عربي ودولي

كشف لغز وفاة الضحية البريطاني بـ «استاد الموت القطري» يشعل غضب لندن

دينا محمود (لندن)

عاصفة من الغضب الشديد تعم الأوساط البريطانية حيال عدم اكتراث النظام القطري بأرواح العمال المهاجرين العاملين في الدويلة المعزولة وغضه الطرف عن الانتهاكات الصارخة التي يعانون منها، وذلك بعدما كشف تقرير أعدته خبيرة في الطب الشرعي بالمملكة المتحدة أن تجاهل معايير السلامة والأمان هو السبب وراء مقتل عاملٍ بريطانيٍ، لقي حتفه لدى مشاركته في مشروع لتجديد ستاد خليفة الدولي في الدوحة، في إطار الإنشاءات الجارية حالياً للمرافق المُنتظر استضافتها لبطولة كأس العالم لكرة القدم لعام 2022.
وعلى مدى الساعات الأربع والعشرين الماضية، حفلت وسائل الإعلام البريطانية بمطالباتٍ للاتحاد الدولي للعبة الـ«فيفا» للتدخل لضمان حقوق هؤلاء العمال، في ظل الأرقام الصادمة التي تشير إلى فقدان الكثير منهم حياتهم، بفعل الظروف المزرية التي يعملون ويقيمون فيها، والتي تلقى تنديداً مستمراً من مختلف المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.
وفي افتتاحيةٍ شديدة اللهجة، قالت صحيفة «الجارديان» إن على الـ«فيفا» الذي «يحقق أرباحاً كبيرة من بطولات كأس العالم، مسؤولية الضغط على السلطات (القطرية) لضمان إجراء تحقيقٍ سريعٍ وشامل وشفاف في الوفيات، التي تقع بين العمال» المنكوبين، الذين يلقون حتفهم خلال مشاركتهم في تهيئة البنية التحتية الضرورية لإقامة النسخة بعد القادمة من المونديال.
وحذرت الافتتاحية من إمكانية تصاعد عدد الوفيات التي تُسجل في صفوف العمالة الوافدة إلى قطر خلال الشهور القليلة المقبلة، وذلك في ضوء الزيادة المتوقعة في عدد العمال الأجانب المشاركين في المشروعات المتعلقة بكأس العالم 2022 بواقع ثلاثة أضعاف تقريباً، قائلة إنه من المتوقع أن «يزيد هذا العدد من 12 ألف عامل إلى 36 ألفاً خلال العام الجاري».
وأكدت الصحيفة البريطانية ضرورة العمل على تجنيب أي أسرة أخرى من أسر العمال مواجهة ما عانت منه أسرة العامل البريطاني «زاكري كوكس»، الذي لقي حتفه في يناير من العام الماضي، بعدما هوى من ارتفاع 40 متراً خلال مشاركته في عمليات الإصلاح والتجديد المكثفة التي يشهدها ملعب خليفة، لكي يتسنى له استضافة عددٍ من لقاءات المونديال.
وأبرزت الافتتاحية ما خلص إليه تقرير الطبيب الشرعي البريطانية فيرونيكا هاميلتون-ديلي من أن مقتل كوكس تعود إلى تسليمه «معداتٍ دون المستوى المطلوب»، وهو ما أدى إلى فقدانه حياته، عندما انهارت بغتةً إحدى الرافعات التي كانت تستند إليها منصةٌ مرتفعةٌ في المكان.
وبلهجةٍ غاضبة، نددت الافتتاحية بتجاهل السلطات القطرية توفير الضمانات الخاصة بالحفاظ على سلامة مئات الآلاف من العمال الوافدين قائلةً: «العمال يموتون، ولكن أولئك المسؤولين عن تشييد الملاعب الرياضية في هذه الدولة الخليجية لا يبدون منزعجين».
وشددت «الجارديان» - ذات توجهات يسار الوسط - على أن ما استخلصته خبيرة الطب الشرعي البريطانية في تقريرها الذي قُدِمَ في مدينة برايتون بشأن ملابسات وفاة كوكس (40 عاماً)، يبرز «وجود حاجة إلى إحداث تغيير»، على صعيد الطريقة التي تتم من خلالها حماية أرواح العمال الأجانب في هذا البلد المنبوذ خليجياً وعربياً.
وتهكمت الافتتاحية على نحوٍ مرير من كون قطر واحدةً من أغنى دول العالم بل «ويُتوقع أن تنفق أكثر من 200 مليار دولار على مشروعات البنية التحتية الكبرى قبيل استضافتها لكأس العالم 2022، ورغم ذلك يبدو أن صالح العمال الذين يُشيّدون هذه المرافق» يلقى التحقير في كثيرٍ من الأحيان.
وأشارت «الجارديان» إلى أنه بالرغم من أن حكام الدوحة «تعهدوا في نوفمبر الماضي بإجراء إصلاحاتٍ واسعة في قوانين العمل، بما يشمل التخلص من منظومة تُوصف بأنها «عبودية العصر الحديث»‏ فإن (احترام) قواعد السلامة لا يزال قضيةً ملحة».
وألمحت الصحيفة البريطانية إلى أن الوقائع على الأرض تُكذّب تماماً أي مزاعم للسلطات الحاكمة في الدوحة في هذا الصدد، وضربت مثالاً بما حدث مع ملف مقتل العامل «كوكس»، قائلةً إن أسرته الثكلى فوجئت بـ «صمتٍ استمر لشهور من جانب السلطات القطرية، قبل أن تتحدث قبل أسبوع فحسب» بشأن القضية.
ومضى المقال الافتتاحي قائلاً إن هذه الأسرة «اكتشفت متأخراً أن تحقيقاً أُجري بعد أسابيع من واقعة الوفاة، وخلص إلى أنها نجمت عن مشكلاتٍ في ما سُلِمَ إليه (كوكس) من إحدى المعدات.. وأنه كان من المعروف أن هذه التجهيزات في حالة متردية».
وفي إشارةٍ واضحة إلى محاولات النظام القطري طمس الحقائق المتعلقة بفشله في ضمان سلامة العمال الوافدين، قالت «الجارديان» إن هذا التقرير الذي يكشف الأسباب الحقيقية لوفاة كوكس «لم يُنشر قط، ولم يُقدم إلى أقارب (العامل المتوفي) سواء من جانب أرباب عمله أو من قبل السلطات القطرية».
وشددت الصحيفة على أن أسرة كوكس تريد «تحقيقاً مستقلاً، وتحث وزارة الخارجية البريطانية على إثارة القضية بشكلٍ عاجل مع (سلطات) هذه الدولة الخليجية»، وهو ما يؤكد عدم الثقة في النتائج التي خلصت إليها التحقيقات القطرية حول هذا الملف.
وعلى الطرف الآخر من الطيف السياسي البريطاني، أفسحت صحيفة «دَيلي تليجراف» - ذات توجهات يمين الوسط - مساحاتٍ واسعة لنشر التفاصيل الخاصة بتقرير خبيرة الطب الشرعي الذي تناول واقعة وفاة كوكس، وهو العامل الغربي الوحيد الذي لقي حتفه في قطر وسط كثيرٍ من الحالات الأخرى المماثلة، التي وقعت وسط العمال القادمين من دولٍ آسيوية فقيرة، منذ بدء الإنشاءات الخاصة بمونديال 2022.
واعتبرت الصحيفة في تقريرٍ إخباري مطول أن سبب وفاة كوكس في 19 يناير 2017، يتمثل في استخدام «معدات مميتة»، في إيماءةٍ منها إلى المعدات غير المطابقة للمواصفات، التي يُجبر آلاف العمال الأجانب في قطر، على استخدامها دون اكتراث بسلامتهم.
وأبرز تقرير «دَيلي تليجراف» حقيقة أن السقوط المميت للعامل البريطاني نجم عن اتباع «ممارسات عمل جديدة، وصفتها (الطبيبة الشرعية البريطانية في تقريرها) بأنها غير آمنة بطبيعتها».
ولم تغفل الصحيفة البريطانية الإشارة إلى ما خلص إليه التحقيق الذي أجرته الطبيبة هاميلتون-ديلي، من أن المسؤولين عن عمليات تجديد الاستاد القطري جلبوا إليه رافعاتٍ إضافية «للإسراع بوتيرة الإنشاءات» بعدما شاب العمل في المشروع تباطؤٌ أدى إلى أن يتأخر عن الجدول الزمني الموضوع له.
ونقلت «دَيلي تليجراف» عن تقرير الطبيبة الشرعية اتهامه الواضح للمسؤولين عن مشروعات المونديال القطري المشبوه، بأنهم يستخدمون معداتٍ معيبة إما عن علمٍ منهم أو عن جهل، قائلاً في هذا الشأن إن «المسؤولين عن موقع (الإنشاءات في ملعب خليفة الدولي) عَلِموا، أو كان يتعين عليهم العلم بأنهم كانوا يفرضون - فعلياً - على مجموعة من عمالهم الاعتماد على معداتٍ من المحتمل أن تكون مميتة».
وفي وصفٍ صادم لما هو متبع في مواقع البناء والإنشاءات في قطر من ممارسات عمل تنطوي على الكثير من المخاطر، أشارت هاميلتون-ديلي إلى أن نظام العمل الجديد الذي ساد في الاستاد عند اتخاذ القرار بتسريع العمل فيه كان «فوضوياً وغير مهني، ولا يتسم بالرشد، وخطيراً بكل معنى الكلمة».
ونشر تقرير الصحيفة مقتطفاتٍ من بيانٍ أصدرته أسرة «زاكري كوكس» بعد كشف النقاب عن تقرير الطبيبة الشرعية البريطانية حول أسباب وفاته. وأبرز ما ورد في البيان من تأكيد الأسرة على إصرارها على تلقي «ضماناتٍ تكفل محاسبة من كانوا مسؤولين عن اتخاذ القرارات التي أفضت في نهاية المطاف إلى وفاة كوكس».
وأكد البيان رغبة أقارب الضحية البريطانية لاستاد الموت القطري في أن يعلموا «أنه تم استخلاص الدروس مما حدث، وذلك لكيلا تعاني الأسر الأخرى من ظروفٍ مماثلة».
وأسهب تقرير «دَيلي تليجراف» في استعراض المحاولات المستميتة التي أقْدَمَتْ عليها السلطات الحاكمة في الدوحة على مدى الشهور الماضية للتنصل من مسؤوليتها عن واقعة الوفاة، مُشيراً في هذا الصدد إلى مسارعة الشرطة القطرية إلى اعتقال أحد زملاء العامل القتيل، ويُدعى «جراهام فينس»، من أجل تحميله مسؤولية مقتل زميله.
وكان «فينس» يعمل وقت وقوع الحادث على منصةٍ شاهقة الارتفاع في ملعب خليفة، عندما فوجئ بـ«كوكس» يهوي قتيلاً بالقرب منه، لتسارع الشرطة القطرية بعد الحادث بساعاتٍ إلى اعتقال هذا الرجل، وهو ما اعتبره بمثابة بداية لكابوس استمر لنحو عامٍ، ظل خلاله عاجزاً عن الخروج من قطر. وروى فينس تفاصيل معاناته خلال تلك الفترة التي اعتبر أنها كانت «جحيماً» حقيقياً، قائلاً إنه اعتُقِل رغم أنه كان مصاباً بجروح قطعية ورضوضٍ في يديه جراء محاولته إنقاذ زميله الراحل. وأشار في هذا الشأن إلى أن شرطة قطر «لم تعبأ بذلك، (فقد) كانوا يريدون إلقاء اللوم على شخصٍ ما.. لا أزال اسمع صوت أبواب الزنزانة وهي تُصفَقُ خلفي. كان ذلك مرعباً»، مُؤكداً أن الشرطة استجوبته «منذ اليوم الأول كما لو كنت الشخص المسؤول» عن انهيار الرافعة.
وعلى الرغم من أنه لم يُزج بهذا الشاب وراء القضبان سوى ليومٍ واحد، فإنه ظل فعلياً «مُحاصراً في قطر»، بعدما مُنِعَ من مغادرتها لحين انتهاء التحقيقات التي تجريها الشرطة في القضية.
وقد رسم هذا الشاب صورةً قاتمة لمنظومة الشرطة والقضاء في قطر، قائلاً إنه «عَلِقَ في الجحيم» ما اضطره إلى إنفاق كل مدخراته للتمكن من الدفاع عن نفسه. وسرد تفاصيل معاناته هذه بالقول: «كنت معزولاً، وأسوأ ما في الأمر أنني كنت ممنوعاً من مغادرة البلاد. كنت عالقاً هناك بلا أصدقاء، ولا يوجد حولي أي شخصٍ تقريباً يتحدث الإنجليزية».
وأشار فينس - وهو من جنوب أفريقيا - إلى أنه ظل ممنوعاً من العمل طيلة فترة بقائه قسراً في قطر، نظراً لانتهاء سريان تأشيرة العمل الخاصة به، ورفض المتعهد - الذي جلبه للعمل في الأراضي القطرية - تجديدها.
واعتبر الشاب في تصريحاته أنه قُدِم كبشَ فداء للشركة التي تتولى الإنشاءات الجارية في ملعب خليفة الدولي قبل أن ينجو من «الجحيم القطري»، بعدما طار إليه محامٍ قادمٌ من جنوب أفريقيا للدفاع عنه وإنقاذه.
واكتشف المحامي بعد وصوله أن المحامية القطرية التي اُخْتيرت للدفاع عن موكله، لم تستطع تفسير عدم تقديم التقرير الداخلي، الذي أعدته الشركة بعد حدوث الواقعة ويبرئ ساحته، إلى المحكمة.
وأشار إلى أن هذا الموقف المشبوه لم يتغير سوى عندما بدأ في القول بصوتٍ عالٍ إن ثمة مؤامرةً تستهدف توريط موكله في واقعة القتل، «لتأتي المحامية في اليوم التالي إلى المحكمة باستراتيجية جديدة تماماً تستهدف إخراجه (فينس) من القضية».
وتأتي الفضيحة القطرية الجديدة المتعلقة بملف وفيات عمال مونديال 2022، في ظل تزايد الشكوك حول إمكانية بقاء هذه البطولة في الدويلة المعزولة من الأصل، وذلك في ظل تزايد الفضائح التي تحيط بها، سواء على صعيد ملابسات إسنادها إلى الدوحة، أو فيما يتعلق بما تشهده عمليات التحضير لإقامتها من انتهاكاتٍ لحقوق العمالة الوافدة.