أخيرة

جناح البوسنة والهرسك.. إبداعات يدويـــــة من البلقان إلى الإمارات

المهرجان يستقطب الزوار من مختلف الأعمار (الاتحاد)

المهرجان يستقطب الزوار من مختلف الأعمار (الاتحاد)

أحمد السعداوي (أبوظبي)

يمثل جناح دولة البوسنة والهرسك عنصراً لافتاً ضمن فعاليات مهرجان الشيخ زايد التراثي بمنطقة الوثبة بأبوظبي، بما يحتويه من مفردات تراثية وحرف تقليدية آتية من هذا الجزء من العالم الذي لا يعرف الكثيرون عنه إلا أقل القليل، غير أن الوجود البوسني في المهرجان التراثي الأضخم في المنطقة كشف لعشاق الأصالة والتاريخ جانباً مهماً من الموروث المحلي لشعب البوسنة والهرسك، تشابه في كثير من ملامحه مع الأنماط التراثية في منطقتنا العربية.

أرجع البعض تشابه موروثنا التراثي مع موروث البوسنة إلى انتشار الإسلام في بلادهم قبل قرون، وبالتالي سادت الثقافة الإسلامية القادمة من الشرق العربي لتلقي بظلالها على الموروث المحلي للبوسنة والهرسك ولكن بعد صبغها بلمسة أوروبية، نظراً للطبيعة الجغرافية لدولة البوسنة التي تقع في منطقة البلقان شرق أوروبا.

ألوان الحرف

بالتجول داخل الجناح البوسني، يطالع الزائر ألوان الحرف التقليدية والمشغولات اليدوية وحتى الأطعمة التي تشابه في كثير منها ما نعرفه في شرقنا العربي مثل المشاوي والكباب، وغيره من المذاقات الشهية التي تزين المطبخ العربي والبوسني في آن، والتي نجح أبناء البوسنة من خلال هذه الأنشطة في نقل نماذج حية من موروثوهم الشعبي ضمن مهرجان الشيخ زايد التراثي، الذي انطلقت فعالياته في الأول من ديسمبر الماضي في منطقة الوثبة بأبوظبي. وتقول أميرة تاليش، إحدى عضوات وفد البوسنة والمسؤولة عن ركن الصناعات الجلدية، إنها تأتي للمرة الثانية للمشاركة في فعاليات المهرجان مع زملائها، بعد الإبهار الذي شاهدوه في النسخة الماضية من المهرجان، غير أن هذه المرة اتسعت المشاركة العالمية في المهرجان من خلال وجود أجنحة 17 دولة تعرض مشغولاتها التراثية، ما جعل المهرجان يحتل مكانة كبيرة ضمن الفعاليات التراثية على مستوى العالم، ويجعل الجميع يفخر بالمشاركة فيه وعرض نماذج من موروث بلده.

صناعات يدوية

وأوضحت تاليش، أنها تعرض مجموعة من النعال الجلدية المصنوعة يدوياً، وهي حرفة تعلمتها من خلال زوجها الذي ورثها عن والده قبل سنوات بعيدة، وهذه الجلود مستخرجة من الحيوانات المنتشرة في البيئة البوسنية وتتم معالجتها بأساليب بسيطة بعيداً عن الحداثة، حتى لا تفقد خصوصيتها كحرفة تراثية أصيلة حين تتحول هذه الجلود إلى أحذية تماثل تلك التي كان يرتديها الرجال والنساء في البوسنة والهرسك قبل مئات السنين، مؤكدة أن هذا المنتج المحلي صار معروفاً عالمياً الآن ويطلبه كثير من الزبائن في أماكن كثيرة من العالم، كونه صالحاً للاستخدام في الحياة اليومية رغم مظهره التقليدي، الذي ربما لم يتغير منذ مئات السنين، ما أعطاه خصوصية فريدة ترفع من سعره وقيمته، قياساً إلى النعال المشابهة والمنتجة بأدوات عصرية.

أما نيشاد بوتشو، وكان يعرض مجموعة من أدوات الشاي والقهوة العتيقة وكذا بعض السيوف والتحف الفضية والنحاسية القديمة، فقد تحدث بفرح وفخر بمنتجات دولته وبأنه من سكان مدينة سراييفو عاصمة البوسنة، وبجذوره الإسلامية، التي يعتز بها ويفرح لوجوده في دولة إسلامية عربية معروفة عالمياً بالنهضة التي حققتها، وبأنها أكبر مثال على السلام والتعايش بين الجميع.

وعبر بوتشو، الذي جاوز الخمسين بأعوام قليلة، عن شكره العميق لهذه المبادرة الفريدة من جانب مسؤولي المهرجان لدعوة ممثلين عن التراث البوسني وغيرهم من أصحاب الحرف التراثية من أنحاء العالم، وإتاحة الفرصة لهم لعرض هذه الإبداعات البشرية على أرض الإمارات، وفي أجواء الحب الذي يمكن ملاحظته على وجوه الجميع في المهرجان، سواء كانوا عارضين أو زواراً من مختلف الجنسيات.

سيوف عتيقة

ولفت إلى أن أهم ما يقوم بعرضه هو مجموعة من السيوف التي يعود أقدمها إلى نحو مئة عام، وأغمدة جلدية ومعدنية للسيوف، وأدوات لتقديم القهوة والشاي، ومطحنة يدوية للبن وهي مصنوعة من النحاس وأسطوانية الشكل، تتيح لأي ربة منزل استخدامها بشكل بسيط لطحن حبوب القهوة حتى تشربها طازجة في المنزل.

مشغولات الحلي الفضية، والنحاسية وعمل اللوحات المعبرة عن بيئة البوسنة والهرسك، هي ما كان مسؤولاً عنه الفنان التشكيلي مصطفى لاتيج، الذي أوضح أنه يزور الإمارات للمرة الثانية للمشاركة في هذا الحدث الكبير، الذي يعتبر إضافة لتاريخه المهني الممتد لأكثر من 15 عاماً في مجال صناعة المشغولات والمقتنيات التراثية، باستخدام خامات طبيعية بعضها من البوسنة وبعضها تم استيراده من دول أخرى، ثم قام بتصنيعه يدوياً بعد إضافة لمسات من التراث المحلي عليه، حتى يزداد قيمة ويكون معبراً عن أحد جوانب الموروث الشعبي لدولة البوسنة والهرسك، التي عرف صانعوها النقش على الفضة والنحاس منذ قرون عديدة.

ويشاركه ديف كاليش، الذي قارب الستين من عمره، قضى نحو 40 عاماً منها في صناعة المشغولات الفضية والحلي المطعمة بأنواع العقيق وغيرها من الأحجار الكريمة، مبيناً أن نساء البوسنة القدامى كن يستعملن هذه المشغولات في الزينة مهما اختلف مستواهن المادي والاجتماعي، غير أن أصحاب القدرات المادية الأعلى كن يستخدمن الحلى المطعمة بأحجام أكبر من الأحجار الكريمة.

مشاركة أولى

وأورد كاليش، أنه جاء مشاركاً للمرة الأولى ضمن وفد البوسنة في فعاليات «زايد التراثي» بعدما سمع من بعض زملائه الذين جاؤوا في النسخة السابقة، إنه من أكبر المهرجانات التراثية في المنطقة وبإن التراث الإماراتي ثري بأنواع عديدة من الحرف التقليدية، سواء التي يقوم بها الرجال أو النساء، وهو ما أبهره بالفعل حين رأي هذا العدد الكبير من الحرف الذي يعكس مهارة أبناء الإمارات في الحفاظ على موروثهم وتقديمه إلى العالم بشكل مبهر، وهو ما يحاول مع زملائه من الحرفيين التراثيين من البوسنة والهرسك عمله، وإبراز جزء من الموروث المحلي لنا في مختلف مناطق العالم، خاصة منطقة الشرق الأوسط التي نعتز بتشابه جذورنا الإسلامية مع كثير من شعوبها.

هاريس ألما، مسؤول عن ركن الصابون وأدوات التجميل، يذكر أنه يعرض أنواعاً من الصابون والزيوت العطرية المستخلصة من الأشجار والنباتات المنتشرة في مناطق متفرقة في البوسنة والهرسك، مبيناً أن بعض هذه المنتجات يستخدم في علاج بعض المشاكل الصحية والأمراض مثل الأكزيما ومشاكل البشرة مثل حب الشباب والحبوب السوداء والهالات السوداء تحت العينين، فضلاً عن أنواع أخرى من الزيوت الطبيعية تستخدم في المساج وعلاج مشاكل الصدر والأمراض الروماتيزمية، علماً بأن كل هذه المنتجات طبيعية مئة في المئة وليس لها أي أعراض جانبية، كما أن أسعارها في متناول الجميع ويقبل عليها الجمهور بشكل لافت، خاصة بعد أن قام بعمل خصم 50 في المئة على جميع المنتجات التي يبيعها، مكتفياً بنسبة ربح قليلة، خاصة بعد كرم الضيافة المتناهي الذي وجده هو وزملاؤه منذ أول يوم وصلوا فيه إلى أرض الإمارات قبل انطلاق المهرجان بعدة أيام.

تمديد المهرجان.. مؤشر لنجاح الفعاليات

أبوظبي (الاتحاد)

لقي قرار تمديد الدورة الحالية من مهرجان الشيخ زايد التراثي استحساناً كبيراً من الجمهور والمشاركين على حد سواء، إذ أكد زائرون أن تمديد المهرجان لثلاثة أسابيع أخرى يدل على نجاحه ومدة الإقبال الجماهيري الكبير عليه.

وأكد عارضون ومشاركون أن التمديد جاء بالكثير من الفوائد، سواء من جهة التعريف بمنتجاتهم لأكبر عدد من الزوار من مختلف الجنسيات، أو من جهة ارتفاع نسب البيع التي فرضت عليهم استقدام دفعات أخرى من المنتجات من بلادهم الأم بعد بيع معظم معروضاتهم.

وقال جلال الحرباوي، القادم من الفجيرة لزيارة المهرجان للمرة الأولى، إنه أقدم على زيارة المهرجان مع أسرته بعدما علم بقرار تمديده لثلاثة أسابيع أخرى، موضحاً أن قرار التمديد ولّد لديه فضولاً لاستكشاف المهرجان، بل وأصبح لديه يقين أن تمديده جاء بسبب نجاحه والإقبال الجماهيري الكبير عليه، وهذا لا يحدث إلا مع المهرجانات الكبرى.

وأكد أنه فوجئ بحجم المهرجان وعدد الدول الخليجية والعربية والعالمية المشاركة وما تعرضه من منتجات يدوية تقليدية تجسد موروثها وماضيها.

وأكد مشاركون أن قرار تمديد فترة المهرجان له الكثير من الجوانب الإيجابية، سواء من جهة استقطاب عدد أكبر من الزوار لمشاهدة منتجاتهم، أو من جهة إنعاش حركة البيع، حيث أكد حسن البروجي الذي يعرض منتجاته من السجاد اليدوي المصنع من الجلود الطبيعية في الجناح المصري بالحي العربي، أنه باع أكثر من 50 بالمئة من منتجاته في الأيام العشرة الأولى من المهرجان، بل عمل على جلب دفعات أخرى لمنتجاته من مصنعه بمصر في الفترة الماضية، ونظراً لتمديد المهرجان سيعمل على جلب دفعة أو دفعات أخرى من منتجاته التي لاقت قبولاً كبيراً من الزوار.

كما أوضح مضوي حسن مفرح، الذي يعرض منتجات من الجلود الطبيعية في الجناح السوداني ضمن الحي العالمي، أنه عمل هو الآخر على طلب استقدام دفعة جديدة من المنتجات الجلدية بعدما باع الكثير من معروضات محله، والتي لاقت إقبالاً كبيراً من الزوار، نظراً لأنها مصنعة من الجلود الطبيعية للزواحف والحيوانات الأليفة.

ويؤكد الحرفي الساخي إدريس الذي يعرض مشغولاته من النقش على النحاسيات والفضيات بالجناح المغربي أن قرار تمديد فترة المهرجان قرار حكيم يصب في المقام الأول في صالح العارضين والمشاركين، نظراً لما يشهده المهرجان يومياً من زيارات بالآلاف من مختلف الجنسيات، متسائلاً: أين من الممكن أن نعرض منتجاتنا أمام هذه الأعداد الغفيرة التي تمثل أكثر من 220 جنسية حول العالم؟، مؤكداً أن هذا لا ولن يحدث إلا في مهرجان الشيخ زايد التراثي.