حصاد عربي ودولي 2012

اليمن يطوي صفحة صالح ويستعد لـ «معركة الحوار الوطني»

ماهر شملولي (أبوظبي)- بعد احتجاجات ومشاحنات دبلوماسية على مدى عام شهد محاولة اغتياله أسدل اليمنيون الستار في فبراير 2012 على حكم الرئيس علي عبد الله صالح الذي استمر ثلاثة عقود، وذلك بانتخاب نائبه، عبدربه منصور هادي، المرشح التوافقي الوحيد، رئيسا مؤقتا للبلاد، لمدة عامين، بموجب اتفاق «المبادرة الخليجية» لإنهاء الأزمة اليمنية المتفاقمة على وقع احتجاجات مطالبة بإسقاط النظام الحاكم، وسط استعدادات لإطلاق مؤتمر الحوار الوطني الذي يعتبر فرصة تاريخية للوصول بالبلد إلى بر الأمان، حيث إن فشله سيقود البلاد إلى سيناريو أكثر إيلاما من «السيناريو الصومالي»، طبقا لتحذيرات المراقبين للشأن اليمني. وفي إطار تطبيق المبادرة الخليجية التي يستهدف انتقاليا سلميا للسلطة، أقرت الحكومة الانتقالية في اليمن مشروع قانون يمنح الرئيس السابق علي عبدالله صالح ومعاونيه «حصانة» من الملاحقة القضائية بتهم عديدة، من بينها قتل مئات المحتجين المدنيين، منذ اندلاع موجة الاحتجاجات المطالبة، منذ عام، بإسقاط النظام الحاكم. وظل الاعتراض على هذه الحصانة محور مسيرات الاحتجاج التي لم تتوقف طوال العام المنقضي، حيث شهدت صنعاء وعدة مدن أخرى مسيرات حاشدة على نسق أسبوعي للمطالبة بنزع الحصانة عن صالح و»تطهير» الجيش من أقاربه ، خصوصا نجله العميد أحمد علي، قائد الحرس الجمهوري الذي يشكل تقريبا أقوى ألوية الجيش. وظل اليمن طوال العام المنصرم، ولا يزال، يواجه أزمات خطيرة أهمها الحرب على تنظيم «القاعدة» الإرهابي الذي وسع هجماته ضد الجيش والمدنيين خاصة في الجنوب وإن مني التنظيم المتطرف في النصف الثاني من العام بهزائم متتالية، أفضت في نهاية المطاف إلى طرده من عدة مدن وبلدات كان يسيطر عليها. كذلك تدهور الوضع الإنساني في البلاد التي تتعرض إلى كارثة مجاعة لا تقل خطورة عن إرهاب «القاعدة». وبالانطلاق من هذا المحور نحاول في السطور التالية إلقاء الضوء «التوثيقي» الكثيف على الأحداث التي صبغت المشهد السياسي اليمني طوال العام الماضي:

الحرب على القاعدة
عقب تسلمه سدة الحكم حقق هادي مكسبا سياسيا كبيرا في سبيل فرض سلطته كرئيس لليمن بفضل الحرب على «القاعدة» في الجنوب، إلا أن المعركة لم تنته مع التنظيم الذي أثبت قدرته على توجيه ضربات موجعة. ونجح الجيش في طرد القاعدة من معاقلها في محافظتي أبين وشبوة بعد معارك شرسة أسفرت عن مقتل المئات. إلا أن «القاعدة» وجهت بدورها بعيد انسحابها من الجنوب ضربات موجعة لهادي إذ نجحت في تنفيذ عشرات الهجمات والتفجيرات وتبدو متجهة لتغيير استراتيجيتها بعد فشلها في السيطرة على الأرض.
وشهد اليمن هجمات انتحارية نفذها تنظيم «القاعدة» كان اخطرها هجوم نفذه انتحاري وسط جنود في ميدان السبعين جنوب صنعاء أثناء تمارين لعرض عسكري بمناسبة الذكرى السنوية الـ 22 لتحقيق الوحدة بين الشمال والجنوب، اسفر عن مقتل 96 جنديا يمنيا، على الأقل، وإصابة 300 آخرون. ووقع الانفجار أثناء وجود وزير الدفاع، اللواء ركن محمد ناصر أحمد، ورئيس هيئة أركان الجيش اليمني، اللواء ركن أحمد الأشول، اللذين يقودان، هجوما عسكريا واسع النطاق على مقاتلي تنظيم «القاعدة» في محافظة أبين جنوبي البلاد.
كما وقع هجوم انتحاري كبير استهدف مجلس عزاء في مدينة جعار بمحافظة أبين اسفر عن مقتل 40 شخصا واصابة 40 آخرين. وقُتل مسؤول أمن المحلق العسكري بالسفارة السعودية بصنعاء، خالد سبيتان العنزي، ومرافقه اليمني، وهو ضابط شرطة يدعى جلال مبارك شيبان في هجوم نفذه مسلحون مجهولون جنوب العاصمة صنعاء، وقتل مسلحان على صلة بتنظيم القاعدة معلما أميركيا بالرصاص بعد اتهامه بالتبشير في مدينة تعز جنوب العاصمة اليمنية صنعاء. وأرسلت واشنطن جنود وخبراء أميركيين، إلى قاعدة عسكرية في جنوب البلاد، لمساندة القوات اليمنية في حربها ضد مقاتلي تنظيم القاعدة في محافظة أبين الجنوبية، وشنت الطائرات الاميركية بدون طيار هجمات شبه يومية على مقاتلي القاعدة خاصة في محافظتي أبين وشبوة.
في خواتيم العام المنصرم وتحديدا في منتصف ديسمبر، حكمت محكمة عسكرية يمنية في ديسمبر على 93 عسكريا من الموالين للرئيس السابق بالسجن من ثلاث إلى سبع سنوات بتهمة شن هجوم على وزارة الدفاع اليمنية خلال أغسطس الماضي، ما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص، وترك مواقعهم العسكرية ومعسكراتهم ورفض أوامر رئيس الجمهورية وإطلاق النار والامتناع عن تنفيذ الأوامر والتسبب في القتل والشروع فيه والقيام بمسيرات ومظاهرات واضطرابات أمنية وإثارة الفتنة وقطع الطريق وإقلاق الأمن ورفض الأوامر العسكرية». وهاجم مئات الجنود من الحرس الجمهوري الذي يقوده اللواء احمد علي عبدالله صالح نجل الرئيس السابق، مقر وزارة الدفاع في وسط صنعاء بالأسلحة الرشاشة وبالقذائف المضادة للدروع، وذلك بعد أن حاصروه. ولكن القوات العسكرية التي تحمي الوزارة تمكنت من صد الهجوم بينما طردت الشرطة العسكرية جنود الحرس الجمهوري الذين تحصنوا في المباني القريبة من الوزارة.
وشهد اليمن العام الماضي سلسلة من عمليات الخطف، حيث خطف مسلحون نائب القنصل السعودي خارج منزله بعدن جنوبي اليمن، وموظفا فرنسيا يعمل في اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي بينما كان متوجها إلى ميناء الحديدة شمالي اليمن. وتم كذلك اختطاف مدرسة سويسرية في شبوة.
انقضى العام ولا يزال الجدل محتدما حول عقد مؤتمر الحوار الوطني الذي يعتبر اهم بنود المرحلة الثانية من اتفاق انتقال السلطة الذي تشرف عليه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والدول الكبرى في مجلس الأمن الدولي، حيث ترفض فصائل رئيسية في «الحراك الجنوبي» الانفصالي في الجنوب، على رأسها الفصيل الذي يتزعمه نائب الرئيس اليمني الأسبق وآخر رؤساء الجنوب، علي سالم البيض، المشاركة في المؤتمر بصيغته الحالية، وتشترط حوارا شطريا يمنح الجنوبيين حق تقرير المصير. وتشهد مناطق الجنوب تظاهرات مستمرة للتأكيد على رفض مؤتمر الحوار، الذي قالوا إنه سيكون «حوارا فرعونيا». وكان من المفترض عقد المؤتمر في نوفمبر الماضي إلا أنه أرجئ إلى أجل غير مسمى، وحتى نهاية ديسمبر لم يتم التوصل إلى اتفاق على تحديد موعد جديد لعقده، وسط ترقب وقلق بالغ من قبل الشعب اليمني من فشل مؤتمر الحوار.
ومن المقرر، أن تبحث ثمانية فصائل يمنية رئيسية متصارعة في مؤتمر الحوار قضايا رئيسية عالقة منذ سنوات، على رأسها الاحتجاجات الانفصالية المتفاقمة في الجنوب منذ 2007، والتمرد الحوثي في الشمال منذ 2004، إضافة إلى صياغة دستور جديد والاتفاق على نظام جديد للحكم.



إعادة هيكلة شاملة للجيش وإبعاد أقرباء صالح

في أواخر العالم أعلن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي إعادة هيكلة شاملة للجيش، ألغى بموجبها قوات الحرس الجمهوري النافذة التي يقودها نجل الرئيس السابق علي عبد الله صالح كما عزل ابن أخيه من قوات الأمن المركزي. وفي ما بدا أبرز قرار له منذ توليه سلطات الرئيس السابق قبل اكثر من سنة، ألغى هادي عمليا أيضا الفرقة الأولى مدرع التي يقودها غريم معسكر صالح، اللواء علي محسن الأحمر الذي يتمتع بنفوذ كبير في اليمن وكان انضم إلى حركة الاحتجاجات في 2011. وبحسب القرارات، قسم هادي القوات المسلحة إلى قوات برية وجوية وبحرية وحرس حدود وقوات احتياط استراتيجي، وجعلها تابعة هرميا لوزارة الدفاع، ومن ثم إلى رئيس الجمهورية وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة. وثبت هادي في المقابل قوات «الحماية الرئاسية» التي سبق أن شكلها في وقت سابق هذه السنة والحق بها عددا من وحدات الحرس الجمهوري. كما الحق وحدات الصواريخ بالقائد العام أي بالرئيس، بعد أن كانت تحت سيطرة الحرس الجمهوري. وتم استحداث أيضا وحدة للعمليات الخاصة.


مجاعة.. ووعود مانحين

تشير تقارير لمنظمات دولية ومنها منظمة «أوكسفام» أن اليمن على شفير أزمة غذاء كارثية، إذ أن هناك 10 ملايين شخص (44% من السكان) ينامون كل ليلة وهم يتضورون جوعا، نتيجة لأزمة انعدام الأمن الغذائي الحالية، وفي بعض المناطق هناك واحد من كل ثلاثة أشخاص يعاني سوء التغذية، كما أن هناك قرابة مليون طفل يمني مهددين بالموت جراء سوء تغذية حاد. وتعهد مؤتمر المانحين الذي عقد في شهر سبتمبر بالعاصمة السعودية الرياض بتقديم 6,4 مليار دولار لإعادة إعمار اليمن شريطة تحقيق إصلاحات سياسية وأمنية، منها 3,25 مليار من السعودية. وأعلنت نائبة رئيس البنك الدولي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا اينجر اندرسن أن «الرقم الإجمالي بلغ 6,369 مليار دولار، لتمويل حاجات المدى القصير وقسم من المدى الطويل». ويتضمن هذا المبلغ اكثر من أربعة مليارات دولار سبق أن اعلن عنها خلال اجتماع «أصدقاء اليمن» الذي استضافته العاصمة السعودية في نهاية مايو الماضي، بينها 3,25 مليار دولار من السعودية. وبالتالي، يكون حجم التعهدات حوالى 2,2 مليار دولار. وقال وزير التخطيط اليمني محمد السعدي أمام المؤتمر إن «حكومة الوفاق الوطني بحاجة إلى مبلغ 11,9 مليار دولار في المدى القصير، وهي بحاجة ماسة إلى صرف 4,7 مليار دولار بحلول فبراير لاحتياجات إنسانية طارئة».