الاقتصادي

موانئ أبوظبي تستثمر 880 مليون درهم لحماية الشعاب المرجانية

الشعاب المرجانية تسهم في زيادة الثروة السمكية (من المصدر)

الشعاب المرجانية تسهم في زيادة الثروة السمكية (من المصدر)

بسام عبد السميع (أبوظبي)

في تجربة الأولى من نوعها استثمرت شركة موانئ أبوظبي 880 مليون درهم لحماية الشعاب المرجانية عبر كاسر الأمواج بطول 8 كيلو مترات لتحقيق استدامة الثروة البحرية، لتسهم الشركة بشكل كبير في نمو الشعاب المرجانية من خلال بناء حواجز مائية من صخور الجرانيت، ولتصبح هذه الهياكل مواطن للشعاب المرجانية، وتتحول إلى نظام بيئي ثان ذاتي، وبالحجم نفسه تقريباً.
وبالقرب من منطقة غنتوت على بعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرق العاصمة أبوظبي، تقع شعاب رأس غناضة بأبوظبي الأكثر حيوية، بمناطق الشعاب المرجانية، حيث تعد الشعاب المرجانية واحدة من أكثر المواطن الأحيائية تنوعاً في الإمارات، إذ تكتسب أهمية بيئية كبيرة كونها بيئة جاذبة للأسماك ولتكاثرها، وتحمي الساحل من عوامل التعرية، فضلاً عما تزخر به من أشكال وألوان متعددة تمنح المنطقة المتواجدة فيها طبيعة خلابة.
وتنتشر هذه الشعاب على مساحة تزيد على 25 كيلومتراً مربعاً في قاع البحر، وتزخر بأكثر من 20 نوعاً مختلفاً من المرجان الصلب والأسماك، والتي استطاعت التكيف في المنطقة على الرغم من التحديات المحيطة بها مثل ملوحة المياه وارتفاع درجات حرارة مياه الخليج العربي إضافة إلى إقامة العديد من المنشآت الصناعية بالقرب منها.
ويؤكد الكابتن محمد جمعة الشامسي، الرئيس التنفيذي لموانئ أبوظبي، أن موانئ أبوظبي تولي أهمية قصوى لحماية الكائنات البحرية والحفاظ على التنوع الأحيائي وتلتزم بالتعاون مع هيئة البيئة – أبوظبي، السلطة المختصة بحماية البيئة في إمارة أبوظبي، لحماية البيئة البحرية والحفاظ على التنوع البيولوجي.
وقال «تجسّد هذه الشعاب المرجانية مثالاً مميزاً لجمال الحياة البحرية، ونحن نفخر بالدور الذي تقوم به موانئ أبوظبي للحفاظ على البيئة البحرية المهمة والتعامل معها بأعلى درجات المسؤولية لضمان ديمومة هذا النظام الحيوي».
وقالت الدكتورة شيخة سالم الظاهري، المدير التنفيذي لقطاع التنوع البيولوجي البري والبحري في هيئة البيئة - أبوظبي: «تقوم الهيئة بإجراء تقييم سنوي لرصد الشعاب المرجانية باستخدام البيانات التي يتم جمعها من 10 مواقع للرصد منتشرة في مختلف أنحاء إمارة أبوظبي، بما في ذلك رأس غناضة، لتقييم حالة الشعاب المرجانية في مختلف المواسم. وتقوم هيئة البيئة بالتقاط الصور في كل موقع باستخدام كاميرات للتصوير تحت الماء عبر التقاطعات الثابتة، ليتم تحويلها فيما بعد إلى برنامج حاسوبي لتحليل الصور للمساعدة في تحديد حالة وصحة الشعاب المرجانية.
وبالإضافة إلى البيانات التي يتم جمعها عن حالة الشعب المرجانية، تسجل المحطات درجات الحرارة في جميع مواقع الرصد لتسجيل أي تغير يطرأ على درجة الحرارة والتي يمكن أن تضر بصحة غطاء الشعب المرجانية.
وقد أظهرت الدراسات التي أجرتها الهيئة أن الشعاب المرجانية في موقع رأس غناضة، حافظت على صحتها وحالتها المرنة على مر السنين. وأظهرت الدراسات التي أجرتها موانئ أبوظبي عند التخطيط لميناء خليفة بأن الموقع الأولي لإنشاء هذا الصرح العملاق قد يشكل تحدياً لاستمرارية الشعاب المرجانية، ولقد تم مناقشة التدابير التخفيفية بالتنسيق مع خبراء هيئة البيئة – أبوظبي كجزء من دراسات تقييم الأثر البيئي.
وبناءً عليه أنشأت موانئ أبوظبي ميناء خليفة على بعد 4 كيلومترات من اليابسة في عمق البحر من المواد المجروفة وذلك حرصاً على صون المقدرات البيئية والتنوع الأحيائي وتقليل آثار التلوث وتغير درجات حرارة المياه الناتجة عن عمليات النقل البحري والمناولة. ولتعزيز الحماية، استثمرت موانئ أبوظبي 880 مليون درهم لبناء كاسر أمواج بيئي بطول ثمانية كيلومترات، وأقامت جسراً على ركائز لتلافي انقطاع الشعاب المرجانية الناجمة عن تيارات المياه للحد من اندثارها.
وكلفت موانئ أبوظبي اثنين من علماء الأحياء البحرية، وهما الدكتور سام بوركيس والدكتور برنارد ريجل من معهد فلوريدا الوطني للشعاب المرجانية، لفحص الشعاب المرجانية كل ثلاثة أشهر ومراقبة الظروف البحرية وضمان الحفاظ على صحة واستدامة الشعاب المرجانية، ووضع الحلول الاستباقية في حال بروز أي تحدٍ جديد.
وقد درج هذان العالمان على زيارة المنطقة منذ عام 1995 للقيام بعمليات مراقبة الشعاب المرجانية في الخليج بشكل دوري، حيث يقومان بالغوص وتصوير هذه الشعاب وإعداد التقارير ومقارنتها مع المشاهدات السابقة.
ويؤكد الدكتور سام والدكتور برنارد أن التزام موانئ أبوظبي في الحفاظ على التنوع البيولوجي للمنطقة البحرية بالقرب من ميناء خليفة كان أهم العوامل التي أسهمت في إثراء البيئة البحرية لمنطقة رأس غناضة.
ويقول برنارد، «الشعاب المرجانية في رأس غناضة هي على الأرجح أغنى نظام بيئي مرجاني في أبوظبي وجنوب شرق الخليج، كما أنّها أغنى النظم الإيكولوجية الساحلية بالنظر إلى وجود أشجار القرم والأعشاب البحرية والشعاب المرجانية والشاطئ الرملي الذي يعد موطناً رئيسياً للسلاحف البحرية، والحقيقة أن هذا النظام البيئي المتكامل مثير للإعجاب، ويعتبر أحد أكثر مواقع التنوّع البيولوجي تميزاً في العالم».
هذا وتعرف منطقة الشعاب المرجانية في رأس غناضة بأعلى نسبة تغطية من الشعاب الحيّة بالمقارنة مع أكثر النظم البيئية الفعالة في العالم.
ويشير الخبيران إلى وجود الكثير من الأنواع النادرة من المرجان والأسماك في تلك الشعاب، مما يؤكد أهميتها في الحفاظ على النظام الإيكولوجي، حيث تزخر بوفرة الأسماك، بالمقارنة مع الشعاب المرجانية الأخرى في مناطق مختلفة من الخليج.
وتتميز تلك المنطقة أيضاً بالمساحات الشاسعة للأعشاب البحرية في قاع البحر، وعلى الساحل الرملي والشواطئ، التي تشهد وتيرة عالية من تكاثر السلاحف في المنطقة.
ويقول الدكتور سام: «بذلنا الكثير من الجهود لحماية موقع تكاثر السلاحف، وهو أمر ليس من السهل في ظل ظروف المناخ التي تؤثر على تكاثر تلك الكائنات».ويضيف، «النظام البيئي حيوي جداً، وبفضل جهود موانئ أبوظبي أصبح يمثل إحدى المحميات البحرية المهمة».

الشعاب المرجانية كنز وطني

أكد علماء الأحياء البحرية، أن فوائد الشعاب المرجانية، عديدة ومتنوعة فهي تسهم في زيادة الثروة السمكية، وتحمي الساحل من عوامل التعرية والعواصف، لكنّ العامل الأهمّ هو أنّ لهذه الشعاب المرجانية قيمة طبيعية وجمالية وأنها كنز وطني بالفعل، ورأس غناضة مثال حي لاستدامة الثروة الطبيعية في دولة الإمارات.
ويواصل علماء الأحياء البحرية، الدكتور سام بوركيس والدكتور برنارد ريجل من معهد فلوريدا الوطني للشعاب المرجانية، العمل بشكل وثيق مع موانئ أبوظبي لحماية الشعاب المرجانية، وتمثل ذلك بتشغيل نظام إلكتروني جديد في شهر يوليو 2017 لمراقبة جودة مياه البحر، مما أمنّ تدفقاً مستمراً للبيانات حول درجة الحموضة، ودرجة الحرارة، والأوكسجين المذاب، والعكورة، والكلوروفيل، وتدفق الترسبات في مياه المنطقة. ويؤمن كل من ريجل وسام بأنّ هذا النظام يسهم بشكل كبير في تشخيص أية تغييرات في الشعاب المرجانية لاتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة. تجدر الإشارة إلى أنّ موانئ أبوظبي تتبع أنظمة صارمة تجاه السفن الزائرة التي قد تلجأ لتصريف مياه الصرف الصحي في مياه البحر. فبدلاً من ذلك، وبالتكلفة نفسها، تنقل موانئ أبوظبي المياه إلى محطات المعالجة قبل إعادة ضخها للبحر، مما يسهم في عدم دخول الأنواع الغازية من النظم الإيكولوجية الساحلية الأخرى إلى منطقة الشعاب المرجانية مما يعزز التوازن البيئي. ويؤكد الخبيران، أن المنهجية التي اعتمدتها موانئ أبوظبي كانت ناجحة، حيث لم يلحظا أية أنواع غريبة داخل منطقة الشعاب المرجانية.
ويشير الدكتور سام إلى أن العمل الذي قامت به موانئ أبوظبي، وخطط الحماية المستمرة ذات أهمية كبيرة، مضيفاً، أنه من السهل جداً فقدان الشعاب المرجانية، وهذا بمثابة تحذير من أن النظم الإيكولوجية الأخرى قد تواجه انهياراً قريباً، ولولا حرص إدارة موانئ أبوظبي على اعتماد التدابير اللازمة، كنا فقدنا معظم هذه الشعاب المرجانية منذ العام 2009.