صحيفة الاتحاد

دنيا

الهروب من البيت.. فشل في التوافق الأسري

خورشيد حرفوش (القاهرة)

يرتبط هروب الطفل من البيت إلى حد كبير بنمط التربية السائد، وكيفية معاملة الوالدين له وتعاطيهما مع مشكلات التوافق والنمو وإشباع الحاجات، ونمط التفاعلات الاجتماعية الأسرية بين أعضائها وطرق حل مشكلاتهم اليومية.
وقد تكون حالات هروب الطفل غير المتكرر لفترة قصيرة، شائعة لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12 سنة، ويكون سبب هذه الحالات عادة الخلافات الأسرية، أو البحث عن ملاذ وقتي آمن بين الرفاق، فقد يقوم الطفل بتحذير أبويه عن طريق التهديد بالهروب، وقد يهرب بعد ذلك لبضع ساعات ثم يعود والدموع في عينيه، عندما يحين موعد الطعام أو النوم، وفي هذه الحالة تؤدي مناقشة المشكلة وأسبابها مع الطفل إلى حل الإشكال ولو بشكل مؤقت.
إلا أن المشكلة الجدية هي تلك التي تظهر عندما يتكرر الهروب، أو الهروب لفترة طويلة، فمع النمو تزداد مهارة الطفل في الانتقال لمسافات طويلة والغياب عن المنزل، والإنفاق على نفسه، ومعظم حالات الهروب لا يخطط لها بعناية، وتنتهي مع الوقت بعودة الطفل إلى البيت طوعاً أو كرهاً.
لكن ماهي الأسباب؟ وكيف تعالج الأسرة هذا الموقف إن حدث لمرة واحدة أو متكررة؟

الأسباب
الاختصاصية النفسية آمال عبد الرشيد، توضح أسباب هروب الأطفال، عن طريق دخول كثير منهم في صراعات مع الأبوين قبل هروبهم، وعادة هم يشعرون بتجاهل الأبوين، ويتجهون إلى رفاقهم ليساعدوهم في حل مشاكلهم التي يواجهونها، كما تأتي نسبة كبيرة من الهاربين من بيوت مفككة، يكون الأب فيها «أو الأم» ليس هو الأب الطبيعي، ويعاني الطفل فيها صعوبة في التعامل مع الأب البديل أو الأب بالتبني، وتزيد في هذه البيوت حالات عدم الانسجام بين الأبوين، كما أن كثيراً من آباء الهاربين لديهم مشكلة إدمان على الكحول أو المواد المخدرة مما يسبب إساءة معاملة الطفل.

الأزمات المفاجئة
ويهرب بعض الأطفال عندما يجدون أنفسهم أمام مشكلات مفاجئة يعتقدون بأنها قاهرة وغير قابلة للحل، ومن الأمثلة على ذلك فشل الطفل الدراسي أو حصوله على علامات سيئة في المدرسة، أو تكرار التغيب عن المدرسة، أو الوقوع في خطأ التعدي بالكلام أو الفعل ضد زوجة الأب، أو أحد الإخوة أو الجيران، أو التورط في أعمال عنف أو سرقة أو ما شابه ذلك.
وتشير كثير من الدراسات إلى أنه يغلب على الهاربين أن يكونوا أفراداً قهريين يتخذون قرارات سريعة دون تخطيط كاف، وينظرون إلى أنفسهم كأشخاص غير كفوئين ولا أصدقاء لهم، وتظهر لديهم صعوبات في إقامة علاقات عميقة مع الآخرين. كما يستسلم بعض الآباء المتساهلين لمطالب الصبي عندما يهدد بالهرب، ويعيش مثل هؤلاء الآباء في خوف من أن يقولوا أو يفعلوا شيئاً يؤدي إلى هروب الطفل، وهكذا، فإن الطفل قد يستخدم الهروب كسلاح للضغط على الأبوين. كذلك قد يشعر الطفل أنه في حاجة إلى الحرية والاستقلال بعيداً عن سلطة الوالدين، فهم يعتقدون بأن والديهم يفرضان عليهم قيماً وأهدافاً مهنية لا يريدونها، ويرغبون في أن يخططوا حياتهم بأنفسهم.

الوقاية والحلول
وتطرح عبد الرشيد، عدة توجيهات ونصائح إلى الوالدين، للوقاية الاحترازية من هروب الأطفال، وفي مقدمتها إشاعة المناخ الأسري الصحي والإيجابي القائم على التواصل والحوار؛ لأن الهروب عادة محاولة يائسة يقوم بها الصغير لكي يوصل لوالديه أمراً حاول أن يخبرهما به دون أن يصغيا له. وملاحظة الإشارات المبكرة التي تدل على أن الطفل يعاني من مشكلة ما، أو أنه تحت ضغوط قوية مثل قيامه بالكذب أو السرقة أو الغش، أو أنه سيئ التوافق وكثير التشاجر مع الإخوة والأصدقاء والمقربين له، أو المعلمين، أو معاناته من الأرق أو التهيج. كما أن الأطفال الذين يشعرون بأن والديهم لا يعطيانهم شيئاً من الوقت والحب أو الثناء ينتابهم إحساس بالنبذ العاطفي، وقد يتوجهون إلى الشارع لإشباع حاجتهم إلى الحب. ومن ثم على الوالدين الانتباه إلى هذا الجانب.
وأضافت: عليهما أن يجعلا الطفل لا يشعر بالنبذ أو الخوف، مع تشجيعه على الاستقلالية والثقة بالنفس، بإعطائه مزيداً من الحرية والمرونة في التعامل فيما يتعلق بحياته واختياراته لأصدقائه أو حاجاته، وتجنب الوضعين المتطرفين «التسامح التام والتزمت الكلي»، مع تجنب الميل إلى اتخاذ قرار فوري دون تخطيط يتجه إلى معاقبة الطفل أو معاقبة الذات، فبدلاً من أن رمي الطفل إلى الشارع أو الاستسلام التمام لرغباته، يفضل استخدام أسلوب متدرج يقوم على بناء تواصل أفضل وحل المشكلة التي يعاني منها الطفل. وإذا لاحظ أحد الوالدين إرهاصات الهروب عليهما توضيح أن أسلوب الهرب يشكل تهديداً خطراً على حياته ويؤثر في وضعه النفسي، ولا يحل المشكلات التي يعانيها.

الحاجة إلى الحب
يحتاج الأبوان إلى تطوير علاقة وثيقة مع الطفل قائمة على الرعاية والاهتمام، فأكثر الحاجات إلحاحاً لدى كثير من الهاربين هي الحاجة إلى مزيد من الحب الوالدي، وغالباً ما تساعد رحلة أو إجازة يقضيها الوالدان مع الطفل في تحسين العلاقات بين أفراد الأسرة.. فعندما يفحص الوالدان - على سبيل المثال - مع الطفل الأسباب الفعلية التي تسبب الخلافات فيما بينهم، فغالباً ما يكتشفان أن نقطة الصراع الفعلية ليست مواعيد العودة إلى البيت أو الفوضى في الغرف، بل هي العلاقة بين الوالدين والطفل.