وألوان وخطوط تتقاطع وتلتقي في لوحات وأعمال نحتية أو تركيبية.
وفي هذا الإطار، يجمع معرض «إمارات الرؤى» تحت مظلته أبرز الفنانين المعاصرين في دولة الإمارات العربية المتحدة، للتعبير عن رؤيتهم لوطنهم. وقد أقيم بمناسبة مرور 20 عاماً على تأسيس مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، حيث إنه جمع 20 عملاً فنياً بتكليف حصري من المهرجان، بالإضافة إلى 30 عملاً بين مقتنى ومستعار، مع العلم أن الأعمال المعروضة تحتفي بعدد من الثيمات التي تتسق مع مفهوم «الأمة الواحدة» وتتنوع بتقنياتها وأدواتها.
وعلى هامش فعاليات المهرجان، يتناول المصور الفوتوغرافي الشهير دانيال كاريكو من خلال معرض «ليميناليتي» فكرتي الاختفاء وتغير المشهد العام، فضلاً عن أطر جيوسياسية وبيئية متنوعة. ويتيح المعرض لطلاب جامعة الشارقة إجراء بحوثهم البصرية الخاصة حول الحدود الفاصلة بين التخطيط المدني والحضري لدولة الإمارات العربية المتحدة.
كما يقدّم مهرجان أبوظبي 2016، معرض «الفنون الإسلامية» الذي يحتضن أعمالاً فنية ابتدعها سكان إمارة الشارقة تحت إشراف مدربين من قسم التعليم في إدارة متاحف الشارقة، بالإضافة إلى عدد من الأنشطة التفاعلية التي تتخذ مسار الفنون التشكيلية في برنامجه التعليمي والمجتمعي، مثل معرض «صوّر هذا» الذي يتوجه لعلاج الأطفال الذين يعانون صعوبات في التعلم.
وفي محاولة لربط جماليات الفنون المعاصرة بجماليات البيئة الإماراتية، تقوم المصورة الفوتوغرافية الإماراتية علياء الشامسي إحدى فنانات مبادرة رواق الفن الإماراتي، وجّهت دعوة لطلبة كليات التقنية العليا لاكتشاف روعة المنطقة الغربية، من خلال مسابقة «صور من الغربية» وهي إحدى أضخم مسابقات التصوير على مستوى أبوظبي، وتقام برعاية ديوان ممثل الحاكم في المنطقة الغربية.

انعتاق الروح
أجواء مفعمة بالدهشة تسمح للروح بالانعتاق والسفر، تمنحك إياها موسيقى مهرجان أبوظبي التي تحيكها مجموعة ألحان عالمية فريدة، وإذ يتميز البرنامج بأمسيات موسيقية رفيعة من جميع أنحاء العالم، تراه في الوقت نفسه يحاكي الموسيقى الإماراتية بألحانها المتفاوتة بين الأصالة والحداثة، ويطل بها إلى جمهوره المكون من جنسيات مختلفة. ولا يبدو مبالغاً فيه، قولنا إن المهرجان أسهم في تأسيس الذائقة الموسيقية لدى شرائح وجنسيات المجتمع الإماراتي، وعرّف بروائع وأنماط الموسيقى الكلاسيكية والمعاصرة، مختصراً المسافات بيننا وبينها.
وفي هذا الإطار، تمّ تكليف المؤلف الموسيقي الإماراتي محمد فيروز لتأليف سيمفونيته الخامسة التي تستكشف قصة دولة الإمارات وتبرز قيمها، وسيتم تقديمها في مهرجان أبوظبي 2020. وسيقوم منبر الإبداع من مهرجان أبوظبي بتقديم الدعم للموسيقيين والمحنين والمطربين العرب ساعياً لخلق أعمال فنية إبداعية جديدة تتضمن الألبومات الموسيقية والتسجيلات. كما يتطلّع إلى عام 2017 عبر عمل تكليف لفرقة أفرو – طرب لعازف الجاز والملحن طارق اليماني من أجل تنفيذ مشروع بحثي بعنوان «لوحات من الإيقاعات الخليجية والجاز».

ورشات وجوائز
تواكب الورشات التفاعلية برنامج المهرجان وترفد فعالياته في الأدب والمسرح والسينما والفنون التشكيلية، حيث تأتي ورشة «الإمارات المسرحية» كتدريب مسرحي مكثّف بإشراف نخبة من رواد المسرح الإماراتي. وتتوجه دورة صانعي الأفلام الشباب، لفيلم ذيب الذي ترشح لجائزة الأوسكار 2016، وتستقطب المهتمين بالصناعة السينمائية.
وبالمقابل تعنى ورشة العمل «أساليب الرؤية مع الفنان محمد الأستاد» بالأكسدة في الأعمال الفنية من خلال التعرف على تقنياته المستخدمة لإنتاج أعمال فنية مبدعة، وتساهم مبادرة «استوديو الفنانين» الرقمية التي أطلقتها مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، في تمكين الشباب الإماراتي من الارتقاء بمهاراتهم الفنية وتوسيع إدراكهم لأهمية التفكير الإبداعي والتعبير الفني، وذلك عبر متابعة سلسلة من الحوارات مع كبار الفنانين.
أما بما يخصّ الجوائز، فقد رصد الحدث العديد منها، تشجيعاً للشباب وجيل الناشئة للدخول في عالم الإبداع والابتكار. وتعتبر جائزة كريستو وجان كلود التي ترعاها سمو الشيخة شمسة بنت حمدان آل نهيان، بالتعاون بين مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون وجامعة نيويورك أبوظبي، من أهمها، فقد تأسست لتكون بمثابة منصة انطلاق للفنانين التشكيليين الشباب في دولة الإمارات العربية المتحدة.
كما قدّم المهرجان جائزة الفنون التشكيلية للطلاب الإماراتيين المبتدئين في مجال الفن التشكيلي، داعياً إياهم لابتكار أعمالهم الخاصة من وحي زيارتهم معرض «إمارات الرؤى». كتشجيع على الإبداع بوصفه وسيلة تعبّر عن قضايا الوطن والأمة.

علامة وجود
لأن الثقافة هوية وعلامة وجود، وخيار وفعل إرادة، ينعقد مهرجان أبوظبي 2016، تحت شعار «الالتزام بالثقافة»، حيث نجدد التزامنا بتعزيز الحركة الثقافية، وترجمة رسالة الإمارات الإنسانية والمعرفية.
إننا اليوم، وفي خضم الصراعات التي يشهدها العالم من حولنا، أحوج ما يكون إلى الفنون التي توحد الشعوب، وتبني مستقبلاً أكثر إشراقاً لأجيالنا القادمة، وبينما تجتاح الصراعات المنطقة، ترسل الإمارات رسائل المحبة والسلام إلى العالم، وتعلي رايتها على خارطة الثقافة العالمية واجهة للإبداع، وجسراً للحوار وملتقى للحضارات والثقافات.
هدى كانو