الملحق الثقافي

البحث عن كهف المعنى..

جاسم العايف

«عبدالخالق محمود.. شاعر بصري، ينسجم والطريقة البصرية في الدأب الصامت على الكتابة الشعرية»، هكذا قدمته مجلة (أسفار)، مجلة اتحاد أدباء العراق في حينها، وبعددها 15 في 15 آذار/ مارس 1993 بمقال كتبه القاص محمد خضير بعنوان «الطبائع السبع لشاعر الظل».
وأكد محمد خضير أنه: «يأتي وقت يبيح فيه شاعرُ الظّل دم قصائده باختياره، فتدور المطبعة لتسترجع زمان القصائد إلى اللحظة الراهنة التي تتنازع عندها طبيعة الإسرار مع رغبة الإعلان، ووجد البوح مع شوق الإباحة».
وأضاف: «قصائد عبد الخالق محمود تتدرج من البوح الواطئ إلى الصوت المرتج بالألوان والبروق والتقلبات، وانه بذلك يضمن وصول الإشارة إلى كهف المعنى، و نشره لهذه القصائد وباختياره فإنه يضحي من شبَابته قرباناً لمجهوليته التي تكتمَ عليها بإباء وإيثار وزهد وحرمان وسيعود بسلام إلى مجهوليته، غنائه الخافت، كهفه الصامت».
وعدّ محمد خضير القصائد السبع،التي نشرتها المجلة، للشاعر عبد الخالق محمود بمثابة «الذبائح» الموصولة بحبال تلك القصائد، واقترح أسماء أخرى، مغايرة لها.
ولد الشاعر عبد الخالق محمود في البصرة عام 1945 وتخرج في جامعتها عام67 - 68 كلية التربية - قسم اللغة العربية، ودَرَسه بعض الأساتذة الأجلاء في الجامعة منهم الشاعرة الراحلة نازك الملائكة. صدرت لــ «عبدالخالق محمود» مجموعته الشعرية الأولى عن اتحاد الأدباء في العراق عام 1994 وبعنوان «مراثي الشمس.. وقصائد أخرى»، وهي مختارات من قصائده المنجزة خلال الأعوام الممتدة من 1980 - 1993. وله مجاميع شعرية مخطوطة أخرى.
في نهاية التسعينيات أخذت صحة عبدالخالق بالتدهور. تناوب المرض، والحصار عليه، وعندما كان ينتظر دنوّ لحظات الموت بقي مع عذابه وفجائعه التي أطبقت عليه، ومنها وفاة أمه التي يعيش معها وحيداً، ومرضه الفتاك خلال تلك المرحلة القاسية والمريرة، ظلَّ على سجيته، هادئاً وأشدّ التصاقاً بميزاته الخاصة ومباهجه الحياتية اليومية - البصرية الأصيلة، ومواصلاً ولعه المتميز بـ»المسرة والمرح والنكتة». خلال جلساتنا، ليلاً في حديقة اتحاد أدباء البصرة، وأماكن غيرها، كان راوياً و صانعُ طرائف من طراز فريد لا يبارى. غادر عبدالخالق عالمنا في أوائل نوفمبر عام 2001، وفي أربعينيته، التي أقامها اتحاد أدباء وكتاب البصرة، وساهم فيها عدد من أصدقائه ومنهم القاص محمد خضير الذي قال في كلمته المعنونة «في حانة الموت»: إذا صَدَقَ تشبيه المتصوّفين للأحياء بالمسافرين الذين ينتظرون الرحيل «في حانة الموت»، فقد تصّْدق رؤى ندماء الحانة وأمانيهم وخرافاتهم، فيُدفن أبو محجن الثقفي (في أصل كرمة تروّي عظامه بعد موتهِ عروقها)، ولا تصدق رؤيا شاعرنا عبد الخالق محمود وإن تمنّى ما تمنّاه أبو محجن. إذ دُفن عبدالخالق - تحت وجه اليقين- في أصل «أثلة» بمقبرة الحسن البصري، خلعت حيّات الزبير جلودها في ثقوب رمالها حولاً بعد حول، منذ أن قال لبيد بيته الشهير:
ألا كـلّ شـيء ما خـلا اللـه باطــلُ
وكــلّ نعـــيمٍ لا محـالــــةَ زائــــلُ

حياة ثقيلة
مؤخراً، صدرت مختارات شعرية لعبدالخالق محمود بعنوان «عازف آخر الليل» قدم لها الناقد جميل الشبيبي مؤكداً فيها بأن «قصائده تحمل أعباء حياته الثقيلة التي كانت قصيرة وإذا تأملنا عالمه الشعري سنجده عالماً محدوداً بتفاصيل تشبه حياته فهو لم يتطلع إلى عالم رحيب أو فضاءات يتقصى فيها خياله مدن اليوتوبيا. كان الشاعر عبد الخالق كياناً من الإحساس والمشاعر المشبوبة بحب الحياة والبشر، وعدواً لكل مظاهر الاستلاب والغلو والعسف الذي يصيب الإنسان في كل مكان وزمان». عبدالخالق محمود يملك توجهاً وتمكناً لغوياً واضحاً بحكم تخصصه باللغة العربية وتدريسها سنوات، لكن لغته ليست لغة تراثية بل كانت لغة مرنة ودون حذلقة أو زوائد:
«اهدأْ، قليلاً/ ثُـمَّ فكّرْ:/ ما الذي يعني اشتعال الروح/
ما تعني الرؤى والمستحيلْ؟.»
«ما الذي تعني المكابرةُ الغبيةُ/ ضاعَ عمرُكَ/ وانتظارك/ صارَ وهماً/ صرتَ، بين الوهمِ والسهم:/ القتيلْ»
«ويُطلُّ وجهٌ/ خلفَ نافذةٍ/ وقد أسميتُهُ حُبِّي/ يُغادرُني، إليها، طائراً قلبي/ ويُصبحُ بيتُها/ بيتي!».
«حولي، يزهر النارنج والرمان/ واهمس:/ الضحى يغرق في نافورة الألوان/ سلاما أيها البستان».
في بعض قصائد عبدالخالق نلمس تأثراً واضحاً بشعراء رواد عراقيين معروفين، ولم يكن عبد الخالق منفرداً في هذا بل شمل ذلك التأثر عدداً كبيراً من شعراء السبعينيات العراقيين والعرب كذلك. لكن ثمة اهتمام شديد بالتوجهات الشعرية الخاصة بعبد الخالق.

الموسيقى الخفية
قصائده تتميز بوضوح ودون تعقيد وبالموسيقى الخفية تارة والبارزة تارة أخرى. كما تأثر بشعر الشاعر محمود البريكان، الذي كان يُؤثر شخصه وشعره إلى درجة كبيرة، دون أن يتلامس، مع عمق أفكاره الكونية الباهرة ورؤاه الفلسفية العميقة التي تميز شعر (البريكان). عبدالخالق محمود في كل توجهاته الشعرية، يرى ما يؤكده «ارشيبالد مكليش» في أن الفن عامة، و القصائد بالذات: «من صنع البشر، وان لم يستطع البشر أن يأخذوا على عاتقهم (فهمها وصناعتها)، فإن هذا لا يدل على عظمتها وقوتها، بل على تفاهتها وضعفها». كتب عبد الخالق عن أشياء واجهها في حياته اليومية المفجعة، ومنها قصائد عن بعض أصدقائه الذين افتقدهم، بفعل الموت، أو عندما اضطروا لمغادرة مدينته أولاً والعراق ثانياً لظرف شتى.
عمد «عبدالخالق» في شعره لاستخدام بعض الأساطير، كـ «كلكامش وانكيدو، هابيل وقابيل، وأبو الهول وموت الأمير و أوديس و آرغوس وطروادة «، وهو ينظر إلى الجوانب الفجائعية فيها فقط، و هذا انعكاس لتصوراته عن الوجود الشخصي المأساوي للإنسان الأعزل في هذا العالم، دون أن يتعامل معها بعمق الأفكار، والتي تعد الأساطير بمثابة المعنى في تطور الفكر الإنساني العابر لكل الأزمنة التي مرت بها البشرية، بغض النظر عن مكان نشؤها. كما انه لم يستفد من دلالاتها التاريخية والأنثروبولوجية.

الحالة الوجدانية
اعتمد الحوار في بعض قصائده ومنها» أوديس وعواء آرغوس وكلكامش وانكيدو و أحزان الممثل وهاملت يصحو والغجري والنجم وبيت في قرطبة وأغنية إلى قلبي وحانة بصرية وليلة شتوية ومساءات بصرية وحانة بصرية.. وغيرها». الحالة الوجدانية في شعره عبد الخالق واضحة، و من علاماتها البارزة الحب الإنساني، المفتقد واقعاً، وهو الموضوع الأكثر أهمية في أغلب قصائده، وكانت الغنائية المترفة غالبة على جل ما كتبه في هذا الجانب، وهو يسعى في ذلك إلى استنطاق آسى روحه المرهفة - العذبة، حتى يصبح تراكماً لا لبس فيه من خلال التعبير عن إحساسه بمسيرة حياته اليومية وفجائعها المتواصلة:
ما بيننا أغنيةُ لا تنتهي/ ما بيننا محضُ اشتياق/ٍ ومساء كلّما جاءَ/ رجعنا، مرةً أخرى، صَبيّيْنِ
كأنَّ العمرَ يمشي للوراءْ !.»
ثمة فتيات حملن أسماء مختصرة في بعض قصائده مثل (فتاة الحانة) و (فتاتان) و (قاف) و (ق. ي) و (داليدا) والقتيلة (م) و (إزهار) و (س) و (ع...) وأخريات مجهولات و دون أسماء، وبعيدات المنال:
في كل قصائده لم يسعَ عبد الخالق إلى تجاوز قصيدة التفعيلة أو الخروج على ضوابطها. مجموعته الأولى «مراثي الشمس.. وقصائد أخرى» تأخر طويلاً في نشرها. لكنه نشر قصيدة (آدم) في مجلة الأقلام العراقية عام 1978 باسم «عبدالله محمود» واكتشف ذلك الشاعر» حسين عبداللطيف»، كما كتب ذلك، عند مشاركته في ملف أصدرته عنه، عام 2006، جريدة «الأخبار» الأسبوعية التي تصدرها شبكة الإعلام العراقية في البصرة وساهم في الملف القاص الرائد محمود عبدالوهاب، والقاص محمد خضير، والكاتب جاسم العايف، والناقد التشكيلي خالد خضير الصالحي، والناقد جبار النجدي، والصحفي عبدالحسين الغراوي. كان «عبدالخالق محمود» دائم التأني في ما يطرحه من شعر وبما يتضمنه من رؤى، بسبب هواجسه، غير المبررة لنا، في التكتم على شعره الذي حدَّ هو بالذات، من الإعلان عنه. من الملاحظات حول «عازف آخر الليل» إنه تمت إعادة نشر قصائد سبق أن نُشرت في «مراثي الشمس..»، ومنها «الفتى والمدينة» و «هاملت يصحو» ونشرت دون عنوان، فقط، وقصائد «حوار، وأغنية إلى قلبي وأحزان الممثل» وثمة تكرار لمقاطع من قصيدة «المسافر» وتكرار كذلك لمقاطع شعرية متعددة منشورة في بعض قصائد «مراثي الشمس..»، وأعيد نشرها متداخلة مع بعض قصائد أخر في «عازف آخر الليل..».