الملحق الثقافي

العظيم.. لعبة الحياة تحت ضوء القمر

علي أبوالريش

على مرأى من القمر، كان السهر، وكان السحر، والوطر والفخر، والزجر، والنهر، وكان الدهر ينشد أغنياته على صدى ملاحم الفرح الأزلي، وعفوية الإحساس، بما يسديه الليل من مغامرة ومثابرة، ومجاهرة، ومناورة، ومساورة، ومكابرة، وأحلام تكبر بحجم النجوم المتراصة في صحن السماء.
على مرأى من عيون شعت وفضت، وقضت، وسهرت، وأمعنت في البحث عن لعبة الظفر، جاشت القلوب وزخرت الدروب، وأينعت الأزقة، بزقزقة صغار، أشبه بأشبال الأسود، كانوا يخوضون طلاسم الليل البهيم، بأقدام صافية ورؤوس حاسرة وقلوب جاسرة، وعزائم مبهرة باندفاع الموج نحو غايات طفولية، أصفى من وجه القمر، وأعظم من سطوة الليالي المدلهمة.
العظيم.. في ليلك خيل وسيل وجيل وميل، وحيل، ونيل، وكميل، وأنت في الزمان الطائل والحائل، والقائل، والمائل، والسائل، والسابل، والحابل، والنابل، وأنت الواصل والفاصل، والحاصل، وأنت الفصل والوصل، والنصل، وأنت الفصول بأضلاعها الأربع وأنت الزوبعة، والمتعة والمنعة، والسمعة والشمعة، والدمعة، أنت الطريق باتجاه الحريق الأنيق والمعمعة اللذيذة.. أنت في الليل، اجتماع القناديل، تحت غيمة وخيمة ولقمة أصغر من كف طفل.

ذاكرة اللعب
يقول المؤرخ والكاتب الهولندي يوهان كوتسينغا: «إن الحضارة لم تخرج من عباءة اللعب، كما يخرج الجنين من رحم أمه، ولكن الحضارة ذاتها نشأت باعتبارها جزءا لا يتجزأ من اللعب واستمرت هكذا إلى يومنا هذا». ومن المؤكد أن هوتسينغا كان يقف على الطريق الصحيح عندما تنبأ بأن الثقافة التي تفرزها المجتمعات الاستهلاكية سوف تكون مختلفة عن الثقافات القديمة التي شكلت أصول الإرث الغني والفلسفي للبشرية جمعاء. ويؤكد هوتسينغا أن الحضارة الحديثة قد قضت على غريزة اللعب عند الإنسان عندما أطلقت عالمها الصناعي المزيف وجردت الإنسان من كل ما هو مقدس، وله علاقة بفطرة الإنسان، باعتبار أن التخلص من الغيبيات هو تحرر من الشعور بالخطيئة وعقدة الذنب والخوف من كل ما هو غامض، ومبهم.. وكأن هوتسنيغا يرد على الحضارة الحديثة محملاً بمشاعر إنسانية تهم كل إنسان على وجه الأرض، حين يقول: «في الزمن الجميل كان الإنسان ينتمي إلى فصيلة راقية من المخلوقات، ولذلك أطلق عليه اسم المخلوق العاقل، ولكن مع مرور السنين وعلى الرغم من النظريات الفلسفية والعقلانية في القرن الثامن عشر وعلى الرغم من الأفكار الساذجة التي كانت تدعو إلى التفاؤل الإنساني، اكتشف الناس أن الإنسان لا يتمتع بالعقلانية المزعومة، ولذلك أطلق عليه اسم المخلوق المبدع أو الصانع».
فللعقل الحكيم حكمته ولعبته وغبطته، ولوعته، ومسحته، ونسيجه المتواري خلف معطيات الروح العفوية، وما تبديه الفطرة من نسغ يولج في النوايا والسجايا والثنايا، ويمنح الكون فسحته الواسعة الشاسعة، المترامية منذ هطول السماء حتى بذور الأرض. منذ الأزل، مارست الحيوانات اللعب، وقبل الإنسان، وقبل نشوء الحضارة، بل إن اللعب، سابق على ثقافة الإنسان، وتطوره الحضاري، فالحيوانات تدعو بعضها بإشارات دلالية، للمشاركة في احتفالية اللعب، للهو والتعبير عن السرور والسعادة، وهي تمارس العض، وغرس المخالب في أجساد القرائن، ولكن من دون إيذاء، ما يفسر أن هذا الادعاء الغامض للعب الحيوانات يعبر بطريقة مباشرة عن حاجة نفسية فسيولوجية لدى سائر الكائنات ومنها الإنسان لاستدعاء ما بالداخل من ثورة وجدانية هائلة، وأحياناً سخرية لاذعة من تعقيدات هكذا الكون الرهيب، كما أن اللعب يفسر حالة من الرغبات الكامنة في نفس الكائنات ومنها الإنسان، للتدريب على مواجهة منغصات الحياة، وكدرها ونكدها. فعندما جاءت الحضارة لترتب مشاعر الإنسان بالعلم المقنن، أجهضت تلك الفوضى الجميلة وحولتها إلى قوالب جامدة، مكفهرة، ما جعل الانكسار المريع يصيب الإنسان، ومن ثم حضارته المدعاة وكرد فعل لهذا الانكسار، فإنه تحول كالطفل الذي يحتفظ بلعبته مستعيناً بمشاعر الحب تجاهها، وما أن تواجهه بعض العواقب المؤلمة، من قبل الآخرين، الأهل أو الأصدقاء، حتى يهاجم نفس اللعبة المحببة، ويحطمها بيديه، ويبعثرها أشلاء وأشتاتاً متفرقة.

ترتيب المشاعر
الإنسان يلعب لأنه بحاجة إلى اللعب، بحاجة إلى ترتيب مشاعره المتخثرة، وحاول الإنسان عبر قرون حضارته أن يفعل ذلك، ولكن الحضارة نفسها التي أجهزت على عفوية لعب الإنسان، لأنها انطلقت من فلسفة تقنين اللعب وتقنيته، ومن ثم تحويله إلى حقل صناعي إنتاجي إلى أن وصل بها المطاف إلى اعتبار الحروب الدامية والمدمرة جزءاً من اللعب، لكنه لعب بالنار، لعب جلب إلى الإنسان العار والدمار والانهيار والاندثار، وأثار غبار المعركة حتى بدت الفضاءات الإنسانية موشومة بالعفن المدمر لا بالمرح المعمر، والمثمر، وباختلاف الوعي، يختلف المعطى الحضاري، وبالتالي تتنوع أساليب التعامل مع اللعب. فالإنسان في الأساس بحاجة إلى الحركة التي لا تفسد كينونته الفطرية، ولكن مع استمرار هذه الحركة وأدلجتها وتأطيرها ضمن نظام ثقافي مناهض للفطرة، يتحول اللعب إلى ساحة حرب مخربة تتسرب إلى وجدانه، كما تتسرب المياه الضحلة في الأنابيب الصدئة إلى ينابيع الماء الصافية.. وكما يقول أبو حامد الغزالي: «الإنسانية تعيش في حوض ماء، البعض يشرب من ينابيع عذبة صافية، تأتيه من نبع صاف، والبعض الآخر يشرب من مياه تكون راكدة عند حواف الحوض، وبالتالي فإن الأفكار هكذا فإما أن تكون صافية عفوية، وإما أن تكون ضحلة تأتي من حثالة، وبقايا مترسبة، عند الحواف والهوامش».
وها نحن / الإنسان نتسرب من لعبة «العظيم سِراً» إلى يسار الحضارة المتطرفة الغارفة من أتون الفكر الإنساني المنحرف عن مسار الفطرة الإنسانية، ما يجعل من الغربة النفسية اغترابا واستلابا واحترابا، واصطخابا، وإسهابا في الخروج عن نص المعاني الجميلة والقيم النبيلة، ويجعلنا نحن أبناء الحاضر كأننا نلعب لعبة جديدة، وخطيرة في آن واحد، لعبة تهشيم المشاعر الإنسانية بمعول حضاري متوحش وفاحش، يحاول بشتى الطرق أن ينهب ويسلب ويجلب الويلات للنفس المطمئنة ويجعلها فريسة الغطرسة الحضارية، وحملاً وديعاً في غابة الضواري.

اللقطة المدهشة
«العظيم سِرا» كان لعبة الجماعة المشتركة وكان اللقطة المدهشة، في مشهد الثقافة العفوية، المستديمة دوماً، وعي الإنسان بقيمته وشيمته، ككائن ينحو باتجاه السلام النفسي، والطمأنينة الروحية، وبعث الحياة من جديد بعد شقاء وكد وتعب.
«العظيم سِراً» لعبة الزمن، المتواصل مع الأواصر، زمن الثياب البسيطة التي لا يخشى عليها من القرفصة والتجاعيد، زمن الأجساد العارية إلا من القيم الرفيعة والأماني ناصعة البياض والفرح الطفولي البريء بإنسانية مبتهجة رائعة مبدعة في صياغة وجدانها دون تكلف وتزلف، إنسانية متخففة كلياً من أعباء عصر مثقلات الوزن، وتكدس الغيوم عند مساحات واسعة من النفس.. إنسانية كانت تسرج خيول معرفتها من حقول وعي يجاهر بعفوية بقدرته على ممازحة الحياة الصعبة والمكلفة.. في التراث الإغريقي تدور قصة العرافين «موبسوس وفالكاس»، حيث تنبأ فالكاس بأنه سيموت إن قابل عرافاً آخر أحكم منه فلما قابل موبسوس انخرطا في مسابقة الأحجيات، وفاز الأخير بها وعلى إثر ذلك مات «فالكاس» هماً وكمداً واتبع مريدوه موبسوس كأستاذ جديد لهم».
هذه الحكاية، توضح ولا شك القانون الأزلي، في السباق بين الحضارة العقلية والحضارة العفوية، وما نتج عنه بلا شك هو انتحار الحضارة العقلية على أعتاب فشلها بتحقيق الأمان الحقيقي للإنسان من خلال لعبة التفوق التقني، بينما تنتصر الحضارة العفوية كونها لعبة الإنسان الفطري، المتحرر من ضغائن الانتصار المزيف والتفوق الصناعي المصطنع.
لعبة الإنسان إذن هي لعبة إخراج الذات من شرنقة الاحتباس، وكذبة التفوق وحيلة الانتصار على الآخر، بأدوات القهر والعبوس.. وكما أن الإنسان لعب لعبته المسلية، فإنه أيضاً لعب لعبته الفانية والمدمرة. ولأن «العظيم سِراً» لعبة الإمارات التي ما زالت تستغرف الوجدان وتستولي على الذاكرة، يبقى الحلم المتواري خلف رمال التغير، وما تحرك كثيراً في الوجدان من مشاعر ومساعر، ودوائر وأواصر، ومنابر ومخابر، ومظاهر، وظواهر، وبصائر.