الإمارات

عام استثنائي يدفع بفضائنا الوطني نحو العالمية

حين يسترجع المتابع لتطورات قطاع الفضاء في دولة الإمارات شريط التحولات والقفزات النوعية التي حققها منذ تشكل ملامحه الأولى، فلا شك في أنه سيلحظ هذه السلسلة الفريدة من الإنجازات التي وصلت إليها الدولة والمشاريع الضخمة التي أطلقتها خلال عام 2017، لنقطع من خلالها شوطاً طويلاً نحو طموحاتنا الفضائية.
استهل عام 2017 باستضافة قادة قطاع الفضاء العالمي وصناع القرار في أهم الهيئات والوكالات والمؤسسات الفضائية في أبوظبي، خلال فعاليات «مؤتمر الفضاء الدولي» في شهر يناير، الذي بحث توجهات القطاع خلال السنوات والعقود المقبلة، وسبل دفع وتطوير الروابط العالمية، محققاً إنجازاً كبيراً تمثل في جمع قادة وكالات وهيئات الفضاء العربية تحت سقف واحد، مؤكداً دور دولة الإمارات الريادي في تطوير المقدرات الفضائية العربية وسعيها نحو إحياء أمجاد الأجداد العرب، وإبراز التراث العريق للمنطقة العربية في مجالات الفضاء والعلوم.
ودخلت الدولة في فبراير السباق العلمي العالمي لإيصال البشر إلى المريخ خلال العقود المقبلة بخطوة استثنائية مع إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، إطلاق مشروع «المريخ 2117» الذي يُعد أحد أهم المشاريع الفضائية التي عرفتها البشرية، وتبعه في اليوم التالي الإطلاق ناجح لقمر «نايف1» الاصطناعي النانومتري إلى الفضاء الخارجي، بما يحمله من تكنولوجيا عملية وبحثية متطورة.
ولم يمضِ شهران بعد ذلك حتى جاء الإعلان في شهر أبريل عن إطلاق «البرنامج الوطني للفضاء» الذي يُعد أكبر خطة علمية متكاملة من نوعها في المنطقة لما تتضمنه من مشاريع فضائية وعلمية فريدة تشكل الإطار الجامع لمبادرات الدولة التي تستهدف استكشاف الفضاء، وعن إطلاق مجمع تصنيع الأقمار الاصطناعية ضمن مركز محمد بن راشد للفضاء، لتكون الإمارات أول دولة عربية تصنع الأقمار الاصطناعية بشكل كامل.
واحتفلنا في شهر مايو معاً بتخريج الدفعة الأولى من خريجي تخصص نظم وتقنيات الفضاء الأول من نوعه في المنطقة من «معهد مصدر»، وفي أغسطس بإطلاق تجربة الطالبة الإماراتية علياء المنصوري إلى محطة الفضاء الدولية، والتي كانت مصدر فخر لنا جميعاً لما حققته هذه الفضائية الصغيرة بأحلامها الكبيرة من إنجاز أكد حجم المواهب التي تزخر بها الدولة، وعلى التقدم الكبير الذي أحرزته في المجالات التعليمية المرتبطة بعلوم الفضاء، هذه التجربة التي نجحت بشكل سيمهد الطريق أمام الوصول إلى حلول تحمي رواد الفضاء من آثار البعثات الفضائية البعيدة.
وقدمنا في شهر سبتمبر للبشرية أكبر مدينة فضائية يتم بناؤها على الأرض مع الإعلان عن إطلاق مشروع «مدينة المريخ العلمية» الأولى من نوعها على مساحة تبلغ مليوناً و900 ألف قدم مربعة، لتكون نموذجاً عملياً صالحاً للتطبيق على كوكب المريخ، تبعه بوقت قصير إنجاز نوعي تمثل في فوز دولة الإمارات باستضافة الدورة الـ 71 للمؤتمر الدولي للفضاء، وهو الأكبر من نوعه على مستوى العالم للمرة الأولى على مستوى المنطقة ومنذ انطلاقه في عام 1950، وهذا دليل على اعتراف العالم ببرنامجنا الفضائي ومشاريعه. وشهدنا أوائل شهر ديسمبر إطلاق أول برنامج لاختيار وإعداد وإرسال أول أربعة رواد فضاء إماراتيين في مهمات فضائية، ما يؤسس لمرحلة جديدة تحلق بدولة الإمارات إلى فضاء العالم، وتؤكد ريادتها الإقليمية وطموحاتها العالمية، وعلى التزام دولة الإمارات بتقديم المعرفة العلمية في خدمة البشرية، وهو ما دفع بوصلة الفضاء العالمية إلى الدولة، تحقيقاً لرؤية مؤسسها وباني نهضتها المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه».
ولا يمكننا أن نغفل المنجزات الكبيرة التي تحققت هذا العام على مختلف الصعد، من بينها تلك التي شهدها «مسبار الأمل» الذي انتقل بأيادٍ إماراتية من مرحلة التصميم إلى مرحلة التجميع، وإطلاق عدد من جامعات الدولة لبرامج تعليمية متخصصة ودرجات علمية في مجال الفضاء، إضافة إلى مشاركة القطاع في أهم الفعاليات العالمية وتنظيم العديد من المخيمات الصيفية، فضلاً عن استضافة أهم الشخصيات البارزة في مجال الفضاء، مثل رائدي الفضاء السابقين «باز الدرين» و«آل ووردن» ومؤسس شركة «سبيس أكس» «إلون موسك».
وكان مسك الختام وأبرز لحظات الفخر لنا استقبال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة لوفد وكالة الإمارات للفضاء وممثلين عن القطاع الفضائي في الدولة، متيحاً لنا الفرصة لاستعراض أهم لإنجازات التي حققتها دولة الإمارات في علوم الفضاء آخر المستجدات الخاصة بمشروع مسبار الأمل والمشاريع الوطنية الأخرى الطموحة.
لقد كان تكليفاً مشرفاً لي أن أعاصر عن قرب هذه المرحلة الاستراتيجية في هذا القطاع الحيوي التي دفعته نحو العالمية، إذ كان هذا العام بالتحديد نقطة تحول فارقة وفترة استثنائية وضعت خريطة الطريق التي سنسير عليها خلال المائة عام المقبلة تحقيقاً لطموحات دولة الإمارات الفضائية، وما علينا اليوم، إلا أن نواصل هذه المسيرة ونستمر في مفاجأة البشرية بطموحاتنا التي لم يعد يسعها كوكبنا الأزرق.
أولى هذه الخطوات تبدأ بزرع علم الفضاء بين أبناءنا لتأهيل الجيل المقبل من قادة القطاع الذي سيدفعون به إلى المزيد من النجاحات والإنجازات والابتكارات، وذلك مع تطوير مختلف البرامج التعليمية والتدريبية الفضائية التي تحفزهم على خوض غمار هذا التحدي.
اليوم أرسينا القواعد الصحيحة على الأرض، وغداً ننطلق بها إلى فضاء العالم، وما علينا إلا أن نواصل العمل باجتهاد وإخلاص لنحقق أهدافنا.