الملحق الثقافي

الشيب.. رسول الردى أو بريد الموت

حفل التراث العربي الإسلامي عبر العصور الأدبية بشواهد شعرية ونثرية للكثير من الجوانب الحياتية التي يمرّ بها الإنسان في دورة حياته الطويلة. ومن تلك الأشعار ما أنشده الشعراء العرب عن ظاهرتي الشباب والفتوة والمشيب والكهولة، والحسرات التي يطلقونها حرّى على تلك الأيام الراحلات إلى غير رجعة، وكأنّهم يريدون أن يتشبثوا بالزمن وأن لا تفلت منه عقاربه المسافرات نحو الضفة الأخرى.


عبدالمجيد عبدالحميد

أشار د. عبدالغني أحمد زيتوني في كتابه الإنسان في الشعر الجاهلي أنه قد زاد في” أهمية الشباب، لدى الفرد الجاهلي، أن البيئة التي يعيش فيها، وظروف المعيشة التي تحيط به، والحياة القَبَليّة التي يحياها بغزواتها وغاراتها، تطلبت منه قوّة جسديّة لمواجهتها والتغلب عليها، كي يتمكن من الحفاظ على بقائه واستمرار وجوده، فضلاً عن انّه كان يجد في الشباب، غالباً مجالاً لتحقيق رغائبه في الحياة، وقدرته على تنفيذ كثير من آماله وأمانيه”.
وأضاف: “وبذلك هيأ الشباب للفرد القوّة لخوض الحروب، ومُقاتلة العدو، والصبر على شدائد الحياة في البادية، كما هيأ له أسباب الفتوة القادرة على ضروب اللهو، وشتى مُتع الحياة. وربما كان هذان الأمران مُنطلق الشاعر الأعشى في تصويره للشباب تارة بالرُّمح القويم، ذي السِّنان الحاد اللامع، الذي لا يُشكُّ في قدرته على اختراق الأجسام والنفاذ فيها. وتصويره تارة ثانية بإناء الذهب الذي جهد صانعه في صياغته، فاكتمل بهاءً ورونقاً، وغَدَا وسيلة ماتعة إلى نهل الملذات.
كما يمكن للمتابع أن يستوحي من رؤية الشعراء للشباب عامة أنهم كانوا يعدّونه خلاصة العُمْر وزَهْوه؛ فهم يبدأون في إيراد صور حافلة بمسراته وأفراحه؛ سواء أكانوا في مرحلة الفتوة أم كانوا في مرحلة تالية لها. ففي المرحلة الأولى نجدهم يفخرون بها ويتمتعون به من قوة كبيرة، تجعلهم فُرساناً أشداء في المعارك ومُجابهة الأخطار، ويتباهون بما يمارسون في حياتهم من ملذات، تشبع أحاسيسهم المُتوثبة. وفي المرحلة الثانية نجدهم يمتلئون حسرة وألماً على ما مضى من عهد اللذائذ والمسرات، ويكون دَيدَنهم حينذاك أن يسترجعوا في مُخيلاتهم صورة الشباب الآفل، والنعيم الزائل. وينبغي أن يكون بيّناً لنا أن لفظ الفتى حين يرد في الشعر يدل على الشباب غالباً، وقد تُضاف إليه معانٍ خلقيّة تقترن به، وفي مقدمتها الشجاعة والكرم، وهذا ألمح إليه علماء اللغة أثناء حديثهم عن هذا اللفظ، عند صاحب لسان العرب، وساس البلاغة، والقاموس المحيط. وانطلاقاً من المفهوم السابق للشباب والفتوة نجد شاعر المعلقات طرفة بن العبد يفخر بنفسه، فهو الفتى القوي الذي يُلبي النداء في المُلِمات، ويُبادر إلى غوث الآخرين ومعونتهم، وهو الفتى الذي يجمع بين صواب الرأي في المشورة وحُسْن المُنادمة في الشراب. كما رأى أنّ عهد الشباب عند الشاعر زهير بن مسعود الضَّبِّيِّ حافل بمباهج الفتوة، ومسرات الحياة التي تبعثها قوة الصَبَا وعنفوانه، ومُقترن في نفسه بمُعاقرة الدِّنان، ومُقارعة الأبطال، والمغازلة، والقدرة على تفرِّيج الهموم وإزالة الأحزان.
الثعالبي وشرخ الشباب
ضمّن الثعالبي في كتابه” فقه اللغة وسرّ العربية” فصولاً للحديث عن الشباب، فقال في الفصل الأوَّلُ “في سيَاقَةِ الأوائِل”:” شَرْخُ الشَّبابِ ورَيْعَانُه وعُنْفُوانُه ومَيْعَتُهُ وغُلَوَاؤُهُ أوَّلُهُ، ورَيْقُ الشَّبابِ وَرَيِّقُهُ أَزَلُهُ. وجاء الفصل الثالث منه “في ظُهُورِ الشَّيْبِ وعُمُومِهِ”، قوله:”يُقَالُ للرَّجُلِ أوَّلَ مَا يَظْهَرُ الشَّيْبُ بِهِ: قَدْ وَخَطَهُ الشَّيْبُ، فَإِذا زَادَ قِيلَ: قَدْ خَصَّفَهُ وَخَوَّصَهُ، فإذا ابْيَضَّ بَعْضُ رَأْسِهِ قِيلَ: أَخْلَسَ رأسُهُ ، فهو مًخْلِس، فإذا غَلَبَ بَيَاضُهُ سَوَادَهُ ، فَهُوَ أَغْثَمُ، عَنْ أبي زَيْدٍ، فإذا شَمِطَتْ مَوَاضِعُ مِن لِحْيَتِهِ قِيلَ: قَدْ وَخَزَهُ القَتِيرُ وَلَهَزَهُ، فإذا كَثُرَ فِيهِ الشَّيبُ وانْتَشَرَ قِيلَ: قَدْ تَفَشَّغَ فِيهِ الشَّيْبُ ، عَنْ أبي عُبَيْدٍ عَنْ أبي عَمْرٍو”.
بينما ذكر ابن دريد في” جمهرة اللغة” قائلاً: “والبُعْد: ضد القُرْب. وبَعْد ضدّ قَبْلُ. وتقول العرب: فلان غير بعيد وغير بَعَد، سمعها أبو زيد من العرب. وبَعُدَ الرجل يَبْعُد بُعْداً من النَّأي، فإذا أمرتَ قلتَ: ابْعُدْ. وبَعِدَ يَبْعَد بَعَداً من قولهم: أبْعَده الله، فإذا أمرت قلت: ابْعد. قال الشاعر:
صبا ما صَبا حتى علا الشَّيبُ رأسَه
فلمّا علاه قال للبـاطـل أبْعَدِ
ونقرأ في كتاب الشين في “أساس البلاغة” للإمام للزمخشري، قوله: “ش ع ل أشعلت النار في الحطب فاشتعلت‏.‏ وكأنه شعلة قبس‏.‏ وجاءوا بين أيديهم المشاعل جمع، أصـاحِ تـرى بريقـاً هـبّ وهناً كمصبـاح الشُعيلـة في الذبال ومن المجاز‏: ‏‏”واشتعل الرأس شيباً‏”‏ وقال لبيد‏:‏
إن ترى رأسي أمسى واضحاً
سلّـط الشيـب عليـه فاشتعل
وأشعلت الخيل في الغارة‏:‏ بثثتها‏.‏ وجراد مشتَعَل بالفتح والكسر‏.‏ وأشعل إبلـه بالقطـران‏.‏ وأشعلت فلاناً فاشتعل غضباً‏.‏
وقال أبو عمرو بن العلاء: “ما بكت العرب شيئاً ما بكت على الشباب، وما بلغت به ما يستحقه”!.
الشيب شعراً
ومن النثر إلى الشعر، حيث ذكر ابن قتيبة في كتابه “عيون الأخبار” قول أحد الشعراء في هذا المقام:
ألا قالت الحسناء يوم لقيتهم
كبرت، ولم تجزع من الشيب مَجزعا
رأت ذا عصاً يمشي عليهم وشيبة
تقنّع منهم رأسه ما تقنّعا
فقلتُ لهم: لم تهزئِي بي فقلّما
يسود الفتى حتّى يشيب ويصلَعَا
وللقارح اليعبوب خير علاية
من الجذع المجرى، وأبعد منزعا
مخطوط عن الشيب وبكاء الشباب
تحفل المكتبة العربية بكنوز مخطوطة من إبداعات علماء وأدباء الحضارة العربية الإسلامية التي ما زالت بِكْرأً لم تمتد إليها أيادي المحققين والباحثين، ومنها “مخطوط عربي نادر عن الشيب والخِضاب وبكاء الشباب” وهو “نصوص نادرة لابن الجوزي وقصائد عربية قديمة عن دورة الزمن” للأكاديمي والمحقق العراقي الدكتور جليل العطية نشير إلى طرف مما كتبه عنه فقال:”قال المفسرون في قوله تعالى «وجاءكم النذير».. سورة فاطر/37. قالوا: الشيب. ومن ذلك قال الحكماء: الشيب نذير المنية والشيب بريد الموت!.
وقد عنى العرب والمسلمون بالشباب والشيب والخضاب فخصوا هذه الظواهر بمؤلفات ضاع معظمها، وكتب العطية مقتطفات من مخطوط ابن الجوزي (511 – 597 هـ) قال فيه:” الكتاب حافل بالأخبار والأشعار الخاصة بالشباب والشيب، ولتوضيح أسلوب المؤلف، نقدم أدناه ملتقطات منه منتزعة من الباب التاسع وهو أوسع أبواب الكتاب وأحفلها بالنماذج الشعرية والنصوص النثرية:
ـ أنبأنا سلمان بن مسعود قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا محمد بن علي البيضاوي قال أنبأنا عمر بن سعد القراطيسي قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد قال حدثنا أبو بكر الخثعمي عن محمد بن سلام الجمحي قال: قال يونس بن حبيب النحوي: ما بكت العرب على شيء ما بكت على الشباب وما بلغوا منه ما يستحق.
وأنبأنا محمد بن عبد الملك قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت (الخطيب) قال أنبأنا محمد بن الحسين بن الفضل قال أنبأنا أبو بكر النقاش، ان الفضل أخبرهم قال أنبأنا المازني قال:
قلت لأعرابي فصيح ذي فهم وبلاغة: ما بال النوح في المراثي والبكاء على الشباب والجزع من الشيب أجود أشعاركم وأحسنها؟ فقال: لأنا نقولها بقلوب حزينة تخفق وأكباد موجعة تحترق.
كما أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك قال أنبأنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال: أنبأنا أبو إسحاق البرمكي قال: أنبأنا أبو جعفر عمر بن عبد الملك الزيات قال: أنبأنا احمد بن عبد العزيز الجوهري قال: أنبأنا أبو يعل بن زكريا قال: حدثنا الأصمعي قال: حدثنا العلاء بن الفضل عن أبيه قال: قال الأحنف بن قيس: الشيب مطية الأجل. وقال عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
أمسى الشباب مودعاً
لما رأى ثوب المشيب
يا ليت أنّا نشتري
قرب البعيد بذا القريب
لا يبعدن عصر الشبا
ب الرائح الغضّ العجيب
كان الشباب حبيبنا
كيف السبيل إلى الحبيب؟
أخبرنا ابن أبي منصور قال: أنبأنا أحمد بن جعفر السراج قال: أنبأنا أحمد بن علي التوزي قال: أنبأنا محمد بن عمران المرزباني قال: أنبأنا المظفر بن يحيى قال: أنبأنا وكيع قال: أنشدني البحتري:
جلوت مرآتي فيا ليتني
تركتها لم أجْلُ عنها الصدا
كي لا أرى فيها البياض الذي
في الرأس والعارض مني بدا
يا حسرتي أين الشباب الذي
على تعدّيه المشيب اعتدى
شبّت فما انفك من عبرة
والشيب في الرأس رسول الردى
وأضاف جليل العطية قائلاً:” أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت – الخطيب – قال: أنبأنا الحسن بن أبي بكر قال: أنبأنا أبو جعفر أحمد بن يعقوب الأصبهاني قال: قال أبو طالب الدعبلي: ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول جدي “دعبل الخزاعي”:
لا تعجبي يا سلم من رجل
ضحك المشيب برأسه فبكى
أين الشباب وأية سلكا
لا أين يطلب ضلَّ بل هلكا
لا تأخذي بظلامتي أحداً
طرفي وقلبي في دمي اشتركا
ويقول سوار القاضي:
وشعرة طلعت في الرأس رائعة
كأنما نبتت في ناظر البصر
لئن حجبتك بالمقراض عن بصري
لما حجبتك عن وهمي وعن فكري
ولأبي تمام الطائي:
كل داء يرجى الدواء له إلاّ (م)
الفظيعين: ميتةً ومشيبا
الشيب والشباب للكتبي
ونعرج من المخطوطة إلى كتاب أسماه مؤلفه “الشيب والشباب في الأدب العربي” للحاج محمّد حسن الشيخ علي الكتبي وطبعته مطبعة الآداب بالنجف العراقية، وقرأه الناقد عبد عون النصراوي : لا يخفى على أحد أن الإنسان يمر بمرحلتين عمريتين ألا وهما “الشباب والمشيب “ولكل مرحلة منهما خصائصها التي وهبها الله، ومن الكتب النادرة والفريدة من نوعها هذا الكتاب الذي قسم إلى قسمين: الأول في الشيب واللحى والخضاب، والثاني الشباب والعذار. وتناول عرضاً بسيطاً لآيٍّ من الذكر الحكيم ولمحات قصيرة لبعض الأحاديث الشريفة بمناسبة تعرضهما لذكر الشيب وتبعاته وما يجب أن يعامل به صاحب الشيبة في الإسلام من قبل المجتمع الإسلامي، ثم لمحة إلى ما في القرآن الكريم والسنة الشريفة من أسرار ناطقة وأهداف نابضة بالحياة والدروس والعبر، وكل ذلك من منبع الإسلام الثر ومعدنه السخي وآفاقه الواسعة، مستعرضا الكثير من الآيات والروايات المتعرضة للشيب والشباب وما يمت لموضوعهما بأدنى صلة.
وما أن أكمل مقدمته حتى جاء باب الشيب في القرآن فذكر نصوصاً قرآنية بلغت سبعة آيات منها ثلاثة في سورة مريم : “قال ربِّي أنّي وَهن العظم مني وأشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك ربِّي شقياً “الآية 3، وفي سورة المزمل /17 :”فكيف تتقون، إن كفرتم يوماً سيجعل الولدان شيباً”.
وفي باب آخر “الشيب في الحديث الشريف” ذكر فيه بعض الأحاديث النبوية الشريفة التي ورد الشيب فيها، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “إنّ الله ينظر في وجه الشيخ المؤمن صباحاً ومساءً فيقول: يا عبدي كَبُر سِنُّك ودقّ عظمك ورقّ جلدك وقَرُب أجلك وحان قدومك عليَّ فإنِّي أستحي شيبتك أن أعذبك بالنار”.
وفي حديث شريف آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: عن الله جلّ جلاله: “الشيب نُوري فلا أحرق نوري بناري”. بعدها تناول المؤلف لمحات من القرآن الكريم حول الشيب والشباب، قال فيها المؤلف أن هناك مرحلتان في حياة الإنسان: أحداهما أتسمت بطابع القوة والأخرى بطابع الضعف ـ على الأغلب ـ ذاكراً خصائص مرحلة الشباب وهي:أولاً: القوة الجسدية والتي عبر عنها في قصة موسى عليه السلام حينما استسقى للبنتين: “إن خير من استأجرت القوي الأمين”، سورة القصص/ 26.أما الضعف الجسدي: وسببه توقف الانقسامات الخلوية وهي الصفة التي تدفع الكثير لتمني الشباب، كما يقول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يوماً
فأخبره بما فعل المشيب
والقرآن العظيم يشير إلى هذه الصفة، في آيات كريمة منها قوله الحقّ في سورة مريم/ 4:”قال ربِّ إني وهن العظمُ مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك ربِّ شقيّا”. كما أشار النصرواي إلى ما تضمنه كتاب الكتبي، فذكر مما جاء في باب الشيب والشباب في اللغة حيث أورد العديد من التفسيرات لهاتين الكلمتين حيث جاء في “مجمع البحرين للطريحي بمادة شاب”: تكرر في الحديث ذكر الشباب وهو - كسحاب - جمع شاب - بالتشديد - وكذلك الشبان -كفرسان - وفي الحديث “ابن ثلاثين سنة يسمى شاباً”. وجاء في مادة شيب: الشيب والمشيب واحد وعن الأصمعي الشيب: بياض الشعر والمشيب دخول الرجل في حد الشيب. أما القسم الأول في الكتاب فهو” الشيب...اللحى والخضاب”، الباب الأول الشيب وضمنها هذين البيتين الشعريين:
وكل من نام بليل الشباب
يوقظه الدهر بصبح المشيب
ويزجرني الإسلام والشيب والتقى
وفي الشيب والإسلام للمرء زاجر
وجاء في هذا الباب قصص جميلة ونادرة وطرائف، منها: جاء عبد الله بن المعتز ينكر على صاحبته كون الذي بدأ في رأسه شيباً ولذلك جحد دعواها لينفي عليها رأيها ويسد طريق ازدرائها به، بخلاف غيره الذين اعترفوا بالشيب، ثم أخذ يحاول منع العائب: أنه يعيبه ويروح يعلل وجود هذه الشعرات البيض بأسباب لا تزيل أثره القائم من عيون الغواني ، وصاحبة ابن المعتز ، فقال هذين البيتين:
سدت سريري وأزمعت هجري
وصغت ضمائرها إلى الغدر
قالت: كبرت وشبت قلت لها
هذا غبار وقائع الدهر
ثم قال :
لما رأت وضح المشيب بعارضي
صدت صدود مجانب متحمل
فجعلت أطلب وصلها بتلطف
والشيب يغمزها بأن لا تفعلي
وقال آخر، ولعله أبو نؤاس الشاعر العباسي المشهور مدافعاً عن شيخوخته بما أوتي من سعة البيان ورهافة الحسّ وترف الخيال:
عيرتني بالشيب وهو وقار
ليتها عيرت بما هو عار
إن تكن شابت الذوائب مني
فالليالي تزينها الأقمار
وهذه أبيات من قصيدة مشهور نظمها دعبل بن علي الخزاعي، وهي التي فتحت له آفاق الشهرة الأدبية، حتى يقال أن الخليفة العباسي هارون الرشيد قد أعجب بهذه القصيدة التي أنشدها أحد ندمائه أمامه، ولما سئل من ناظمها قيل له دعبل، فدعاه وأجزل له العطاء:
أين الشباب وأية سَلَكا
لا أين يُطلَب ضلَّ من هلَكا
لا تَعجَبي يا سَلْمُ من رجل
ضحك المشيب برأسه فبكى
قد كان يضحك في شبيبته
فأتى المشيب فقلَّما ضحكا
يا سَلْمُ ما في الشيب منقصة
لا سوقَةً يُبقي ولا مَلِكا
وقال الشاعر أبو الفتح محمود المعروف بكشاجم من أهل الرملة بفلسطين، وهو يخاطب من يريد ويحمله تبعات ما أصابه من الشيب بقطيعة وجفاء.
لا تنكرنَّ الشيب أنت جنيْتَهُ
بقطيعة وجناية وعتاب
لو لم ترَعني بالصدود وناره
بالشيب طال تمتعي بشبابي
كما سرد حكاية أخرى، فقد قيل أنه لما وصل الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد إلى بغداد واستقر به المقام، قال ليحيى بن أكتم: وددت لو أنّي وجدت رجلاً مثل الأصمعي ممّن عرف أخبار العرب وأيامها وأشعارها فيصحبني كما صحب الأصمعي الرشيد، فأحضر له عتاب بن ورقاء من بني شيبان، فقال له يحيى: إن المأمون يرغب في حضورك مجلسه وفي محادثته، فقال: أنا شيخ كبير ولا طاقة لي، لأنه ذهب مني الأطيبان، فقال له المأمون لابدّ من ذلك ، فقال الشيخ : فاسمع ما حضرني، فقال اقتضاباً:
أَبَعْدَ ستّينَ أصبو
والشَّيب للمرء حربُ
شيب وسنّ وأثم
أمر لعمركَ صعبُ
يا ابن الأمام فمهلاً
أيامَ عوديَ رطبُ
وإذ مشيبي قليل
ومنهل العيش عذبُ
فالآن لما رأى بي
عواذلي ما أحبّوا
آليت أشرب راحاً
ما حجَّ لله ركبُ
فقال المأمون: ينبغي أن تكتب بالذهب وأعفى الشيخ وأمر له بجائزة.
وفي باب “أقوال في ذم الشيب” ذكر المؤلف عدداً من الأبيات والنوادر الشعرية، وقد أجاد حقاً في تفرده. جاء في الحديث الشريف: “فاليوم عمل بلا حساب، وغداً حساب بلا عمل”. وقال شاعر :
ما رعى ذمتي المشيب ولكن
من ترعه الأيام يلقى المشيبا
هل أراك الزمان بالشيب مرداً
وأراني الزمان بالمرد شيبا
وقال أبو الخطاب ابن عون الحريري النحوي الشاعر، أنه دخل على أبي العباس النامي، قال: فوجدته جالساً ورأسه كالثغامة بياضاً، وفيه شعرة واحدة سوداء، فقلت له : يا سيدي في رأسك شعرة سوداء؟ فقال نعم هذه بقية شبابي وأنا أفرح بها ولي فيها شعر. فقلت: أنشدنيه، فأنشدني:
رأيت في الرأس شعرةً بقيت
سوداء تهدى العيون رؤيتها
فقلت للبيض إذ تروعها
بالله إلاّ رحمت غربتها
فقلت: ليت السواد في وطن
تكون فيه البيضاء ضرتها
ثم قال أبو الخطاب: بيضاء واحدة تروِّع ألف سوداء، فكيف حال سوداء بين ألف بيضاء؟.