تقارير

غرب أفغانستان.. معركة «طالبان» الجديدة

تحركت قافلة من العربات المدرعة تجاه هذه القرية ذات الجدران الطينية في إقليم «فرح» بغرب البلاد، حيث ظل مسلحون يطلقون النار دون توقف. ومن موقع قريب للقيادة، كان هناك عقيد في الجيش الأفغاني يتدرب على استخدام مناظيره في مراقبة مواقع العدو. وفي الخارج، كان جنود وضباط الشرطة ينتظرون الأوامر للتحرك بصبر نافد. كان مقاتلو «طالبان» قد استولوا على مركز شرطة القرية قبل عدة أسابيع. والآن، وصل نحو 250 من الجنود وقوات الشرطة الأفغانية لاسترداده. صاح العقيد عبد الجلال جلال «بعد مئة متر»، صدمت قذيفة هاوتزر من عيار 122 ملم مجمعاً طينياً، ما أدى إلى تصاعد سحابة من الدخان. وبجواره، كان الجنرال «فاضل أحمد شيرزاد»، رئيس شرطة المقاطعة، يدرج على هاتفه الجوال إحداثيات (مواقع على الخريطة) لضربة جوية أميركية محتملة.
ووسط أصوات تبادل إطلاق النار التي تصم الآذان، انفجرت قنبلة مزروعة في جدار طيني متصدع، متسببة بإصابة ضابطي شرطة إصابات طفيفة، وسرعان ما تم نقلهما إلى المستشفى في مدينة فرح، عاصمة الإقليم الواقعة على بعد ثمانية أميال. وبالنسبة للآخرين، كانت المعركة التي بدأت في صباح منتصف فبراير قد بدأت للتو.
وفيما كان مقاتلو «طالبان» مستمرين في شن حملة عدوانية للسيطرة على الأراضي في جميع أنحاء أفغانستان – بعد أن تجاوزوا استراحتهم الشتوية التقليدية من القتال، بينما وصلت آلاف القوات الأميركية الجديدة لتدريب وتعزيز قوات الأمن الأفغانية – كان إقليم فرح أحد أهدافهم الأكثر إثارة للدهشة، وهو منطقة غربية نائية متاخمة لإيران.
ويسيطر المتمردون على أقاليم حدودية استراتيجية، مثل «قندوز» و«هلماند»، لكنهم فشلوا في السيطرة الدائمة على عواصمها رغم محاولاتهم المتكررة. وهم الآن يتحولون إلى أقاليم نائية وأقل حصانة دفاعية، بينها فرح وبادخشان. ويعد إقليم فرح منطقة زراعية معزولة يقل عدد سكانها عن مليون نسمة ونادراً ما يزورها الصحفيون.
وكانت «طالبان» نشطة في «فرح» لسنوات عديدة، لكن الهجوم المكثف الحالي بدأ قبل شهرين. في يناير قام مقاتلو الحركة بإغلاق الطرق السريعة المؤدية إلى مدينة فرح، واستولوا على أجزاء من مقاطعة «بوشت-رود» المجاورة واجتاحوا مواقع أمنية عديدة، ما أسفر عن مقتل 43 من رجال الشرطة وإصابة أكثر من 50 آخرين. كما تجرؤوا وعبروا نهر «فراه» الجاف، وهو حاجز طبيعي في الطريق المؤدي للمدينة، وهاجموا مركزاً عسكرياً بضاحيتها.
ولقي نائب رئيس الشرطة بالإقليم، الذي كان يقود وحدة لإنقاذ رجاله المحاصرين، مصرعه عندما انفجرت قنبلة على جانب الطريق. وفي حالات أخرى، كانت المراكز العسكرية تسقط قبل وصول المساعدة.
وقال «أمير محمد أيوبي»، أحد مشايخ المدينة: «وصل مقاتلو (طالبان) إلى بوابات المدينة. وظلوا على مدار أسبوع أو اثنين يجتاحون مواقع الشرطة كل ليلة». وأضاف أن القوات المحلية لم تكن مدفوعة للقتال، وأن معدلات جرائم السرقة والنهب ارتفعت في العاصمة مع تصاعد الصراع، وفرت العائلات إلى المقاطعات المجاورة وسط الفوضى، بينما اندلعت الاحتجاجات الغاضبة.
وكان رد الفعل الرسمي سريعاً، إذ استقال الحاكم الإقليمي، بينما تم فصل رئيس الشرطة، وعيَّن الرئيس «أشرف غني» بدائل، وتم إرسال مئات التعزيزات لمنع المدينة من السقوط، بما في ذلك النخبة من قوات الكوماندوز في الجيش الأفغاني والقوات الاستشارية الأميركية والإيطالية.
وفي الأسابيع القليلة الماضية، قامت القوات البرية الأفغانية، تدعمها الضربات الجوية الأميركية، باستعادة الأراضي المفقودة وإعادة فتح الطرق الرئيسية. بيد أن قوات «طالبان» كانت راسخة في الإقليم منذ فترة طويلة، وتعمل بحرية في المناطق النائية غير الخاضعة للمراقبة.
ووفقاً لبعض التقديرات، يسيطر المتمردون الآن على 60% من إقليم فرح، بينما تسيطر الحكومة فقط على العاصمة وعشرة مراكز. وعلى مستوى البلاد، يسيطر المتمردون على 13% على الأقل من أقاليم أفغانستان وعددها 407 أقاليم ويتنازعون على الثلث.
وقد رفضت السلطات في إقليم فرح تقديم إحصاءات عن الإصابات، لكن الوثائق المتاحة بأحد المستشفيات أظهرت بأنه في غضون الأشهر العشرة الماضية، تم إرسال جثث 225 شرطياً و52 جندياً و39 مدنياً، إلى جانب 230 شرطياً و52 جندياً يتعالجون من إصاباتهم.
ورغم الانتشار المكثف للتعزيزات، لا تزال الاشتباكات مستمرة في بعض المناطق. وقد عادت مدينة فرح جزئياً إلى وضعها الطبيعي. في الأسبوع الماضي، وخلال زيارة قام بها مراسل «واشنطن بوست»، كانت الشوارع مزدحمة والمتاجر مفتوحة. وتقوم قوات الشرطة والجيش بدوريات منتظمة، بينما تحلق المروحيات الهجومية في السماء. ويقوم بعض أفراد الأمن بدوريات ليلية أيضاً، وفي وقت متأخر من إحدى الليالي، قام الحارس الشخصي الرئيسي للمحافظ الجديد «مايواند ألوزاي» بجولة حول العاصمة في سيارته التويوتا البيضاء، بينما كانت أصوات الموسيقا تصدح من مكبرات الصوت، حيث توقف عدة مرات لتجاذب أطراف الحديث في مراكز تفتيش الشرطة ومحلات البقالة الليلية. وسأل ضابطاً يحمل بندقية كلاشينكوف على كتفه: «كيف الحال؟»، فرد الضابط: «كل شيء على ما يرام».
يقول المسؤولون والمقيمون إن عدوان «طالبان» ليس السبب الوحيد لانعدام الأمن المزمن، فهناك نحو 6000 فرد فقط من قوات الأمن لحماية الإقليم الكبير، وأقل من نصف هذا العدد في مدينة هلماند المجاورة، وهي ليست أكبر كثيراً لكنها ظلت لسنوات مركزاً رئيسياً للصراع.
ومن ناحية أخرى، قال زعماء سياسيون محليون إن الفساد والمنافسات بين الرجال الأقوياء المحليين المؤيدين للحكومة، ساعد على تقويض الأمن، وإن كثيراً من مراكز الشرطة بمواقع تملؤها الأشباح وكثير من أفرادها مجرد أسماء وهمية لرجال من ذوي الرتب الدنيا، بينما يتم حجز رواتبهم ومدفوعاتهم ليحصل عليها ضباط أعلى مركزاً.

*مراسل صحيفة «واشنطن بوست» في أفغانستان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»