الملحق الثقافي

الزئبق الأحمر ولعنة الفراعنة.. خرافة

حلمي النمنم

الكتب والدراسات عن الآثار المصرية كثيرة جدا، وهي باللغات الأوربية أضعاف ما يصدر باللغة العربية، لكن الكتاب الذي صدر مؤخرا في القاهرة يستحق اهتماما خاصا لأن المؤلف د. يوسف حامد خليفة عمل طوال حياته الوظيفية في مجال الآثار، بدءا من مفتش مساعد بمنطقة آثار المطرية وعين شمس، حتى انتدب للعمل مديرا لإدارة المضبوطات الأثرية والمسروقات بالمجلس الأعلى للآثار، الذي أصبح وزارة الآثار حاليا، وبهذه الخبرة العملية الطويلة، فضلا عن الدراسة النظرية وضع هذا الكتاب «الآثار المصرية.. قضايا ومضبوطات».
المفاجأة التي يقدمها المؤلف أن الكثير من قضايا ومضبوطات الآثار، يكون وراءها غالبا عصابات النصب، ويذكر أن حوالي 90 في المئة منها تكون آثارا مقلدة وليست أصلية، تروجها العصابات مستغلة طمع بعض الأثرياء ورغبتهم في المزيد من الثراء، فضلا عن ولع بعضهم بالآثار، ويستغلون كذلك بعض الفقراء الذين يمنونهم بالمال والهرب من أزماتهم المالية والاقتصادية.

سبب للإغراء
نقطة الإغراء لدى تلك العصابات ما بات يعرف إعلاميا باسم «الزئبق الأحمر» والمعروف أن أكسيد الزئبق الأحمر يستخدم في المفاعلات النووية، وقد انتشرت تجارته وتهريبه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكيكه سنة 1990، ثم ابتكر النصابون حيلة ادخلوا بها الزئبق الأحمر في مجال الآثار المصرية، فقد انتشرت شائعة بأن الزئبق الأحمر له تأثير قوي على الجان الأحمر ويتحكم فيه، وأن الجان تتغذى به وأن بعض المومياوات المصرية بها ما يشبه البلحة الصغيرة المملوءة بالزئبق الأحمر، وبالحصول على هذه البلحة يمكن تحضير الجان الذي يدل صاحبه على أماكن اختفاء الكنوز الأثرية القديمة وكيفية الوصول إليها.
على هذا النحو ذهب احد النصابين إلى رجل ثري يملك فيلا بحي المطرية في القاهرة واقنعه بأن الفيلا تقع فوق كنز أثري وانه يمكن الحصول عليه دون هدم الفيلا ويلزم لذلك جرامان من الزئبق الأحمر. سخر الرجل من هذا النصاب، لكن مع شدة الإلحاح والإغراء وقع في الغواية. افهمه النصاب أن هناك تاجرا بالصعيد لديه جرامان من الزئبق عرضهما للبيع بمبلغ 60 ألف جنيه مصري وأنه بالتفاوض يمكنه شراؤهما بمبلغ 50 ألفا فقط، دفع المسكين المبلغ وجاءه النصاب ببلحة صغيرة من البورسلين، حمراء اللون بداخلها بودرة حديد ممغنطة، حمراء اللون، تبين بعد ذلك أن اللون الأحمر هو سائل كركديه غمرت به، وضع الرجل البلحة اسفل ورقة فوقها مفتاح صغير وكلما حركها تحرك المفتاح وتصور الرجل أنه فعل الجان. ثم دخل غرفة في (بدروم) الفيلا حفر بها وبعد ساعة صرخ انه وجد ثلاثة تماثيل صغيرة خضراء اللون، يتراوح ارتفاعها بين 20 و25 سنتيمتراً، وأنه يجب وضعها في الشرفة حتى تجف ويتضح لونها في الشمس وخرج مسرعاً، ثم ابلغ البوليس عن وجود قطع أثرية بالفيلا وقبض على صاحب الفيلا وتبين بعد المعاينة والتحقيق أن التماثيل حديثة وليست أثرية، وانشغل الثري بالقضية عن النصاب الذي أخذ منه مبلغ 50 ألف جنيه، وهكذا انتشرت عمليات النصب ولا تزال، سواء على الأثرياء أو على الفقراء في بعض قرى الصعيد بوهم استخراج آثار.
يتحدث المؤلف كذلك عما يسمى «لعنة الفراعنة» التي روج لها البعض وتحولت إلى نوع من الفلكلور، حتى أن أنيس منصور اصدر كتابا بهذا العنوان.
أورد أنيس في كتابه الكثير من حكايات ونوادر لعنة الفراعنة، كم رددتها في السنوات الأخيرة بعض الصحف الأميركية حول زاهي حواس، وتقول الأسطورة إن كل من دخل مقابر الفراعنة يصاب بمرض أو يقع له حادث ينتهي بوفاته، وقد بدأت الأسطورة مع اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك بالبر الغربي في مدينة الأقصر سنة 1922، حيث ارتبط هذا الاكتشاف ببعض المفارقات منها أن عصفور الكناريا الذهبي الخاص بهوارد كارتر مكتشف المقبرة عضه ثعبان «الكوبرا» لحظتها ومات.. وهذا في نظر د. يوسف خليفة أمر عادي، خاصة أن المنطقة تنتشر بها «الكوبرا» ومع وجود عصفور في قفص وحيدا يكون غذاء سهلاً أمام الكوبرا. يفند المؤلف كل الوقائع التي قبلت للترويج حول لعنة الفراعنة، ولعل أهم دليل لديه على عدم صحة نظرية اللعنة أن كارتر نفسه عاش 17 سنة بعد اكتشاف المقبرة دون أن يقع له مكروه أو يصاب بأذى، على أن هناك ما اكسب تلك الأسطورة بعض المصداقية، وهو أن طول مدة إغلاق المقابر الفرعونية يجعلها تمتلئ ببعض الميكروبات التي يمكن أن تصيب البعض بالأمراض، خاصة الذين يدخلون إليها فور افتتاحها.
يرجع د. خليفة انتشار تهريب الآثار والاتجار فيها، سواء كانت مقلدة أو أصلية إلى ضعف القوانين والتشريعات في مصر التي تحرم الاتجار أو التهريب، لكن الأهم من ذلك هو ضعف الوعي العام، ذلك أن تغليظ العقوبات نادرا ما يؤدي إلى تراجع بعض الجرائم.
ويقدم المؤلف سجلاً بالقضايا التي ضبطت خلال الأعوام 2008 وحتى 2010 وتم التحقيق فيها، ويتضح منها أن محافظة المنيا هي الأعلى بين محافظات مصر في هذا الجانب خلال عامي 2008 و2009 تليها الجيزة والقاهرة، غير أن النسبة الأعلى من القضايا يتضح منها أن الآثار تكون مقلدة بحرفية عالية.. في عام 2010 ضبطت في القاهرة 37 قضية بينها 28 تحتوي على مضبوطات غير أثرية وفي الجيزة 24 قضية بها آثار حقيقية بينما هناك 51 قضية تبين أنها مقلدة، وفي عام 2009 ضبط في المنيا 64 قضية بها آثار وهناك 83 قضية تبين أن المضبوطات غير أثرية.