الملحق الثقافي

الهمس على ضفاف اللاّعودة

ترجمة - أحمد حميدة

لئن كان إيف بونفوا شاعراً وكاتباًَ ومترجماً وناقداً فنيّاً، فإنّه يظلّ قبل كلّ شيء.. شاعراً، لا تخلو كتابته النّثريّة من نفحات شعريّة بليغة وآسرة، وبكتابه «غويا، الرّسومات السّوداء»، يكون قد نفخ من شاعريّته تلك في الرسومات. وبونفوا شاعر، حكمت أعماله، على تنوّعها، خبرة عالية في مقاربة الحقيقة من وراء الكلمات، وينتظمها إحساس مرهف بما يستكنّ في اللّغة من خداع ومخاتلة، لذلك كان حتّى في أبحاثه العلميّة، لا يني يعمّق الحفر لسبر أغوار اللّغة، وجعلها تفرج عن الحقيقة المنطوية فيها. وهذا التعقّب الدّائب للحقيقة من وراء الكلمات، بحثا عمّا تصفو به الحياة، هي التي حفزته إلى تأليف هذا الكتاب عن غويا، وتحديدا عن رسوماته السّوداء.

عرفت هذه الأعمال لغويا بـ «الرّسومات السّوداء» بالنّظر إلى ألوانها القاتمة ومواضيعها المريعة القاسية، إذ هي تتشكّل من سلسلة مشاهد صاعقة، وصور كابوسيّة مهلوسة، يبدو أنّ غويا كان قد أنجزها بين 1820 و 1823، حين أدرك السّبعين من عمره وغدا منتهيا للجنون. وقد توزّعت هذه الرّسوم على الجدران، وكادت تكسو تماما حجرتين من منزله الكائن بضاحية مدريد، «منزل الأصمّ» كما غدا ينعت يومئذ، حيث انطوى الرّجل على نفسه، لا تؤنسه غير عشيرته ليوكاديا. كانت إسبانيا يومذاك تعيش تحت وطأة الاستبداد وتجلدها موجة من العنف المسعور، فقد غويا في غمرة تقلّباتها حظوته السّابقة، وبات مبعداً عن شرف التّكريم بالبلاط الملكي، فراح يرسم لنفسه على الجدران بعيداً عن أنظار العالم. وبعد مضيّ عديد السّنوات على موته، تمّ نسخ تلك الرّسوم على لوحات، غدت اليوم من أثمن مقتنيات متحف البرادو بمدريد، ومن بين تلك اللّوحات اشتهرت خاصّة لوحة «زحل يفترس أبناءه».

هذيانات المرض
وكانت تلك الرّسومات، في نظر بونفوا، وليدة المرض المزمن والقاسي الذي شلّ حركة غويا لشهور عديدة.. متتالية. وفيما كان مرضه الأوّل قد أرداه أصمّا، فإنّ مرضه الثّاني هذا، أسلمه إلى حالات قصوى من الحمّى المتلفة، جعلته متأرجحا بين الحلم والواقع، وفريسة لنوبات هذيان استوى فيها الليّل بالنّهار، وبات غويا أثناءها، كما يقول بونفوا، عند «الحدود القصوى لعلاقة الذّات بالوعي المحموم، لتغدو مكتسحة بوسوسة مدمّرة»، وموضّحا ذلك، يعتبر بونفوا أنّ المرض الجسديّ، الذي غالباً ما يلقي بالمرء في حالة من الإحساس باللاّوجود، ليس وحده الدّافع الذي حمل غويا على إنجاز رسوماته السّوداء تلك، وإنّما هو الإحساس الحادّ بالتّأرجح بين القدرة والعجز عن «إضفاء معنى ما على الوجود».
والصّورة السّالبة التي تثيرها وتتناولها تلك الرّسومات، هي التي تقود إلى تبديد السّراب، إنّها سحق وتدمير لأوهام الحياة كما وهبت لنا. هكذا «فإنّ الصّورة التي يكوّنها الكائن النّاطق عن نفسه وعن وجوده، هي قبل كلّ شيء صورة مرئيّة. وعبر المرئيّ ذاك وبه، تتشكّل اللّغة التي سرعان ما تستحيل إلى خداع ومخاتلة». ندرك والحال تلك، كيف سيتعامل الرسّام مع مادّة فنّه، الذي كان يستدعي بالأساس حاسّة الإبصار. فيُحدث غويا في رسوماته فراغاً، ويمعن في حفر الوجود الاعتياديّ والمألوف، الذي لم يعد بلسان حاله سوى خدعة، وهو الذي كان في ماض غير بعيد، رسّام البلاط الإسبانيّ، رسّام حلم رائع، وعبر اللّغة، ممثّلاً لحياة أنيقة، مرتّبة بأيدٍ خبيرة.
كانت تلك «الرّسومات السّوداء» (بنتوراس نيغراس) تعمل على كسر سطح التّمثيل الزّائف للصّور، واختراقه، لتحيلنا على أبديّة اللاّمعنى. ذلك.. ما غدا غويا ينشده بـ «بيت الأصمّ»، إذ بات يبحث جاهدا عن اللاّمعنى، أي.. عن ذلك الحيّز حيث لا ثبات يرجى فيه ولا مرساة مسعفة. إنّه الهمس على ضفاف اللاّعودة. لذلك.. لم تكن رسوماته على جدران بيته صعبة فحسب، وإنّما عصيّة على الفهم، لأنّ غايتها ليست تمثيل الوجود، وإنّما تجسيم الجانب الأخرق لهذا الوجود، عبر تمثيل مرعب له.
يبيّن بونفوا أنّ من المعتاد في الرّسم، أن يساهم الخيال في تشكيل عالم ما، وتتوارد الصّور والأشكال على الفنّان لتجعله يضفي حقيقة ما على ذلك الخيال. وهذا المستوى من الخيال، الذي يمثُل أمامنا للوهلة الأولى في اللّوحة، ينبغي أن نميّزه عمّا هو متخفّ في العمق. إنّه مستوى الوجود، أو ما نعتقد أنّه كذلك، لأنّه في الحقيقة لا يعدو كونه وهم، بناء من كلمات، مظهر خادع، ولأنّ اللّغة تأتي دائما لتجتزّ ذلك الوجود وتمتهنه.
ثمّة إذن، وبصورة منطقيّة، شيء ما خارج عن سطح التمثّل، متفلّت عمّا هو قابل للتّجسيم المرئيّ ويظلّ مع ذلك منطويا في خلفيّة، تتوارى أحيانا تحت ما هو استعاريّ، وتدفع بها نحونا تلك الخلفيّة. ويرى شاعرنا في ذلك «استشعاراً ملتبساً» لجانب آخر «من التّمثيل، أبعد ممّا يكون الفنّان قد قبض عليه، والذي بقدر ما يتعرّف إليه، يكبته، مسبغاً عليه أشكالاً أخرى تزوّره وتقنّعه: جبال في أفق بعيد، تكسوها زرقة الأقاصي، أو أبواب تطلّ على ما قد يكون حجرات أخرى. تزوير.. لأنّه في تلك الخلفيّة، لا مجال لتصوّر أشياء أخرى، أو لافتراض وجود كائنات أخرى...
هكذا يتخفّى في الصّور التي تنتجها اللّغة، بروز تلك المادّة التي تتجاوز الصّور وتُنضب كلّ أمل في معنى مأمول. ففيما كان رسّام عصر النّهضة يرسم مشهدا على خلفيّة صورة – مدينة أو ريف توسكاني وراء العذراء وهي تبشّر بميلاد السيّد المسيح -، كان غويا لا يرسم أيّ شيء غير اللّون الأسود، ويأتي ذلك السّواد ليطمس الصّور السّرديّة للّوحة، لأنّها هي ذاتها داكنة. ولوحة الألوان المشكّلة من الأشباح هذه، تجعل الخلفيّة اللاّمعقولة تعلو إلى حيث تقيم الأشكال.. وهذه الخلفيّة على حدّ قول بونفوا «تطفح كما الحمم التي تفجّر الأرض». ويعني ذلك أنّه في هذه الأعمال، ليس ثمّة من شكل ينفكّ من الخلفيّة، كما كانت الحال في التّمثيل الكلاسّيكيّ، منذ عصر النّهضة وحتّى بداية القرن العشرين. وتبدو حدود تلك الصّور بالكاد مصمّمة، لتبدو كما لو أنّها بعد لحظات قد تضمحلّ وتتلاشى، هي صور معتّمة كدُقَاقٍ من أحلام، كدَوالٍّ للنّهار مقبلة لإنارة الجنون السّاخر لأحلامنا اللّيليّة. إنّها، على حدّ قول فرويد، شبيهة بروائح عفنة، منسلّة من المادّ الكامنة.. الخفيّة للحلم، والتي قد تفجّر سطح محتواه المكشوف.

رسم الخواء
ويبيّن بونفوا أنّ تلك الحمم الدّكناء التي ترتشح على شخصيّات غويا، تنقلنا إلى مستوى أدنى من الفكر، أدنى من أيّ فكرة عن المادّة، بعيدا عن كلّ ما يبدو لنا أنّه كائن، إنّها صدع يميل إلى الانفتاح، (صدع)، بالمعنى الذي تذهب إليه كلمة (خواء) في اللّغة اليونانيّة. وهذا الخواء المعيش في حدوده القصوى، المتشبّث بكلّ شيء بما في ذلك ما هو أدكن وقاتم، يتنفّس ويزفر في كلّ ما هو كائن. لا شكّ أنّ تلك المادّة السّوداء، المنبثقة من الغياب المطلق للوجود وعدمه، تثير انفتاح أعيننا وتجعلنا نحدّق، لنرى ذلك الثّقب الذي يخترق الواقع من وراء مظهره الخادع، لنبصر ذلك الجرم الرّخو للّيل، الذي تنبثق منه، مثل التماعات باهتة، تصويرة متلاشية، تخرّب المظاهر الخادعة التي تحيك خيوط وجودنا. ويثير ذلك تردّد الصّورة، صورتنا نحن المشاهدين، كما صورة غويا ذاته، الذي حاول أن يعثر في فعل الرّسم على ارتجافاته وما يتخفّى في لياليه المحمومة والمرعبة.
ويغدو عالم اللّيل هو الذي يسند الوجود الكاذب – لعالم النّهار – الذي يتشكّل من المظاهر الزّائفة لحياتنا اليوميّة البائسة. (...)
أيّة حقيقة افتضّها غويا وجاءت لتفسد الصّورة على هذا النّحو؟ إنّه لمن الصّعب الإجابة على هذا السّؤال، ولكنّنا قد نقول أن تلك الحقيقة تتّخذ أشكال صور مرعبة، صور مستوحاة من ثقافة زمنه: رؤيا غرائبيّة أو شيطانيّة، زحل أو صور منفيّة من الواقع: نزال بالعصيّ فوق رمال متحرّكة، حفل سان إيزودور أو الحجّ إلى سان إيزودورو اللّتان تحيلان على احتفالات شعبيّة، وتتحوّل تلك الصّور تحت فرشاته إلى كابوس متجهّم. هكذا.. نرى في هذه الأعمال وجوها وكأنّها أقنعة متجمّدة، في حالة انتشاء مربك، بأفواه فاغرة وأعين مفتّحة، ممثّلة بذلك تحدّيا لكلّ أعراف الحياء والاحتشام.
وجود بلا معنى وعبثيّة مطلقة للحياة.. ذلك ما كان يحفّز غويا في بداية السّنوات العشرين (1820): إنّه اللّهاث وراء عدم اللاّشيء، وحيث لا شيء، وحيث يغدو الوجود خواء، وحيث تغدو اللّغة عاجزة عن وصف ذاك العماء، يستكنّ ما هو كائن حقيقة، شيء ما يشبه الهفيف الذي يغدو أحيانا مصمّما، لمتعنا الذّاتيّة. وإنّا لنتحدّث عن ذلك الجزء اللاّمفقود من متعنا، الذي لم تلامسه اللّغة، ويكشف لكلّ منّا عن أعراض الابتئاس الذي بات ينتهب حضارتنا.
هكذا انحفر داخل رسّامنا قلق لا قرار له، تمنحنا الصّور الكابوسيّة بعضا من ملامحه، صور تتراقص على جدران بيته، و تغيّبه في زوايا عالمه الأكثر حميميّة. عالم يتأرجح بين التجهّم اللاّمحدود للكلب الموهوب للعزلة، في لوحة تغزوها مادّة زيتيّة لا شكل لها، والفزع من صور كابوسيّة عن عالم الطّفولة، حيث وميض نار أو ما يشبه الغيمة، تقذف بنا بين فكّي وحش خرافيّ، أو تسحبنا لتطوّف بنا في طيران محموم مع الجنّيات. عالم حيث تتلمّس الغريزة صورها: زحل بفمه الفاغر وهو يلتهم لحم جسد مدمّى، ربّات القدر (بركاس) وهنّ يمسكن بالبشر البائسين الذين هم نحن. ووفقا للغة الجسد الغريزيّة، ثمّة دائما شيء ما يجول خلسة، شيء ما مؤذٍ يتربّص بنا: فهل تكون تلك هي صورة الشّيطان الإنجيليّة، التي تهزّ سطوح المنازل لتشاهد دناءة البشر؟
لأنّ مسألة الرّسم، هي أن نعرف كيف نعطي شكلا ما لذلك الجزء من الحياة الذي يسبق المفاهيم، فهل أنّها تتدانى بذلك من الغريزة المتوحّشة، حين تغدو بلا رأس؟ أن تقبل علينا تلك الحياة، التي تقيم في مكان ما، لتفاجئنا عند منعطف طريق أو أن نستدعيها بالممارسة الفنيّة، أو بمعالجة تحليليّة، فتلك فكرة أثيرة لدى بونفوا. إنّها الحياة المدوّية للجسد النّابض، حياة ما بعد الوعي، لأنّ اللاّشيء، الذي هو ليس بفراغ، يُلمّح إلى مكان ما للوجود، لا نمتلك غير قصاصته النّزويّة، المرتبطة ببعد آخر في اللّغة، حتّى نفكّر فيه أو نقول عنه شيئا ما. يقبل علينا اللاّشيء فجأة، حين ترتجّ المظاهر الخادعة وتترنّح، وتسقط الحراشف من العين، وعندها سوف نجد أنفسنا مرتبكين، بلا سند من اللّغة، حتّى نعطي شكلا ما للواقع الذي يحاصرنا، والمشكّل من صور خياليّة مصابة بتوتّرنا ورعبنا. وكما أشار إلى ذلك جاك لاكان، يكون الخيال هو دوما حدس ينبغي أن يمثّل. (...)

رموز العزلة والقطيعة
لقد بيّن بونفوا في بحثه أنّ مرض غويا وما صاحبه من هذيان، هو الذي حدّد مسار رسوماته السّوداء، إذ حمله حمق العالم على التأمّل في ما وراء «الوجود»، وراء «ما هو كائن»، ذلك الذي تشكّله اللّغة. لقد بحث، وهو في ذروة هذيانه، في ما وراء الصّور المألوفة التي يتشكّل منها عالمنا.. عن اللاّوجود، أي على ما يتخفّى وراء المعنى، بعمليّة تَعْديم للمظاهر الخادعة. وهناك.. حيث أشرنا إلى حالة تذبذب بين اللّوحات، مثل لوحة الكلب التي تومئ إلى حالة عزلة مطلقة، وتلك التي يغمرها ليل الكوابيس، يدعونا بونفوا إلى اعتماد تتابعيّة زمنيّة تُطلعنا على المسار المتميّز للانقلاب الذّاتي الذي طرأ على حياة غويا. ويبدأ ذلك المسار من زمن أوّل، حين الالتقاء بالوجه الآخر للّغة التي تكون قد تخلّصت من دور المدبّر والمنظّم للوجود، وتلك لحظة يحتلّ فيها القلق صدارة المشهد.. إلى زمن ثان يحضر فيها ذلك الآخر، الشّبيه، الحقيق بالإشفاق والرّحمة، وهو الذي أنجز رسوماته السّوداء وهو في حالة من العراء التامّ والعزلة المطلقة. (...)
ويؤشّر الكلب عند بونفوا، إلى عودة غويا من سفره المستحيل، مكتشفا في إيماء ذلك الحيوان، المنغمس في الألوان الزّيتيّة، علامات تعاطف، كتلك التي استشعرها لدى الدّكتور آرييتا الذي أنقذه، وذلك وفق ما كتبه غويا ذاته على لوحة (وليس على جدار) سنة 1820، عندما بدأ يتعافى من مرضه.
ففي هذه اللّوحة، رسم غويا نفسه في حالة إنهاك وهذيان، وهو يلوّي ملاءة السّرير من فرط الألم، يسنده صديقه آرييتا الذي كان يناوله جرعة مخلّصة، إشفاق مجانيّ من قبل ذلك الرّجل الذي، في العزلة المحمومة التي تردّى فيها غويا أثناء مرضه، حدّ من ألم احتضاره وهو يسحبه إلى ضفاف الحياة.
ويرى بونفوا أنّ تلك اللّوحة كانت بمثابة النّذر، عمل خيّر موجّه لذلك الإنسان المسعف، فيما تبيّن العزلة المطلقة للكلب انقلابا في وضعيّة غويا. برسوماته السّوداء كان غويا يرفع غشاء واقع مليء بالخداع والأوهام، ليكتشف تحت السجّاد وحها آخر للغة آخذة في التفكّك، ذلك المشهد الذي يكشف عن الوجه الغامض للآخر، وجه لكأنّه «وجه أب حقيقيّ»، ولكن بالكاد تتخفّى قسوته.
ومن ذاك «الآخر» القاسي، ينتهي غويا إلى الشّبيه، ذلك الحقيق بالإشفاق والرّحمة، والذي يجد نفسه وجها لوجه مع فراغ وجوده. حقّا.. إنّ كلّ شيء ليتلاشى عند رؤية ذاك الكلب، لا أثر لجنيّة قد تجعل السّماء مروّعة فوق رأس ذلك المخلوق الحيوانيّ، فالسّماء تظلّ بالغة الخواء، ومقفرة حدّ الإعماء. لقد لاذ العالم بالصّمت ولم يعد لينصت لعذابات غويا.
و يطال ذلك التّعديم..«ليوكاديا»، امرأة متّشحة بالسّواد تحت سماء زرقاء، متّكئة على صخرة، هي ذاتها التي كان يستند لها الكلب الموهوب للعزلة، إنّها تنتصب تحت سماء فسيحة، ومن وراء الصّخرة، سياج حديديّ شبيه بذاك الذي يحيط بالقبور في المدافن الإسبانيّة. وليوكاديا تلك هي رفيقة غويا منذ عشرة سنوات، هي ليوكاديا فايس التي ترتدي الملابس الفاخرة للأرامل، والجميع متّفقون على أنّها كانت متّكئة على شاهدة قبر الرسّام.
تَقْطع الرّسومات السّوداء مع كلّ توهّم أو لازمة لغويّة، وتجعل من الصّورة لغزا، بل إنّها تنطوي على الرّغبة في التخلّص تماما من الصّور. هكذا.. ففي صورة المرأة التي عُثر عليها عند مدخل «بيت الأصمّ»، والتي يفترض أنّها صورة عشيرته ليوكاديا، استبدل غويا المدفأة التي كانت تتكئ عليها بصخرة سوداء يعلوها سياج يطلّ على مكان صعب التصوّر. ولئن كانت زرقة السّماء في اللّوحة تلمح إلى مكان أرضيّ، فإنّ الصّخرة (كتلة خرساء مظلمة، لا لون لها) تنتصب كالقبر، قبر يحيل على علاقتنا بالموت.. وتتّكئ هذه المرأة الشّابة بملء قامتها على تلك الصّخرة، وفيها يكمن معنى هذا العمل، ألا هو إحساس غويا بالعدم. إنّها مادّة لا شكل لها كما الرّمل المُغشّى الذي يعلق فيه الكلب بنفس البيت.. «بيت الأصمّ». وفيما كان بالإمكان التّعبير عن مشاعر الإشفاق تجاه الكلب خارج حدود اللّغة، كان بالإمكان التحدّث إلى تلك المرأة. وتكون صورة ليوكاديا إقراراً بالفشل: فشل الفنّ في كسر دائرة سرابه. وسيحمل هذا الفشل غويا على مغادرة إسبانيا إلى فرنسا بحثاً عن تجارب تشكيليّة أخرى.
أحياناً، أبدى علماء النفس اهتماماً بسويداء محتملة عند غويا: إثارة للذّة تعقبها حالة اكتئاب، لتنتهي الدّورة بموت الشّخص الممثّل في اللّوحة. وأحيانا ما تدحض هذه الأطروحة لصالح حالات انهيارات عصبيّة قد تكون انتابت الرسّام. وقد عرف غويا بالفعل انهياراً عصبيّاً – أعقب مرضه سنة 1819 الذي أنتج رسوماته السّوداء -، سبقه انهيار عصبيّ آخر سنة 1792 على إثر مرض أوّل أرداه أصمّا، وأنتج «لوس كابريكوس» (تعشّق): ثمانون لوحة منجزة بتقنية الطّباعة على الحجر، وفيها.. نلمس ما سيغدو بعد ذلك فنّ الكاريكاتور. وقد جاءت تلك الأعمال داعمة لفكر عصر الأنوار ونابذة للظّلاميّة والأعراف البالية التي كان لا يزال المجتمع الإسبانيّ المترنّح، يتردّى فيها في القرن الثّامن عشر.

الخواء إلى.. أقصاه
يبيّن بونفوا أنّ تلك الحمم الدّكناء التي ترتشح على شخصيّات غويا، تنقلنا إلى مستوى أدنى من الفكر، أدنى من أيّ فكرة عن المادّة، بعيدا عن كلّ ما يبدو لنا أنّه كائن، إنّها صدع يميل إلى الانفتاح، (صدع)، بالمعنى الذي تذهب إليه كلمة (خواء) في اللّغة اليونانيّة. وهذا الخواء المعيش في حدوده القصوى، المتشبّث بكلّ شيء بما في ذلك ما هو أدكن وقاتم، يتنفّس ويزفر في كلّ ما هو كائن.

العزلة الكاملة
يقول بونفوا في بحثه إنّ مرض غويا وما صاحبه من هذيان، هو الذي حدّد مسار رسوماته السّوداء، إذ حمله حمق العالم على التأمّل في ما وراء «الوجود»، وراء «ما هو كائن»، ذلك الذي تشكّله اللّغة. لقد بحث، وهو في ذروة هذيانه، في ما وراء الصّور المألوفة التي يتشكّل منها عالمنا.. عن اللاّوجود، أي على ما يتخفّى وراء المعنى، بعمليّة تَعْديم للمظاهر الخادعة. وهناك.. حيث أشرنا إلى حالة تذبذب بين اللّوحات، مثل لوحة الكلب التي تومئ إلى حالة عزلة مطلقة، وتلك التي يغمرها ليل الكوابيس، يدعونا بونفوا إلى اعتماد تتابعيّة زمنيّة تُطلعنا على المسار المتميّز للانقلاب الذّاتي الذي طرأ على حياة غويا. ويبدأ ذلك المسار من زمن أوّل، حين الالتقاء بالوجه الآخر للّغة التي تكون قد تخلّصت من دور المدبّر والمنظّم للوجود، وتلك لحظة يحتلّ فيها القلق صدارة المشهد.. إلى زمن ثان يحضر فيها ذلك الآخر، الشّبيه، الحقيق بالإشفاق والرّحمة، وهو الذي أنجز رسوماته السّوداء وهو في حالة من العراء التامّ والعزلة المطلقة.