صحيفة الاتحاد

دنيا

محمد بن عبدالوهاب المشاري.. من بطون القصيم إلى سواحل فارس

عـُرف عن أهل منطقة القصيم، شمال إقليم نجد وسط المملكة العربية السعودية، وتحديداً أبناء «عنيزة» مدينتها الأشهر، الهجرة والترحال بحثاً عن حياة أفضل، لذا نجد لعائلاتها ذكر وبصمة في كل مكان حلوا به، ابتداءً من الأحساء والزبارة والبحرين والكويت، وانتهاءً بالعراق وبلاد الشام. بل هناك منهم من وصل إلى الهند، وأقام وعمل بها، كما هو ثابت في السجلات والوثائق البريطانية القديمة. في حين قررت شخصيات من عائلات عربية قصيمية نجدية عبور مياه الخليج، وانتقلت من ضفته الغربية إلى الشرقية للإقامة والعمل في مناطق مثل جزيرة قيس أو بندر لنجة. من هؤلاء، تاجر اللؤلؤ محمد بن عبد الوهاب المشاري، المولود في عام 1864 والمتوفى عام 1922.


عن آل مشاري كتب علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر في كتابه الشهير «جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد»؛ قائلًا: آل مشاري في عنيزة ثم في البحرين وبومبي من آل جناح من بني خالد». كما أتى على ذكرهم حسين بن علي الوحيدي في كتابه «تاريخ لنجة»، حينما عدد أسماء النبلاء وأشهر البيوتات التجارية في لنجة فقال: «آل مشاري وهم عرب من العتوب أيضاً (أي مثل آل خليفة الذين تحدث عنهم في الصفحة ذاتها)، هاجروا من البحرين إلى لنجة، وتوجد لهم برك من ناحية الغرب مشهورة ومعروفة تحمل اسمهم، ويقال لها برك المشاري أو البشاري». وتحدث المهندس محمد حاتم غريب عن كتابه «تاريخ عرب الهولة» عن هذه العائلة النجدية الكريمة، في معرض تعداده للقبائل العربية التي هاجرت إلى ساحل فارس وبره، فقال: «أسرة المشاري الذين عرفوا في لنجة بالكرم والتقوى والشجاعة وصار لهم فيها مساجد وصدقات جارية على شكل برك ماء، ومنهم الطواش والنوخذة عبدالمحسن المشاري، وقد سكنوا بومباي في الهند لفترة ولم يبق من هذه القبيلة أحد في بر وساحل فارس اليوم.
المؤرخ البحريني بشار يوسف الحادي أفرد فصلين في الجزء الثالث من كتابه «موسوعة ضياء البدرين في تاريخ البحرين، أعيان البحرين في القرن الرابع عشر الهجري» للحديث عن اثنين من رجالات آل مشاري هما: عبد اللطيف بن حسن المشاري، ومحمد بن عبدالوهاب المشاري.
وطبقاً لما أورده الحادي مستنداً إلى وثائق ومخطوطات، فإن آل مشاري ينتمون إلى بني جبر (الجبور)، والذين بدورهم ينتمون إلى قبيلة بني خالد من بني مخزوم. وعليه فإن الاسم الكامل لشخصيتنا المحورية هو «محمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن أحمد بن مشاري بن عثمان بن هاشل الجبري الخالدي المخزومي»، الجبري نسباً، والمالكي مذهباً، والأشعري عقيدة، والنقشبندي طريقة، بتعبير «محمد بن إبراهيم آل جغيمان الأحسائي مصحح كتاب «مختصر مفيد في الفقه على مذهب إمام الأئمة مالك بن أنس» الذي طبع على نفقة أحد أبناء عمومة المشاري، وهو إبراهيم بن سلطان بن عبد اللطيف المشاري، الذي امتلك وثيقة نادرة حول تنقلات وهجرات آل مشاري المفصلة منذ خروجهم من عنيزة في حوالي عام 1745 للميلاد.
طبقاً لهذه الوثيقة التاريخية، التي اطلع عليها المؤرخ الحادي واستخدمها للكتابة عن آل مشاري، نجد أن الجد الأكبر للأسرة هو عثمان بن هاشل الذي ولد في عنيزة في حدود عام 1695 للميلاد، وترعرع وعمل وتزوج وأنجب بها من الأولاد مشاري (الذي تـُنسب العائلة إليه) ثم ناصر.
وبحسب الوثيقة فإن مشاري وشقيقه الصغير ناصر، ووالدتهما ونحو 32 من جماعتهما انتقلوا من عنيزة إلى الأحساء في عام 1745 م، ثم ما لبث أن هاجر مشاري من الأحساء إلى الزبارة، حيث أقام بها فترة وجيزة. ومن الزبارة انتقل للعيش على الساحل الفارسي من الخليج، وتحديداً في مدينة «بوشهر». ومن الأخيرة انتقل إلى منطقة فارسية أخرى تدعى «جاه كوتاه» (أي البئر غير العميقة)، حيث سكن مع الدموخ الدواسر الذين كانوا يقطنون في المنطقة ذاتها، وتزوج بإحدى نسائهم التي أنجبت له ولده البكر «عبد الرحمن بن مشاري بن عثمان»، والذي انجب بدوره محمد، ومحمد رزق بعبد الحافظ، والأخير أنجب عيسى، وعيسى رزق بمحمد.
عاد مشاري من بلاد فارس إلى بلدة الزبارة مرة أخرى في نحو سنة 1748، وسرعان ما اقترن فيها بابنة كليب الزياني التي أنجبت له ولده أحمد. وفي هذه الحقبة من حياته بدأ العمل في تجارة اللؤلؤ، فكان يتردد على بومبي لبيع محصول اللؤلؤ مثلما كان يفعل خليجيون كثر في تلك الأيام. غير أن إقامة مشاري في الزبارة لم تطل كثيراً، فبعد مدة تركها واتجه إلى الأحساء، حيث تزوج من فتاة من عائلة العفالج (العفالق) المعروفة، وأنجب منها في حدود عام 1755 ولداً أطلق عليه اسم عبد اللطيف.
وتوفي مشاري في الزبارة، ودفن بها في عام 1773، تاركاً خلفه من الأبناء عبد الرحمن (فضل البقاء في بلدة جاه كوتاه ببلاد فارس)، وأحمد (عاش في الزبارة قبل أن ينتقل إلى البحرين)، وعبد اللطيف (عاش وترعرع في الأحساء ثم هاجر إلى مدينة سورات الهندية بولاية كوجرات، حيث عاش هناك أربع سنوات يعمل في تجارة اللؤلؤ ويراكم الأموال قبل أن يقرر الرحيل إلى الزبارة التي تزوج بها في حدود عام 1777، فرزق من الأبناء بمحمد وعبد الله وعبد الرحمن ويوسف وسعيد وعلي وحسن وعبد العزيز وإبراهيم وناصر وهاشل ومشاري وسلطان).
وفي أعقاب فتح البحرين على يد الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة (الملقب بالفاتح) في عام 1783، قرر عبد اللطيف بن مشاري وعائلته وحاشيته الانتقال للعيش في البحرين، فاستقر في المحرق إلى حين وفاته. غير أنه في حدود عام 1843 حدث خلاف بين أحد أبنائه، وهو تاجر اللؤلؤ مشاري بن عبد اللطيف بن مشاري، وبين الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة حاكم البحرين آنذاك، الأمر الذي قرر معه مشاري والعديد من أقاربه وأفراد أسرته ترك البحرين والانتقال منها إلى جزيرة قيس، حيث أقاموا لفترة طويلة، قبل أن ينتقلوا إلى لنجة التي كانت وقتذاك إمارة عربية مزدهرة يحكمها القواسم، هذا علماً بأن مشاري بن عبداللطيف المشاري توفي في لنجة بعد نحو أربعين عاماً من وصوله إليها (أي في عام 1882)، طبقا لما أشارت إليه الباحثة الإماراتية كاملة بنت عبد الله بن علي القاسمي في كتابها «تاريخ لنجة» (منشورات مكتبة دبي - 1993).
وهكذا استقر عدد كبير من آل مشاري في لنجة وقيس يتاجرون باللؤلؤ ويتعاملون مع الهند وأوروبا، ويقومون بأعمال البر والإحسان، من بناء للمساجد وحفر للآبار، وتوزيع للصدقات، وغير ذلك. من بين هؤلاء برز تاجر اللؤلؤ عبد الوهاب بن أحمد المشاري والد الشخصية محور حديثنا، والذي كان يتردد كغيره على الهند لبيع محصوله من اللآلئ، ويتردد على البحرين لزيارة أقاربه وأصدقائه، علماً بأنه توفي في لنجة بعد سنة 1915، مخلفاً وراءه ولداً وحيداً هو «محمد بن عبد الوهاب المشاري»، الذي رأى النور في لنجة في عام 1864م، وعاش بها في كنف والده الذي حرص على تلقيه دروساً في القرآن الكريم والقراءة والكتابة والخط والحساب، إلى أن شب وكبر، فأخذه إلى السوق ليتعلم تجارة اللؤلؤ.
لم يخذل محمد آمال والده، إذ سرعان ما بزغ كتاجر معروف وثري وذي علم بأحوال السوق وصاحب علاقات مع كبار تجار اللؤلؤ الخليجيين في بومبي. غير أن انتهاء حكم القواسم لبندر لنجة وما جاورها بمكيدة إيرانية، ومن ثم انتشار الفوضى وخراب الأسواق والتجارة نتيجة لذلك، جعل محمد بن عبد الوهاب المشاري وغيره من تجار وأعيان آل مشاري يقررون الهجرة. فمنهم من هاجر إلى دبي، ومنهم من هاجر إلى بومبي مثل محمد بن عبد الوهاب المشاري الذي لم يجد صعوبة في التكيف مع الحياة في الهند، لأنه كان يحتفظ بعلاقات صداقة وعمل سابقة مع طائفة من الأسماء الخليجية المقيمة هناك أو المترددة على بلاد الهند باستمرار من أمثال عائلة الإبراهيم الكويتية التي عــُرفت بـ «ملوك اللؤلؤ»، وتاجر اللؤلؤ البحريني الكبير الحاج سلمان بن حسين بن مطر، وتاجر اللؤلؤ البحريني/‏‏‏النجدي مقبل بن عبد الرحمن الذكير، وتاجر اللؤلؤ البحريني الآخر الحاج محمد بن أحمد بن هجرس. وقد أتاحت له هذه العلاقات أن يوظف أبناءه عند التاجرين الكويتيين الشيخين جاسم بن محمد الإبراهيم وعبد الرحمن بن عبد العزيز الإبراهيم لبعض الوقت، قبل أن ينفصلوا بتجارتهم، كما أتاحت له تعزيز مكانته التجارية وأحواله المادية في مكان الإقامة الجديد حتى بلغ من الثراء مبلغاً عظيماً.
وفي هذا السياق، يخبرنا المؤرخ الكويتي سيف بن مرزوق الشملان في الجزء الثاني من كتابه «تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت والخليج العربي» أن محمد المشاري كان يملك ثروة طائلة تقدر بنحو خمسة ملايين روبية، مضيفاً أنه أفلس سنة 1920، وتوفي عام 1922. وفي السياق نفسه، كتب الحادي في الكتاب المشار إليه آنفا ما يلي: «ويـُذكر أن محمد المشاري ترك (لذريته) بناية ضخمة سوداء في بومباي - لا تزال قائمة - وقد دفعوا له فيها في أواخر الحرب العالمية الأولى 17 لك، يعني 17 مليون روبية، ولكنه رفض بيعها بأقل من عشرين». ونشر الحادي وثيقة مؤرخة في شهر أبريل عام 1908، وموقعة من قبل وكيل نائب البصرة، تثبت أن محمد بن عبد الوهاب المشاري امتدت أملاكه، من الأراضي وبساتين النخيل، إلى البصرة وشط العرب.
ورزق محمد بن عبد الوهاب المشاري بولدين، هما خالد وعبدالوهاب، وابنة اسمها عائشة، علما بأن ابنه خالد سار على درب أبيه لجهة العمل في تجارة اللؤلؤ، والإقامة الدائمة في الهند، مع التردد من حين إلى آخر على البحرين لزيارة أقاربه وأصدقائه. وقد أتى على ذكره الأديب البحريني مبارك عمرو العماري في كتابه «محمد بن فارس أشهر من غنى الصوت في الخليج»، حينما أخبرنا أن منزله في الهند كان «مأوى للعديد من العرب المقيمين هناك، وعند وفاته بلغ ما تركه من النقود مليوني روبية عدا الأملاك والعقارات والجواهر واللآلئ».
ولعل من أهم الأشياء في سيرة محمد المشاري دوره في تأسيس «شركة المراكب العربية المحدودة» في عام 1911 في بومبي، برأسمال 250 ألف روبية، مقسمة إلى 500 سهم، قيمة كل سهم 500 روبية. فهذه الشركة التي كانت أول مؤسسة عربية ملاحية مساهمة، والتي جاءت فكرتها من عائلة الإبراهيم الكويتية المقيمة في الهند بهدف تقديم خدمات نقل المسافرين والحجاج والبضائع بين الهند وموانئ الخليج وشبه الجزيرة العربية بأسعار تنافس أسعار الشركات الأجنبية، فضلاً عن هدف آخر هو تدريب وتأهيل أبناء الخليج على أعمال جديدة مثل أعمال التوكيلات والشحن البحري وتشغيل البواخر والمناولة، وغيرها، ساهم فيها بحصة الأسد الشيخان جاسم الإبراهيم وعبد الرحمن الإبراهيم ثم محمد بن عبدالوهاب المشاري فبعض التجار العرب في الهند فالعديد من تجار الكويت وشيوخ آل صباح، إضافة إلى تاجر اللؤلؤ البحريني الحاج مقبل بن عبد الرحمن الذكير والحاج عبدالله بن حسن الدوسري (شيخ قبيلة الدواسر في البحرين)، والوجيه البحريني عبدالله بن جمعة بن إبراهيم. ولعله بسبب الحصص من الأسهم تولى الشيخ جاسم بن محمد الإبراهيم رئاسة مجلس إدارة شركة البواخر، فيما تولى محمد المشاري منصب مدير عام الشركة.
وكتب الشيخ محمد رشيد رضا، صاحب مجلة المنار، في مجلته أكثر من مرة حول شركة المراكب ومديرها محمد المشاري، مشيداً بفكرة الشركة وأهدافها النبيلة، حينما كتب: «كانت شركات البواخر الإفرنجية في الخط الذي بين الهند وخليج فارس وشط العرب تحتقر المسافرين من العرب والفرس، ولا تسمح لهم بالأكل على مائدة الدرجة الأولى، فلما أنشأ تجار العرب في بومبي شركة البواخر العربية زال ذلك الاحتقار وبطلت تلك المعاملة». ثم عاد وأشاد بمديرها محمد المشاري في عدد المنار رقم 16/‏‏‏396، عندما تحدث عن رحلته إلى الهند ولقائه مع «مدير الشركة الهمام محمد المشاري في قصر الزعيم الكبير صديقي ومضيفي الشيخ قاسم إبراهيم (يقصد جاسم الإبراهيم)».
وتطرق عالم الإنثروبولوجيا البحريني الدكتور عبد الله عبد الرحمن يتيم في كتابه «البحرين، المجتمع والثقافة» إلى محمد بن عبد الوهاب المشاري، فصنفه ضمن النخب الخليجية التي تقاطعت سيرتها وثقافتها مع البحرين والهند الفيكتورية، كما تطرق إلى موضوع تأسيس شركة المراكب العربية المحدودة، فقال: «إنها ولدت لكسر احتكار الملاحة البحرية الذي كانت تمارسه سفن بريطانيا الكولونيالية في مياه آسيا والهند والخليج العربي»، مضيفاً أن الشركة المذكورة، تحت إدارة المشاري، استطاعت خلال فترة قياسية أن تضاعف عدد أسطولها من المراكب إلى ست بواخر، بريطانية الصنع لنقل الركاب والبضائع. وقد حملت هذه البواخر لأول مرة أسماء عربية مثل «بدري» (تيمنا بمعركة بدر) و«الكويت» و«البحرين» و«الحجاز» و«بهلوان».
لكن ما الذي حل بهذا المشروع العربي الرائد لاحقاً؟ يجيبنا الدكتور يتيم (مصدر سابق)، فيقول: «إنه على الرغم من الأرباح التي حققتها شركة المراكب العربية المحدودة في سنوات قليلة مقارنة بما كانت تحققه «الشركة الهندية البريطانية للملاحة»، فإنها «تعرضت لنكسة وخسائر بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى والموقف المعادي الذي اتخذته السلطات البريطانية في الهند تجاه الشركة، ما أدى إلى تصفيتها عام 1915م». ويشار إلى أن المشاري خسر الكثير بسبب تصفية هذه الشركة التي كان مديراً لها، وأحد كبار مساهميها، الأمر الذي تسبب في إحباطه وإعلان إفلاسه في عام 1920، ومن ثم وفاته بعد ذلك بعامين، حيث توفي في عام 1922 بمدينة بومبي، ودفن بها بعد الصلاة عليه في جامعها، بحضور أهله وأصدقائه ومعارفه الكثر من الخليجيين والعرب المقيمين في الهند.
ومما وثقه المؤرخ الحادي في كتابه «النفيس» من مراسلات بين المشاري وعلية القوم في الخليج أثناء إقامته في بومبي، ومن بينها رسالة موجهة منه بتاريخ 25 يناير 1920 إلى الملك الراحل عبد العزيز آل سعود يخبره فيها بأن نجله الأمير فيصل وصل إلى بومبي قادماً من لندن، وأن الأخير «بحال الصحة والسلامة وقد اكتسب ولله الحمد والمنة بسفره هذا الصحة التامة، وحصل الاجتماع به والأنس والسرور، ووجدناه على جانب عظيم من وفور العقل ولطف السجايا وكرم الأخلاق، ولا يستكثر ذلك ممن هو فرع من دوحة المجد، ولله در من قال فأجاد في المقال: ومن تلاق منهم تقول سيدهم /‏‏‏ مثل النجوم التي يسري بها الساري».