الملحق الثقافي

مشهد الشارقة الثقافي.. توجهاته ومشاغله

يتيح التقرير السنوي الذي اصدرته إدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة فرصة جيدة للوقوف على طبيعة توجهات وشواغل حركة الفن الجميل في واحدة من أكثر الساحات الفنية نشاطاً وديناميّة ونعني بذلك إمارة الشارقة التي غدت في السنوات الأخيرة مركزاً مهماً للانتاج الثقافي في سائر أشكاله بفضل رعاية ودعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.

عصام أبو القاسم

يغطي التقرير في 164 صفحة، مجمل الأنشطة التي اقامتها إدارة الفنون، خلال العام المنصرم، بمحاور الخط والرسم والنحت والفيديو..إلخ؛ في مدن الشارقة المختلفة؛ وهو في هذا الشكل يكشف عن عناية فائقة بالاحصاء والفرز، وما لا شك فيه ان هذا الأمر سيؤثر في وضع الخطط المستقبلية إذ يتيح لإدارة الفنون التي يديرها الفنان هشام المظلوم، اختبار جدوى ما أنجز من انشطة وحدود تأثيره، ثقافياً واجتماعياً، بخاصة ان التقرير لا يكتف بالتوسع في احصاء عدد زوار المعارض والمنتسبين إلى الورش التدريبية فهو يفرز أيضا بين جمهور الانشطة المتعددة على اساس النوع والسن والأماكن؛ كما يحصي الأعمال المنجزة سواء من الفنانين المحترفين أو الهواة، المحليين أم العرب..إلخ.

تدريبات
أول ما يلفت في التقرير، إضافة إلى طابعه الاحصائي وخلوه من الإشارات التحليلية أو النقدية، هو الزيادة الملحوظة للورش والدورات الفنيّة أكثر من أي شيء آخر، فثمة نحو 900 برنامج تدريبي، بين القصر والطول، وقد استفاد من هذا النشاط التدريبي مئات المتدربين في كل مدن الشارقة؛ وهذه الاحصائية تتضمن مجمل الأنشطة التدريبية في معهد الشارقة للفنون ومعهد الخط والمراكز الثقافيّة في كلباء والذيد وسواها، مع العلم بأن الدورات تستمر مدة ستين يوماً في الغالب أما الورش فمدتها لا تزيد عن اليوم وهي مجدولة بشكل يغطي كامل أيام السنة، تقريباً.
ومن المؤشرات الدالة التي يمكن التوقف عندها أيضا في الجزء الخاص بالقسم التعليمي في إدارة الفنون، أي القسم المعني بتنظيم واعداد البرامج التدريبية، هذا التركيز الواضح على الفنون الإسلامية في الحصص المبذولة للدفع بجيل جديد من الفنانين إلى الساحة، فهناك 61 من المحاضرات والورش الخطية والزخرفة نظمها مركز الشارقة للخط، اثمرت أربعة معارض وبلغ عدد المنتسبين إلى هذه الانشطة التعليمية 300 طالب، فيما طبع التنوع أنشطة «رواق الفنون»، فثمة ورش ومحاضرات غطت مجالات فنية عدة كالزخرفة والنحت والرسم والتلوين، إضافة إلى الرحلات ومشاهدات الأفلام ذات الصلة بالمعرفة التشكيلية ..إلخ.
الأرجح، ان السبب وراء هذه الغلبة للبرامج التدريبية هو كلفتها التقنية والمادية الأقلّ مقارنة بالمعارض والمهرجانات والملتقيات وغيرها من الأنشطة التي تستلزم متطلبات أكثر؛ لكن أيضا لا يمكن غفل الطابع النوعي لهذه المحاضرات والورش التي تعتمد أساتذة مشهود لهم بالخبرة في المجال؛ وبمراجعة عناوين الورش والمحاضرات، بخاصة في مجال الخط، نلحظ مثل هذه الأسئلة: «تسطير المصاحف للفترة المملوكية»، «رسم الخط: المعنى والتنفيذ»، «خطوط وألوان»، «الضوابط والموازين/ ورشة خط»، «أسرار الخط العربي»، «استنباطات في الحرف العربي»..إلخ.
وغني عن القول إن هذه الورش والدورات يمكن أن تثري المجال بعدد من الفنانين الجدد، كما يمكن أيضا ان تساعد في زيادة نسبة متذوقي الفنون الجميلة؛ عملاً بالقاعدة الشائعة «إن المنتسب إلى ورشة فنية إما صار فناناً أو متذوقاً للفن»؛ وبهذا المعنى فان إدارة الفنون لا تقترح أنشطة فنية آنية أو ظرفية فقط ولكنها تزيد من قوة دعائم هذا المشهد الفني في مجمل مستوياته.

محاور
يتوزع التقرير في المحاور الثابتة التالية: البرامج الدولية الخارجية «الفنية والثقافية»/ قسم المشاريع الفنية/ قسم البرنامج التعليمي/ مركز الشارقة لفن الخط العربي والزخرفة/ معهد الشارقة للفنون/ قسم البرنامج المجتمعي/رواق الشارقة للفنون/ بيوت الخطاطين/ المؤسسات التعليمية/ جائزة البحث النقدي التشكيلي الدورة الرابعة/ ملتقى الشارقة لفن الخط العربي/ صيف الفنون/ مهرجان الفنون الاسلامية - الدورة الخامسة عشرة.
وهذه المحاور تستكمل بعضها سواء في ما تنفذه من برامج أو في المواقيت التي تعتمدها، ويحصل ذلك بشكل دينامي، اتصالاً وحواراً.

بيت.. ورواق
بيوت الخطاطين هي مجموعة من الاستديوهات التي بذلتها الشارقة لعدد من الخطاطين لمتابعة انجاز مشاريعهم. ويبين التقرير ان عشرة منهم انجزوا 118 عملا خطياً في السنة المنصرمة، كما ان ساحة بيوت الخطاطين شهدت العديد من الورش والمعارض واللقاءات الاجتماعية؛ أما رواق الفنون فيضم 16 مرسماً لفنانين من أجيال مختلفة وقد انجزوا 388 عملا خلال سنة التقرير.

برامج كبرى
وبنظرة عامة إلى الدورة الماضية من ملتقى الشارقة لفــن الخط (أبريل 2012) نجد ان عدد الفنانين الذين شاركوا به بلغ 358 فنانا عرضوا 1528 عملا عبر 26 معرضاً في سائر مدن ومناطق الشارقة.
أما في برنامج «صيف الفنون» يوليو - اغسطس 2012 فلقد استضافت إدارة الفنون 66 معرضاً ضمت 183عملا، كما نفذت الإدارة 44 ورشة فنية و8 دورات تدريبية على هامش هذا المهرجان الفني الذي ضم 200 فعالية فنية حيث تنوعت بين ورش التدريب والمحاضرات والدورات والرحلات، ولقد تم توزيع الأنشطة بحيث تغطي كل مدن ومناطق الإمارة، وبحسب إحصائيات إدارة الفنون فإن نحو سبعين فعالية نظمت في الشارقة وتسعين في المنطقة الشرقية، فيما بلغ إجمالي الدورات نحو أربع عشرة دورة، أما المعارض فبلغت ثمانية فيما وصل عدد الورش إلى سبع وتسعين وضم البرنامج العديد من الرحلات والمشاهدات السينمائية.
الورش والدورات في اغلبها كانت موجهة لتلاميذ المدارس والبرامج التدريبية خلصت بمعارض صغيرة لأعمال المتدربين مثل معرض «حروف مضيئة» الذي نُظم منتصف شهر يوليو2012 بمركز الشارقة لفن الخط العربي والزخرفة وضم 50 لوحة خطية، 46 منتسبة إلى المركز من الإمارات والعراق ومصر وسوريا والأردن وفلسطين والجزائر واليابان وباكستان والهند. وفي ما يتعلق بمهرجان الفنون الإسلامية (ديسمبر2012) فقد اشتمل على عدد من الفعاليات، منها المعارض والندوات الدولية، وورش عمل وملتقيات، ومسابقات ودورات وعروض فنية، حيث بلغ عدد المعارض المشاركة 45 معرضاً محلياً ودولياً، تنتمي لـ 18 دولة، من بينها الإمارات والسعودية وقطر وبريطانيا وأميركا وفرنسا وتركيا وأذريبجان ومصر وفلسطين ولبنان والعراق والسودان والهند، كما قدم المهرجان 19 ندوة ومحاضرة، و77 ورشة عمل، و15 عرض فيديو.
ونشير أيضا إلى المعرضين النادرين لمقتنيات صاحب السمو حاكم الشارقة حول الفنون العربية في القاهرة من خلال آثارها وكذلك «بلاد الشام» والمعرض الأخير ضم 171 لوحة أبدعها أكثر من 30 رساماً من بلدان أوروبية عدة، وثمة أربعة أقسام، ضمت أعمالاً تمثل أربع دول هي فلسطين والأردن ولبنان وسوريا، حول العمارة والأزياء وحياة الناس، إضافة إلى الكنائس والكهوف والمساجد، وصحب المعرض عدد من الفعاليات والبرامج والأنشطة والورش التطبيقية والندوات التفاعلية، كما صاحبت المعرض ندوة فكرية موازية بعنوان «الاستشراق الفني في بلاد الشام» بمشاركة مجموعة من الفنانين العرب.

مواهب
وهذا القدر الكبير من الأنشطة التي يصعب حصرها في هذه المساحة والتي يلخصها تقرير إدارة الفنون السنوي بالأرقام، يكشف الدور الكبير الذي تلعبه إدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام ليس فقط في تنشيط الساحة الفنية ولكن في تأسيس صورة المستقبل وفي تدعيم وحفز حركة الفنانين من مختلف المجالات حتى يبدعوا أكثر في تقديم ما لديهم.
ان تبني المواهب وترسيخ أسباب التواصل بين الفنانين المحترفين والهواة والنشر وإقامة الملتقيات.. كل ذلك يحقق الكثير لصالح التاريخ الفني في الشارقة وفي الإمارات بشكل عام وهو ما يجب الحفاظ عليه وحمايته ودعمه دائماً.