صحيفة الاتحاد

ألوان

علماء الدين: الاحتكار من الكبائر.. حـرام شرعاً

القاهرة (الاتحاد)

«الاحتكار»، هو حبس مال، أو منفعة أو عمل، والامتناع عن بيعه وبذله، حتى يغلو سعره غلاء فاحشاً غير معتاد بسبب قلته، أو انعدام وجوده، مع شدة حاجة الناس أو الدولة أو الحيوان إليه، وقد تطورت عملية الاحتكار في هذا العصر، حتى أصبحت الشركات الصناعية والتجارية تقوم باعتماد وكالات لها في الأسواق، وهذا في النهاية يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ويشق على الناس، ومن ثم فقد واجهت الشريعة الإسلامية هذا التصرف ووقفت لمن يمارسونه بالمرصاد، حماية للمصالح العامة.

حرام شرعاً
تقول دار الإفتاء المصرية في فتوى رسمية: تطلق لفظة «الاحتكار» على التاجر الذي يأخذ توكيل سلعة معينة أو خدمة، سواء أكانت هذه السلعة ضرورية أو غير ضرورية، وسواء أحسن الالتزام بسياسة الأسعار أم لم يحسن، فبمجرد أنه وحده في السوق فيسمى ذلك من الناحية الاقتصادية احتكاراً، وقد يخلط المسلم بين الاحتكار المذموم شرعاً الوارد في نصوص الشرع، وبين استخدامات الناس للاحتكار، ولذا لا بد من بيان المقصود من الاحتكار في الشرع. والاحتكار شرعاً هو اشتراء القوت وقت الغلاء، وإمساكه وبيعه بأكثر من ثمنه للتضييق، وهو محرم ومن يفعله آثم لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «المحتكر ملعون»، وقوله: «من احتكر طعاماً أربعين ليلة، فقد بريء من الله، وبريء الله منه»، ويجري الاحتكار في كل ما يحتاجه الناس، ويتضررون من حبسه، من قوت وإدام ولباس وغير ذلك، والحكمة في تحريم الاحتكار رفع الضرر عن عامة الناس، ولذا فقد أجمع العلماء على أنه لو احتكر إنسان شيئاً، واضطر الناس إليه ولم يجدوا غيره، أجبر على بيعه دفعاً للضرر عن الناس، وتعاوناً على حصول العيش.
وعلى ذلك فمن احتكر سلعة ليست من ضروريات الحياة، كمن احتكر المكسرات أو الحلوى، أو السيارات الفارهة، أو غير ذلك مما يمكن للناس أن تستغني عنه فلا يعد ذلك من الاحتكار المحرم، وأن الاحتكام المحرم شرعاً هو شراء السلع والخدمات التي يحتاج إليها الناس حاجة ضرورية أو أساسية وقت الغلاء لرفع أثمانها وتحقيق الربح.

الإضرار بالناس
وحاصل أقوال الفقهاء تحريم الاحتكار لما فيه من الإضرار بالناس والتضييق عليهم في أقواتهم، فالعلة في تحريمه نفي الضرر ودفع الظلم عن الناس.
وقد أشار ابن القيم إلى حرمة الاحتكار، يقول: من أقبح الظلم أن يلزم الناس ألا يبيع الطعام، أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون، فلا تباع تلك السلعة إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون، فلو باع غيرهم ذلك منع وعوقب، فهذا من البغي في الأرض والفساد، والظلم الذي يحبس به قطر السماء. وقد اعتبر ابن حجر الهيتمي الاحتكار من الكبائر بناء على الوعيد الوارد في التحذير النبوي، وما شابههما في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر، والاحتكار ينافي صفة التقوى، كما ينافي الأمانة في التجارة لما فيه من التضييق والحرج والإضرار بالناس في أقواتهم، فاقتضى ذلك تحريمه أو كراهيته كراهية تحريم، كما يقول بذلك بعض الفقهاء.
والاحتكار من باب الظلم، لأنه تعلق بحق العامة، فإذا امتنع البائع عن البيع عند شدة حاجة الناس إلى السلعة، فقد منعهم حقهم، ومنع الحق عن المستحق ظلم وأنه حرام وقليل مدة الحبس وكثيرها، سواء في حق الحرمة لتحقيق الظلم.

أكل الأموال بالباطل
وقال علماء الدين إن المغالاة في الأسعار واحتكار السلع حرام شرعاً، وأكل لأموال الناس بالباطل، وأوضحوا أن الشريعة الإسلامية يسرت للناس سبل التعامل بالحلال لكي تكون أجواء المحبة سائدة بين الأفراد، وحرم الإسلام أكل أموال الناس بالباطل، فقال تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ...)، «سورة النساء: الآية 29».
يقول الدكتور عبد الفتاح إدريس، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر: «إن بعض التجار يستغلون الظروف لخلق أزمات في المجتمع مما يكون له أثر على أسعار السلع الضرورية»، موضحاً أن التجار يتحكمون في سعر سلعة معينة فيرتفع ثمنها إلى ما لا طاقة لكثير من الناس به، بحيث يعجزون عن تلبية حاجتهم منها، وقال: «إن الاحتكار هو حبس ما يضر بالناس حبسه بقصد إغلاء السعر عليهم»، وقد جاءت أحاديث عدة تدل على تحريم الاحتكار، منها: «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم، كان حقاً على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة»، وحديث: «من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ، والخاطئ هو المذنب العاصي لله تعالى»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس»، وكل الأحاديث تؤكد حرمة احتكار الطعام وغيره من أنواع السلع التي يحتاجها الناس، فإن حاجة الناس لا تتعلق بالطعام فقط، فقد تشتد حاجتهم إلى كساء ودواء ومأوى ونحو ذلك، واحتكار ما يحتاجون إليه من ذلك يضيِّق عليهم ويوقعهم في حرج، وإذا كانت العلة في حرمة الاحتكار هو الإضرار بالناس، فكل ما يترتب على احتكاره الإضرار بهم فهو محرم. وطالب الدكتور عبد الفتاح إدريس الجهات المعنية بالضرب بيد من حديد على من يستغلون حاجة المواطن والتضييق عليه وتعطيش السوق بغية رفع أسعار السلع لتحقيق مكاسب مادية على حساب المواطنين البسطاء، مشيراً إلى أن ذلك أجازه فريق من فقهاء الإسلام، بحيث توقع العقوبات التعزيرية على المخالفين، ومصادرة البضائع والسلع ونحوها مما يتاجر فيه، إن لم يلتزم بالسعر المناسب، أو توزيعها على الناس بالقيمة الأساسية لها.

آثمون مخالفون للشرع
أما الدكتور حامد أبو طالب، عضو مجمع البحوث الإسلامية، فيرى أن من يستغلون حاجة الناس في رفع الأسعار واحتكارها آثمون ويخالفون الشرع الذي نهى عن استغلال حاجة المواطن بصورة تخالف الشرع وتخالف القوانين الوضعية في الدول، معتبراً ذلك حراماً شرعاً، وأن مرتكبيه مفسدون في الأرض في حق الشعب وحق المجتمع.