الملحق الثقافي

عبد المنعم تليمة المثقف عضوياًً وملتزماًَ

ينتمي الناقد والمفكر المصري الراحل عبد المنعم تليمة (توفي بالقاهرة عن 80 عاما الأسبوع الماضي) إلى آخر جيل «أكاديمي/‏ نقدي» أتيح له أن يتتلمذ إنسانيا وثقافيا وفكريا على يد المثقف والمفكر النهضوي الرائد طه حسين.
ربما كان تليمة آخر تلميذ نابغة استمع إلى محاضرات طه حسين، وتخرج في مدرسته الفكرية والمنهجية واستقى منه بشكل مباشر قيم التقدم والاستنارة واللوازم المعرفية والفكرية الضرورية للخروج من أنفاق العصور الوسطى إلى آفاق العصور الحديثة. وقدر لعبد المنعم تليمة أن يكون بأدواره الثقافية العامة والتزامه الفكري المخلص للتيار الاجتماعي الشامل في الأدب والنقد أن يكون أحد النماذج المضيئة لـ «المثقف العضوي» في الحياة العامة المصرية والعربية، وأن يكون مثالا للناقد «الملتزم» منهجيا ونظريا بأطر علم الجمال الماركسي في نسخته المطورة.

(1)
ظل قسم اللغة العربية في كلية الآداب (جامعة القاهرة) يمثل نواة القوة الناعمة للجامعة المصرية لأكثر من ثلاثة أرباع القرن، بعدما اكتسب شهرته وصيته من أستاذه الأول والأكبر الدكتور طه حسين، الذي كان بحضوره الطاغي وإنجازه المعجز ونشاطه المتدفق منارة مشعة تجتذب كل المتفوقين الطامحين إلى ممارسة أدوار ثقافية فاعلة من خلال الالتحاق بهذا القسم الثقافي التنويري.
وخطا الدكتور عبد المنعم تليمة خطواته الأولى في طريق الجامعة طالبا في قسم اللغة العربية وآدابها في خمسينيات القرن الماضي، يتحسس طريقه ويبحث عن محاضرات أستاذه الجليل ليجلس تحت أقدامه يستمع إليه بانبهار واستغراق. كان قسم اللغة العربية يكتظ آنذاك بأسماء ألمع نجوم الفكر والأدب والنقد: شوقي ضيف، محمد كامل حسين، عبد الحميد يونس، سهير القلماوي، عبد العزيز الأهواني، حسين نصار، وغيرهم.
ولأن هذا القسم كان في ذلك الوقت، يحمل ميراث ماضيه العظيم الذي صنعه جيل الرواد من أمثال طه حسين وأحمد أمين وأمين الخولي، ويضيف إلى هذا الميراث ما يجعل منه حضورا متصلا من التقاليد الخلاّقة داخل الجامعة، وحضورا فاعلا من الإضافة المستمرة إلى الحياة الثقافية العامة خارج الجامعة، أصبح هو «الحاضنة الثقافية» الحقيقية التي يتخرج فيها النوابغ مثل عبد المنعم تليمة.
تخرج عبد المنعم تليمة عام بتفوق كبير، وتم تكليفه ليكون معيدا بالقسم، وسرعان ما أنجز أطروحته للماجستير عن «الشعر السياسي في مصر من ثورة عرابي حتى ثورة 1919»، لتتضح ومنذ البداية انحيازاته الاجتماعية في فهمه للأدب والنقد. ثم أنجز تليمة في منتصف الستينيات أطروحته اللافتة للدكتوراه حول «نظرية الشعر في النقد العربي الحديث ماهية الشعر ومهمته: درس في النقد المقارن»، وهي من أبكر الدراسات التي انشغلت بـ «نقد النقد» في الثقافة العربية.
كان الدرس الأهم الذي ترسخ في وجدان الباحث الشاب والمثقف الرصين أن البحث العلمي لا ينغلق على نفسه داخل أسوار الجامعة منعزلا عن قضايا المجتمع وأحلامه في التقدم، وأن دراسة الأدب لا معنى لها ما لم تضع في اعتبارها الدور الاجتماعي الذي يسهم به نقد الأدب، تأكيدا لدور الأدب نفسه، في الارتقاء بالحياة والانتقال من الضرورة إلى الحرية، وأن الأستاذ الجامعي الحقيقي هو من يمتد برسالته الإبداعية والتنويرية إلى خارج أسوار الجامعة، مشيعا قيم الحرية الفكرية في المجتمع، متحديا التقاليد الجامدة ويفتح المدارات المغلقة للثقافة على آفاق التجديد والابتكار والتجريب.

(2)
وتشهد الفترة من منتصف السبعينيات حتى السنوات الأولى من الثمانينيات نشاطا متألقا وحضورا بارزا للناقد الشاب الذي سعى بكل جهده ونهمه المعرفي ونزوعه الثقافي الشامل إلى استكمال تكوينه الأساسي، فلسفيا ومعرفيا وجماليا، وكان من آثار هذه المرحلة إنجاز كتابيه المرجعيين في النقد العربي الحديث، الفريدين في بابهما وتنظيراتهما ورؤاهما الجمالية والمعرفية، وهما:
«مقدمة في نظرية الأدب» (صدر للمرة الأولى عام 1973)، وهو بحث عميق للوقوف على ماهية الظاهرة الأدبية والجذور الفكرية الفلسفية الخاصة بنشأة وتفسير تلك الظاهرة في ضوء الأصول الفلسفية والجمالية لنظرية «الانعكاس» باعتبارها السند النظري للمدرسة الواقعية، مع تحديد إشكالية العلاقة بين الإنسان وعالمه وتفسير الأدب في ضوء العلاقة من جهة «مصدره»، و«قوانين تطوره».
سيعرف تليمة العمل الفني بأنه «تشكيل جمالي لموقف من الواقع، الماثل، ويجمع الموقف بين عناصر ذاتية نفسية عاطفية روحية وعناصر موضوعية طبقية اجتماعية تاريخية إنسانية». وذلك انطلاقا من مفهوم شامل للفن باعتباره موازاة رمزية للواقع، تشد من الواقع جوهر حركته لتعيد بناءها في اتجاه واقع جديد يحقق النسبة والتناسب والتعادل والتوازن، واقع أكثر إنسانة ورحابة.
أما الثاني «مداخل إلى علم الجمال الأدبي» (صدر للمرة الأولى عام 1978)، فيؤسس فيه لمفاهيم جمالية ذات أسس فلسفية ومعرفية متراكبة ومتداخلة، وعلى رأسها «التقويم الجمالي» و«الإحساس الجمالي». وفي ثنايا بحثه سيميز تليمة بين مدرستين كبيرتين في الفن وفي النظر إليه: الأولى ترى أن الفنّ «جماله في نفعه»، والثانية ترى أن الفنّ «نفعه في جماله». وفي هذه الصيغة تمييز بين المدرسة الوظيفية التي تذهب إلى أن الفن يكون جميلاً إذا كان نافعاً، والمدرسة الجمالية التي تذهب إلى أن الفن يكون نافعاً إذا كان جميلاً. الأولى تشرط الجمال بالمنفعة، والثانية تنطلق من أن الجمال في ذاته نفع وفائدة ووظيفة، إذ هو يرقِّي الإحساس بالحياة ويعمق وعي البشر بمعاداة القبح، كما أنه ينقل المنجز البشري في التقنيات نقلات تاريخية جديدة.
وسيخلص قارئ الكتابين إلى قدرة تليمة المذهلة على التجريد واستخلاص الأفكار والمقولات الكبرى، وسيكتشف جوهر مقولته بأن الفن موقف وأن تشكيله «جماليا» موقف من العالم، وتشكيل هذا الموقف بطرائق التعبير المجازي والرمزي، بما يخلق موازاة رمزية للواقع. وكما رأى بعض النقاد فإن هذه الرؤية قد حاولت تجاوز معضلة الشكل والمضمون، التي كانت إحدى إشكالات النقد العربي في الخمسينيات والستينيات وما تلاها.
وهذه الرؤية وإن كانت تنطلق من نظرية «الانعكاس» الماركسية، فإنه لم يكن يقصد «انعكاساً مرآوياً آلياً تطابقيا»، بل انعكاسا عميقا قائما على الجدل والتفاعل بين «الموقف من العالم» وتشكيل هذا الموقف جمالياً، لتقول لنا في النهاية إن الموقف من العالم وحده لا يصنع فنا رفيعا، حتى لو كان هذا الموقف رفيعا أو شريفا، إذ لا بد لهذا الموقف من تشكيل فني ينتقل به من العيني إلى المجازي، ومن التقريري إلى الرمزي، ومن الفردي إلى الجماعي.
كما تقول لنا إن التشكيل الفني، وحده، لا يصنع فنا، إذ يلزمه لكي يكون كذلك «موقف من العالم»، لأن أي تشكيل فني لا يمكن أن يتم في فراغ. وكذلك فإنه لا سبيل للوصول إلى اكتشاف «الموقف» في النص، إلا من خلال طرائق تشكيله الفنية والجمالية.

(3)
بعد أن تحدد الإطار النظري العام، الكلي والشامل، لعبد المنعم تليمة في كتابيه السابقين، سيركز جهده على «الهم التأصيلي» للأنواع الأدبية وللنقد العربي في العصر الحديث. وستكون باكورة هذه الإسهامات بحثه الرائع «النقد العربي الحديث بحث في الأصول والاتجاهات والمناهج»، وهو تاريخ مركز شديد التكثيف لتاريخ النقد العربي الحديث باعتباره أحد تجليات حركة الفكر العربي الحديث، بموازاة تحليل نماذج من النقد العربي في العصر الحديث ركزت جهدها على تجديد الشعر العربي «تحديث الأصيل»، وتأصيل الأنواع الأدبية الحديثة «تأصيل الجديد». وأعقب هذا البحث الذي لا نظير له اختيار عدد من النصوص المنتقاة الدالة الممثلة لتيارات النقد العربي الحديث واتجاهاته الأساسية ومناهجه القديمة والمستحدثة على السواء.
نشر عبد المنعم تليمة هذا البحث التمهيدي والنصوص التالية له في كتاب «النقد العربي - مداخل تاريخية حول اتجاهاته الأساسية.. نصوص بلاغية ونقدية قديمة وحديثة» (يقع في 712 صفحة من القطع المتوسط، عن الجهاز المركزي للكتب الجامعية) بالاشتراك مع الدكتور عبد الحكيم راضي عام 1977.
ويتدفق تليمة في كتاباته النقدية والثقافية، النظرية والتطبيقية على السواء، وينشر العديد من المقالات والبحوث في دوريات تلك الفترة (لم تجمع هذه المقالات والدراسات حتى الآن في كتاب أو أكثر)، ويُعنى أكثر ما يُعنى بإنجازات أكبر اسمين في الإبداع الروائي والمسرحي في الأدب العربي الحديث، نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم.
ولأن هم «التأصيل» لدى عبد المنعم تليمة لم يكن ينفصل عن سياقه الفكري والثقافي الأشمل، اعتبر أن نجيب محفوظ هو المؤصل الأول والأكبر للرواية العربية، وتوفيق الحكيم كذلك في المسرح العربي، انطلاقا من دراسة دقيقة ومتعمقة لنصوص المبدعين الكبيرين، سجلها بعضها أو جوانب منها في عدد من الدراسات والمقالات المهمة عن إبداع محفوظ والحكيم.
سيكتب تليمة دراستيه اللافتتين «الموقف الفكري وجمالياته عند نجيب محفوظ»، ودراسته التطبيقية المفصلة لرواية «اللص والكلاب». وسيقدم أيضا قراءته التحليلية العميقة لمسرحية توفيق الحكيم «السلطان الحائر».

(4)
تجاوزت تأثيرات عبد المنعم تليمة قاعات الدرس وأسوار الجامعة إلى خارجها، عبر عشرات الرسائل والأطروحات العلمية التي ناقشها (ماجستير ودكتوراه) في مصر والعالم العربي، وخلال أربعة عقود متصلة منذ ثمانينيات القرن الماضي ستتشكل «جوقة» من تلاميذ تليمة في الأدب والنقد وعلم اجتماع الأدب وفلسفة الجمال والأدب المقارن.. إلخ. وستكون ندوته الأسبوعية التي كان يعقدها مساء كل خميس في منزله القريب من الجامعة واحدة من أشهر اللقاءات التي تجمع المثقفين على اختلاف أطيافهم وانتماءاتهم الفكرية في كل المجالات، أدب، نقد، سياسة، اقتصاد، تخطيط.. إلخ، وستتجاوز شهرتها المحيط المصري، لتكون بؤرة جذب وقبلة لكل الكتاب والمثقفين في العالم العربي أيضا.
كل ذلك فضلا عن نشاطه العام، ثقافيا وسياسيا، وسيصيبه رذاذ مؤذ جراء هذا النشاط فيتم اعتقاله مرتين (عقب مظاهرات يناير 1977 في مصر، وفي 1984) لكن سرعان ما سيتم الإفراج عنه وبعدها بسنوات قليلة سيسافر إلى اليابان في رحلة طويلة تمتد لما يقارب العقد.
ستترك رحلة اليابان آثارا عميقة في روح وعقل تليمة، وستتغير بؤرة اهتماماته عقب العودة، ويصبح هم التعليم وإصلاحه وفق رؤية كلية شاملة على رأس أولوياته. عاد تليمة مأخوذًا بالتجربة اليابانية في العلم والتقدم والتكنولوجيا والعمل، وأدرك أن كلمة السر وراء ذلك كله هو «التعليم»، التعليم هو المبدأ والمعاد، ويعكف بعدها إعداد كتاب ضخم حول هذه التجربة، بعنوان «تخليص البيان في تلخيص اليابان»، استهداء بكتاب الشيخ التنويري الجليل رفاعة الطهطاوي «تخليص الإبريز في تلخيص باريز».
سيستحق عبد المنعم تليمة اللقب الذي أطلقه عليه بعض تلاميذه ومريديه بأنه «شجرة النقد الوارفة»، وسيستحق كذلك أن يكون أحد شيوخ النقد الكبار في مصر والعالم العربي، بفضل ما قدمه من إسهامات وإنجازات وآثار باقية كأستاذ جامعي نبيل، وكناقد أصيل ومفكر من طراز رفيع، وكمناضل سياسي وإصلاحي تربوي، صاحب تاريخ كبير وإنجاز مشرف في الثقافة العربية المعاصرة.

الموقف وحده لا يصنع فناً
رغم أن الرؤية النقدية للناقد عبد المنعم تليمة كانت تنطلق من نظرية «الانعكاس» الماركسية، فإنه لم يكن يقصد «انعكاساً مرآوياً آلياً تطابقيا»، بل انعكاسا عميقا قائما على الجدل والتفاعل بين «الموقف من العالم» وتشكيل هذا الموقف جمالياً، لتقول لنا في النهاية إن الموقف من العالم وحده لا يصنع فنا رفيعا، حتى لو كان هذا الموقف رفيعا أو شريفا، إذ لا بد لهذا الموقف من تشكيل فني ينتقل به من العيني إلى المجازي، ومن التقريري إلى الرمزي، ومن الفردي إلى الجماعي.
كما تقول لنا إن التشكيل الفني، وحده، لا يصنع فنا، إذ يلزمه لكي يكون كذلك «موقف من العالم»، لأن أي تشكيل فني لا يمكن أن يتم في فراغ. وكذلك لا سبيل للوصول إلى اكتشاف «الموقف» في النص، إلا من خلال طرائق تشكيله الفنية والجمالية.