الملحق الثقافي

«أنثى عذراء».. الحب في مواجهة الكراهية

توفيق عابد

وصف تيسير سلمان مؤلفه «أنثى عذراء كل يوم .. محاولة جديدة في اكتشاف عمّان» بأنه كتاب نثري أو مساحة نثرية في حب العاصمة الأردنية التي يقول عنها: «ليتني أستطيع أن أغلق عليك لأنظفك من كل أشكال الكراهية والفساد والأنانية التي لا تنتج معرفة».
ويضم الكتاب الواقع في (149) صفحة 14 قصة مختلفة في ظروفها ومحيطها الاجتماعي، تحمل كلها أسماء فتيات تابعهن تيسير سلمان على مدى سبع سنوات واقتحم عوالمهن وبسطها لقرائه كما هي بشفافيتها وغموضها.. أهداه للمدينة التي يعشق: «إلى كل من أكلت تفاحة إيماني .. وتركت ليّ بذور العدم .. إلى عماّن الأنثى العذراء كل يوم».

عمّان.. من فتياتها
من وجهة نظر الكاتب فإنه أراد من خلال شخصية «نهار» أن يكتشف عماّن فوجد أفضل وسيلة لمعرفتها التعرف على فتيات المدينة؛ فكلما ازدادت معرفته بهن تزيد المدينة وضوحا وانكشافا لكن أي فتيات يمكن أن يقدمن صورة واضحة كما أراد الكاتب: فهل هن الطبيبات أم المهندسات أم مربيات الأجيال أم بائعات الهوى أو النادلات أم المتسكعات في الطرقات أثناء الليل أو النهار؟!!.
وبلغة بسيطة لكنها تحمل الكثير من الرمزية والإيحاءات يقدم الكاتب شخصية «نهار» وهي ربما الرئيسة «غير أن كل عشيقاتي عرفتهن في الليل.. هذا ما يلزمني ويروقني فعله.. عليّ أن أجد عشيقات أخريات دائماً».
هذا الطرح يشي بكثير من البوح قد يكون ذاتيا أو شخصية متخيلة أراد الكاتب أن يحملها قسطا من خطايا وذكريات الماضي أو مراهقة الشباب في رحلة البحث عن الفحولة أو محاكاة بطولات أقرانه، في مدينة مفتوحة على أرجائها كنقطة جاذبة، لا تلفظ من يقصدها أو يلجأ لها بل تحتضنه وتقتسم معه لقمة العيش وشربة الماء.
فعمّان أسوة بمدن الجوار ليست حكراً على سكانها.. بل تجتذب فتيات من خارجها للبحث عن عمل أو علم أو متعة؛ فرغم أن «نهار» كما جاء في عنوان فرعي «معجزة الحب ومحرابه» كان يتوق لعشيقات جديدات حيث يرى فحولته أو دليل ذكورته، وهو سعيد بهذا، إلا أن الألم كان يشتد في روحه كلما تذكر فكرة الاعتداء على أجساد عشيقاته كما ورد في النص. فهل تنازعت البطل أو تصارعت داخله شخصيتان متناقضتان أو سلوكان متأرجحان في زحام الحياة وملذاتها وتعقيداتها «بين الإقدام على فعل ومن ثم الندم والألم» أم أن إشباع الناحية البيولوجية من علاقات غير شرعية يفجر سؤالاً وتفكيراً ويمهد طريقا لعاطفة منتظرة قوامها الخصوصية وهذا ما أراده المؤلف. فالبطل كما جاء في النص شخصية واضحة تعرف ما تريد وما تتمنى، وتريد أن تبوح بعد أن ارتوت.. وهذه ربما واحدة من إيحاءات الكاتب المضمرة فمن منّا بلا تجارب لكننا ننتظر حبا يخرجنا من المنطقة الرمادية أو الرغبة المتجولة في حياتنا دون ضوابط: «يصغي للخطى البعيدة بهدوء بالغ أكثر من أي وقت مضى.
إنها خطوات الحب التي يحب فكرتها وسماع صوتها كما يحب وجودها»، وسط مدينة مهووسة باللذات والمتع حتى وإن كانت كاذبة وفق المؤلف. والمتصفح لمحاولات تيسير سلمان في رحلته لاكتشاف عمّان بأسماء فتيات ذات مغزى قيمي كصفاء ووفاء ورزان ومنى ونوال وهبة يلاحظ أنه استهل كل قصة بجملة مشهورة؛ ففي «فدوى» استعان بجملة كتبتها جوزفين لنابليون «أنا بعيدة عنك بالجسد فقط .. أما روحي التي هي ملكك فقريبة منك.. تحوم حولك وتتنشق شذى حبك وتنعم بهواك»، وكأنه يستظل بأجواء قصص الحب المتداولة وينشطها في ذاكرتنا ليرفع البطاقة الصفراء في زمن غاب فيه الحب والانتماء وحقوق المواطنة وتلبدت الأجواء بالكراهية والأنانية والفساد.
ويلمس القارئ أثناء تقليب صفحات «أنثى عذراء كل يوم» أنه يستحضر رائعة الروائي المصري مصطفى لطفي المنفلوطي «العبرات» بما فيها من عواطف نبيلة متدفقة بأسلوب سهل ومشوق لا يسمح لك إلا بالمتابعة حتى السطر الأخير، وربما يجبرك على التوقف في محطات بذاتها لتنبش ما تختزنه الذاكرة من تجارب تستعيد فردوسا ذبلت أزهاره قبل أن تورق وأخرى مفجعة تثير الحزن والأسى.
والسؤال الذي يحضر هو لماذا أربع عشرة قصة؟ وهل جاء هذا الرقم مصادفة أم مقصوداً في ظل الجبال ألـ «14» التي تشتهر بها عمّان؟ هل يقدم الكاتب نماذج لفتيات اختفى وراءهن ليبث حبه وعشقه لعمان ويتحدث عبر شخصياتهن المتباينة ثقافة وتوجها وانتماء؟.. فصفاء المثقفة المولعة بالنحو تعيش نصف يومها تحت تأثير سحر «المخدر» واللغة وتترك النصف الثاني لي وحدي أعيشه مستغرباً من عشقها الشديد للغة: «تستطيع أن تتحدث عن العالم النحوي «ابن جني» ثلاثة أيام متواصلة دون انقطاع .. وكانت تربط بينه وبين تشومسكي بطريقة توحي بأنهما توأم معرفي».
وفي المقابل كما جاء في حكاية «صفاء» التي استهلها بعبارة للوليد بن يزيد «فالليل أطول شيء حين أفقدها .. والليل أقصر شيء حين ألقاها»، فإن قلة من نساء عمّان يمكن أن يذكرن أسماء عدد من الروائيين أو الملحنين أو الشعراء لكن «صفاء» لم تكن مهووسة باللغة فقط بل مهووسة أيضاً بالجنس وكان جسدها يتمتع بحيوية الذوبان بسهولة «نموذجان مختلفان من نساء عمّان».

صراخ.. وفوارق
لم يكن الكتاب مجرد سرد تجارب عاطفية وجنسية كما قد يخيل للقارئ، بل اقتحم أخطر القضايا الاجتماعية في المجتمع الأردني: «أحتاج لفهم خوفك الذي زرعته الفوارق الطبقية بيننا». وقدم وجهة نظر في تجاوزها تقوم على أساس ما أسماه «الصراخ الجماعي» وحواس يانعة لا يقصفها الموت بالهجران «دعوة للتمرد على الفوارق الاجتماعية» والصمود في مواجهة الذين يختفون وراء الفوارق الطبقية لتبقى جيناتهم نقية.
كما يطرح تيسير سلمان فلسفته نحو الحياة.. «أين تمتد حدودك!»، كما نحو الحرية، التي يرى أنها ليست اختيار الكائن لعبوديته دائما، وهنا يخاطب «صفاء» بأن الحرية هي التي علمتك أن تحبي التعب اللذيذ الذي تتركه لك حريتك، ويقول: «لقد حاولت الحياة أن تعلمني أن فتيات عمّان يحببن تعب رغباتهن .. لا تعب أجسادهن».
ويكشف الكاتب عبر رحلة في سيكولوجية فتيات عماّن وليلها أن ليل عمّان ليست لفتياتها، إنه للغريبات والنادلات وبائعات الهوى، وأن أعمق ما فيه هو الغياب المطلق لفحولة الحياة والأشياء لأن الكائنات المجروحة منذ نصف قرن بالهزائم أصبحت تتقن تربية الأمل بملل.
ويستشف من مجمل حكاياته أن الحب هو الحل بمواجهة الكراهية والفساد والأنانية في وطن هجر الألفة وضاق جلده من شدة الانحناء وشاخ في ممرات الفضيلة، ومن وجهة نظره: «من يحب لا يكره».
وعلى لسان «شمس» التي تكره الرجال الباحثين عن عظمة، يدير الكاتب حوارا ثنائيا ليبين فلسفته الخاصة: «أسألك هل تحلمين؟!، فتجيب: عمّان مدينة لا تدخلها الملائكة!. ليسأل مجدداً: وما علاقة الملائكة بالأحلام؟!، فترد: إنني العب هنا دور الملاك.. لست هامشية كنملة على الأرض.. أنا مدللة مثل كوكب.. ليمرر مقولته: «نحن على الأرض لا نختار أحلامنا ولا نستطيع أن ننتقي أمانينا لأن الأماني والأحلام هي التي تختارنا والأقدار هي التي تختار لنا». وينتصر الكاتب للمرأة ففي رسالة لبطلته «نور» يكتب: «الرجولة في عمّان ضد الحياة .. إنها بطولة مركزة تسحق المرأة كأنها حشرة .. كأنها انفجار من الضحك». كما انه ذهب إلى قاع المدينة فرأى عوالم سرية وكائنات تشبه طابورا تعشش في عزلة كعزلة الخط المستقيم داخل دائرة.
ولم يسلم الشعر من لدغة رغم كون الكاتب شاعرا فرغم اعترافه بأنه يصنع الحياة واليقظة إلا انه لم يعد يقول الحقيقة وإنما يبكي عليها أو يقول كيف هي الحياة ولمن يكتب الشعراء ومن أين لهم هذا الاحتفاء بالحياة وهم أكثر البشر شتماً لها!!.
يذكر أنه صدر لتيسير سلمان ديوانان شعريان هما: «خروج مؤقت» و «ملمس غامض» وكتاب «تأمل ينابيع تتفجر .. حوارات مع الدكتورة ثريا ملحس» ومراسلات عيسى الناعوري مع نازك الملائكة «ومسرحية «فالنتاين» لمسرح الشباب.
ومن قصة «هناء» التي وصفها بعاشقة المرايا بشغف نقتبس: «كيف أحدثك عن وطن رحل ولم يمت .. وطن هجر الألفة وشاخ في ممرات الفضيلة وضاق جلده من شدة الانحناء.. هذا ما أسأله لكل هذا الليل المترامي أمامي كسجادة حمراء.. أريد أن أفعل تماما ما يمليه عليّ خيالي ولكن لا أستطيع أن أغلق المدينة لأنظفها وعلى أحد مقاعدها العامة أشرب الكوكا كولا وألعن كل ما يحدث. الليل يمضي في المدينة ورغبتي بوطن يكون بحجم راحة اليد ما تزال ماكثة في محلها. وحبي الذي أكتبه كما أكتب اسمي آلاف المرات على جدران ليست لي وحدي يمضي».